تم اختيار لندن مؤخرًا عاصمةً للعالم؛ لما تحتضنه من سكانٍ شتى ومالٍ وفيرٍ، وفنٍّ مبتكرٍ وفكرٍ متنوعٍ، ونشاطٍ دءوبٍ وثقافةٍ حيةٍ وحريةٍ متأصلةٍ؛ مما يثري التعددية الثقافية والإثنية التي أصبحت ظاهرةً إيجابيةً في هذه المدينة الكبرى، وكان العمدة السابق كين ليفنجستون من أشد المتحمسين لهذه التعددية الثقافية التي تُثري لندن والمجتمع البريطاني عامةً.

 

ولمَّا كان الرجل يحترم هذه الظاهرة التي تُمهِّد للتعايش الإيجابي، فقد وقف في صفِّ المسلمين في بعض القضايا، ورحَّب بالحوار المفتوح، واستضاف العلامة د. يوسف القرضاوي، ولكنه فشل في الاحتفاظ بمنصبه.

 

فهل كان ذلك ثمنَ تعاطفه مع الإسلام؟ أأسقطه اللوبي الصهيوني واليمين المتطرِّف؟ أم انطفأ رونقه مع كسوف شمس حزب العمال الذي ينتمي إليه؟ أوَقَف معه مَن هُم في سن التصويت من 800 ألف مسلم يعيشون في لندن الكبرى؟ أم تكاسلوا؟ وهل تجاهلوا فتاوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث التي تدعو للتصويت؟

 

معادلة سياسية

المتتبع للأحوال يرى أن السياسيين في أوروبا يستخدمون ورقة كراهية الإسلام والهجرة للحصول على مكاسب سياسية، ليس فقط في هولندا والسويد والدنمارك والنمسا، وإنما يحدث هذا الآن في أُمِّ الديمقراطيات (بريطانيا) وغيرها من الدول الكبرى، ويكتسب هؤلاء الحظوة عند المتطرِّفين العنصريين والصهاينة الحاقدين؛ فالذين صوَّتوا لبوريس جونسون عمدة لندن الجديد يرفضون التعددية الثقافية ويعتبرونها تذويبًا للهوية القومية البريطانية، وقد كان جونسون المرشَّح المفضَّل في التصويت الثاني لمؤيدي الحزب القومي البريطاني اليميني المتطرف، وبذلك خسر حزب العمال بفارق نحو 140 ألف صوت فقط منصبَ أكبرِ مجلسٍ بلدي في بريطانيا للمرة الأولى من نحو 40 عامًا.

 

هذا الحزب الذي يرفع شعاراتٍ عنصريةً ومعاديةً للمهاجرين عمومًا، والآسيويين والمسلمين خصوصًا، حقَّق إنجازًا بفوزه بمقعدٍ في مجلس لندن، وحصوله على المرتبة الخامسة في انتخابات العمدة، ولكن التوافق العجيب أن فوز عمدة يميني في لندن، بمساعدة بعض أصوات اليمين المتشدد، جاء بعد أيام من فوز عمدة يميني في روما للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، وكان فوز جياني إليمانو- وهو من عتاة الفاشيين الجدد في إيطاليا- قد قوبل باحتفال مؤيديه برفع الأيدي على طريقة موسوليني، هاتفين "دوتشي.. دوتشي"، وقد تعهد عمدة روما في أول خطابٍ له بعد توليه منصبه الجديد بطرد 20 ألف مهاجر من المدينة!.

 

وإذا كان توسيع الاتحاد الأوروبي قد زاد من حدة الهجرة إلى دول أوروبا الغربية من دول أوروبا الوسطى والشرقية، فإن مشكلة المهاجرين من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تظل بؤرةَ الاهتمام في المدن الكبرى، مثل لندن وباريس وروما، خاصةً من جانب الأحزاب القومية والعنصرية.

 

حزب العمل والتحولات

بفقدانه مقعد لندن يكون حزب العمال قد خسر 331 مقعدًا في المجالس البلدية في إنجلترا وويلز؛ نجح المحافظون في انتزاع 256 منها، وإن كان الحزب قد تخلَّى عن قدرٍ من يساريته متجهًا نحو الوسطية السياسية في أواسط التسعينيات، إلا أن الدفة تتجه إلى اليمين وسطًا وتطرفًا.

 

وتأتي تلك التحولات في بريطانيا بعد عامٍ من تحوُّلٍ في فرنسا عبر وصول نيكولا ساركوزي إلى سدة الرئاسة الفرنسية، بادئًا حقبةً أكثر يمينيةً، وقاضيًا على آمال اليسار في السياسة الفرنسية، كذلك عاد رمز يمين الوسط الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني إلى الحكم في إيطاليا بعد تجربةٍ قصيرةٍ من حكم يسار الوسط، وهذه المرة فاز بيرلسكوني بأصوات اليمين المتشدد ممثَّلاً في حزب رابطة الشمال وغيره من قوى الفاشيين الجدد!.

 

الجدير بالذكر أن مجموع الأصوات في الانتخابات البلدية البريطانية أعطى الصدارة للمحافظين (44%) ثم الديمقراطيين الأحرار (25%)، ولأول مرة يكون حزب العمال في المركز الثالث بنسبة (24%) من الأصوات، وهو مؤشر خطير لعودة المحافظين وقوانينهم القومية ضد المهاجرين.

 

العمدة الجديد

 الصورة غير متاحة

الشيخ يوسف القرضاوي مع ليفنجستون

كان عمدة لندن السابق كين ليفنجستون صديقًا للمسلمين، وقد اتهم "إسرائيل" بممارسة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين، وبسبب مواقفه وصفه رئيس الوزراء "الإسرائيلي" السابق شارون بأنه مجرم حرب.

 

ويُعرَف ليفنجستون الملقَّب بكين الأحمر بميوله اليسارية، وكان قد وقَّع صفقة نفط مع الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز لتزويد حافلات لندن بالوقود، واستخدم الأموال التي تم توفيرها جرَّاء الصفقة في منح سكان العاصمة تذاكر بنصف الثمن.

 

أما العمدة الجديد بوريس جونسون (43 عامًا) فمعروف بتأييده القوي لغزو العراق، وتعاطفه الشديد مع "إسرائيل"، ولعل محصلة هذا التعاطف وغضب اليهود من مواقف ليفنجستون من أبرز الأسباب التي دفعت اليهود، حتى من حزب العمال، إلى التصويت لصالحه، رغم أنه ينتمي إلى حزب المحافظين.

 

وتقول عنه صحيفة الـ(ديلي تليجراف) البريطانية في عنوانٍ لها بوريس جونسون الكوميدي على شاشة التليفزيون بشكله الأشعث في البرنامج السياسي الكوميدي.. (هل لدي أخبار لك؟) كان محطَّ سخرية لمنتقديه، إلا أن ذلك أعطاه دافعًا كبيرًا وشعبيةً لدى الجمهور، وهو صحفي ألَّف عددًا من الكتب، وعمل بالصحافة، وتولَّى رئاسة تحرير المجلة السياسية الأسبوعية (ذي سبيكتيور) لمدة ستة أعوام.

 

ورغم أنه مسيحي نصراني، إلا أنه معروف بمواقفه المؤيدة لـ"إسرائيل" وربطه العنف بالإسلام، إثر تفجيرات لندن قبل ثلاث سنوات في مقالة مطوَّلة في مجلة (سبيكتيور) اليمينية التي كان رئيس تحريرها، وكان يتعاطى الكوكايين والماريجوانا أثناء دراسته في مدرسة إيتون للأرستقراطيين والنخبة وجامعة أكسفورد.

 

وقد وُلد في نيويورك، وإلى وقت قريب كان أمريكيَّ الجنسية، ويقول إن أبا جده لأبيه كان مسلمًا من أصل تركي، وعمل لمدة قصيرة كوزير للداخلية في الدولة العثمانية، وإن جده أسامة علي قد استقرَّ في بريطانيا عام 1960م، وغيَّر اسمه إلى ويلفر جونسون (!)، ويقول أيضًا إن له أصولاً يهوديةً يحملها من والد جده لأمه إلياس أفري لو المولود في العاصمة الروسية موسكو.

 

ماذا قال عن الإسلام؟

لأي قارئ غير مسلم للقرآن، فإن الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) يُعدُّ رد فعل طبيعي، وبالتأكيد فإن هذا بعينه هو ما ينوي النص القرآني الدعوة إليه وحكمًا عليه من خلال النص، ناهيك عما يُقال في المساجد؛ فإنه أكثر الأديان ضراوةً عرقيةً في قسوته ضد غير المؤمنين.

 

ويتساءل جونسون مستهزئًا عما يجري في المساجد والمدارس الدينية فيقول: "متى يصل شخص إلى القرن الثامن عشر على حمار إسلام القرون الوسطى؟!"، ويدعو في استهزاءٍ ووقاحةٍ كلَّ الدعاة إلى أن يعلنوا على الملأ وبصوت جهوري واضح- لفائدة شباب محلات الشيبس المولودين في برادفور- إنه لا يوجد نعيم أبدي لمنتحري القنابل، وليس هناك 72 حوريةً بِكْرًا في انتظار كل واحد منهم، والأمر ليس إلا وهمًا وتزييفًا واحتيالاً على العقول".. هذه هي الخطوة الأولى في نظره حتى تتم "برطنة" بريطانيا.

 

دور المسلمين

ما زال الحضور السياسي للمسلمين في بريطانيا قليلاً، ولم يشارك في التصويت للانتخابات البرلمانية السابقة إلا نحو 40% من حَمَلَة بطاقات التصويت، وعادةً ما يكون الإقبال على الانتخابات المحلية (البلدية) أقل، ومن هذا المنطلق فإن سلبيتهم أطاحت برجلٍ متعاطفٍ مع المسلمين، وأحلَّت مكانه رجلاً يتعاطف مع "إسرائيل"، ولمن لا يزال يتحرَّج شرعًا من المشاركة فإني أنقل له مختصرًا بعضًا من فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث والشيخ القرضاوي؛ عسى أن نتدارك الموقف في المستقبل إن شاء الله.

 

"إذا كان الوجود الإسلامي قائمًا في بلاد الغرب وله حضوره الديني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، فمن الطبيعي والمنطقي أن يحاول استكمال حضوره السياسي؛ إذ أصبحت السياسة تتدخَّل في كل شيء، وإذا تركنا السياسة فإن السياسة لن تتركنا؛ ولهذا يحتاج المسلمون في أي بلد إلى أصواتٍ تعبِّر عنهم في المجالس التشريعية، وتدافع عن حقوقهم؛ حتى لا تصدر تشريعات تجور عليهم، وتحرِّم عليهم ما أحلَّ الله، أو تعوقهم عن أداء ما فرض الله، أو تلزمهم بأمورٍ ينكرها الشرع، ومن الخير وجود مسلمين منتخبين في هذه المجالس مستقلين أو منضمين إلى حزب معين؛ يعملون للذود عن حرماتهم والدفاع عن حقوقهم باعتبارهم أقليةً؛ لهم الحق في ممارسة حياتهم الدينية وشعائرهم التعبدية بما لا يضر الآخرين، وهم سيستميلون معهم وإلى صفهم الأحرار والمنصفين الذين يناصرون العدل والحرية في كل زمان ومكان.

 

وقد بنيت الفتوى على قواعد؛ منها:

- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

- الأمور بمقاصدها.

- سد الذرائع.

- الضرورات تبيح المحظورات.

- الحاجة تنزل منزلة الضرورة خاصةً كانت أو عامةً.

- قاعدة المصالح المرسلة".

 

وبذا يستطيع المسلمون أن ينضموا إلى أي حزب من الأحزاب السياسية التي تعمل على الساحة، ويختاروا منها ما كان أقرب إلى المبادئ الإسلامية من ناحيةٍ، وما كان أكثر تعاطفًا مع المسلمين ومصالحهم من ناحية أخرى، وما كان فيه من أشياء تخالف الإسلام يتحفظون عليها.

--------

* بالاتفاق مع "المجتمع"