- محاولة لوقف تدفق الاستثمارات العربية على السودان

- الهدف هو قطع الطريق على استقلال سلة "الغذاء العربي"

 

هل هي مصادفة أنه في الوقت الذي تعلن فيه الخرطوم تزايدَ عوائدها النفطية وتدفق الاستثمارات العربية لزراعة القمح بغرض تحويل السودان إلى سلة غذاء عربية حقيقية، أن يحدث هجوم على الخرطوم من إحدى حركات التمرد في دارفور المعروفة بصلاتها القبلية مع حركة الرئيس التشادي إدريس ديبي (قبيلة الزغاوة) ومن ثم التحالف الغربي؟! وهل هي مصادفة أن يأتيَ الهجوم بينما وفود من السعودية ومصر والإمارات وقطر والكويت تعقد اتفاقيات لزراعة ملايين الأفدنة والحبوب؛ للتغلُّب على إشهار الغرب سلاح الغذاء في وجه العرب وتحويله القمح والذرة إلى وقود حيوي (ميثانول) بديلاً عن النفط؟! وهل هي مصادفة أيضًا أن يأتيَ الهجوم في أعقاب تدفق آلاف الجنود من عدة دول أوروبية إلى تشاد؛ بهدف السيطرة على منطقة الحدود بين السودان (دارفور) وتشاد، وأن تنسحب منظمات إغاثية تنصيرية استخبارية من أم درمان قبل هجوم عناصر حركة العدل والمساواة؟!

 

مخطط غربي خبيث

من نافلة القول أن يقال: إن الهجوم الذي نفَّذه قرابة 3000 من متمردي دارفور بقرابة 300 عربة "لاندوكروزر" مسلحة بمدافع مضادة للطائرات ومدافع رشاشة ثقيلة.. هو هجوم تقف وراءه تشاد ومن ورائها الغرب، وتحديدًا فرنسا وأمريكا؛ لأن الأهم هو السؤال عن الهدف من هذه المساندة الأجنبية لهؤلاء المتمردين عبر تشاد.

 

 الصورة غير متاحة

خليل إبراهيم مع مجموعة من مقاتلي حركة التمرد

والهدف هنا لا يحتاج عناءً كثيرًا في التفكير فيه؛ فهو يتلخَّص في السعي إلى ذات المخطط الاستعماري القديم الخاص بتفتيت السودان، ومنع خطط الهدوء والاستقرار، ومن ثَمَّ الإنتاج وتكثيف الزراعة التي تسعى الحكومة إليها، مستفيدةً من الظروف الدولية وارتفاع أسعار الغذاء التي دفعت دولاً خليجية وأخرى آسيوية إلى لتدفق إلى السودان، وتكثيف استثماراتها في مجال إنتاج الغذاء والزراعة، أي إن الهدف هو منع سعي العرب والمسلمين إلى تحويل السودان إلى سلة غذاء عربية وإسلامية تكفي العرب وتفيض؛ ما سينزع عن الغرب سلاحًا طالما رفعوه وهدَّدوا به منذ استخدام العرب سلاح النفط في عام 1973م.

 

من هذا الهدف الغربي الإستراتيجي الخبيث يمكن قراءة هجوم متمرِّدي حركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم على الخرطوم، ومحاولة زعزعة استقرار النظام؛ فللحركة مطالب تتعلق بتوزيع الثروة والسلطة في السودان بشكلٍ عام، مثلما حدث مع متمرِّدي الجنوب؛ ولهذا فإن من السهل استغلال ذلك من قِبل قوى دولية عبر الوسيط التشادي الذي يرتبط معهم بصلات قبلية (قبيلة الزغاوة) ومصالح مشتركة، بعدما سبق أن ساندوه ضد هجوم سابق على تشاد من متمرِّدين مدعومين من الخرطوم.

 

ولكن ما لا يدركه المتمردون هو أنهم تحوَّلوا إلى مجرد أداة في يد القوى الأجنبية عبر تشاد التي تُعدُّ حلقة الوصل بين الطرفين، وأن ما فعلوه لن يخسر من جرَّائه سوى أهل السودان والاستثمار هناك الذي يهرب من أرض المعارك، وأن الخاسر الأكبر هو العرب والمسلمون الذي سيظلون أسرى عبارة إنشائية تقال منذ مئات السنين عن تحويل السودان إلى سلة غذاء العرب دون أن تتاح الفرصة لتفعيل هذا الشعار؛ لأن هناك قوى غربية لها مصلحة في استمرار التوتر والحرب، وعدم الاستقرار في السودان، كي تستوليَ هي أيضًا على بتروله وثرواته المعدنية النفيسة!!.

 

مؤامرة صهيونية

 الصورة غير متاحة

 علي كرتي

والحقيقة أن تشاد هي مجرد مخلب قط أو وسيلة غربية وصهيونية لهزِّ استقرار الخرطوم، وإثارة المشكلات للنظام السوداني الذي يرفض التخلِّيَ عن تطبيق الشريعة، وهذا ما يؤكده علي كرتي وزير الدولة بوزارة الخارجية السودانية في تصريحات صحفية؛ حيث أوضح ضلوع منظَّمات صهيونية في محاولة الانقلاب الفاشلة التي شنَّتها عناصر من حركة العدل والمساواة المتمردة؛ سعيًا إلى السيطرة على الحكم بالقوة المسلحة، مؤكدًا في الوقت ذاته تورُّط جهات سياسية بالداخل السوداني في هذه المحاولة، سعيًا منها إلى عرقلة الانتخابات المقبلة عام 2009م.

 

وقال في شرحه للمؤامرة الصهيونية: "إسرائيل" لم تتورط بشكل مباشر في محاولة الانقلاب الأخيرة، لكن منظمات يهودية غربية تبلغ نحو 150 منظمة، ولها فروع في "إسرائيل" تجمع أموالاً طائلة من أجل دعم حركات التمرد بشكل عام، والعدل والمساواة تحديدًا.

 

وذكر كرتي أن المنظمات اليهودية الموجودة في الغرب ويُوجد ممثلوها في "إسرائيل"؛ تعمل ليلَ نهار على مساعدة حركات التمرد من جهة، والضغط أيضًا داخل الكونجرس الأمريكي لتأليبه وإصدار قرارات ضد الحكومة السودانية، وأن هذه المنظمات تساندها جهات داخلية تعمل على تنفيذ مخطط أمريكي إستراتيجي؛ هدفه تقسيم السودان إلى خمسة أقاليم منفصلة؛ تمثل خمس دويلات.

 

وأضاف الوزير السوداني أن السبب الرئيس لهذه المؤامرة أن في السودان ثروات طبيعية متعددة؛ أقلها البترول والمعادن، وموارد مائية ضخمة، وإمكانيات زراعية هائلة وتنوعًا في الطقس والموارد المائية يتيح وجود مناخات متباينة لإنتاج محاصيل مختلفة في ذات الوقت، وهو تنوع نادر؛ قلَّما يوجد في دول أخرى.

 

ماذا جرى؟!

 الصورة غير متاحة

آثار حطام سيارة خلفتها المواجهات مع متمردي العدل والمساواة

منذ أوائل مايو الجاري والحكومة السودانية ترصد تحركات غير طبيعية لفصيل العدل والمساواة في دارفور، وترصد دخول سيارات دفع رباعي حديثة مُحمَّلة بذخائر ومعدات قتالية، وتتحسَّب بالتالي لتصعيد من الحركة المتمردة على الرغم من وجود قوات مراقبة إفريقية هناك، لكنها عديمة الجدوى.

 

ولهذا استعدت الخرطوم، ولكن يبدو أن ثمة تراخيًا أو تهوينًا من هذا التسليح الجديد، اعترف به أكثر من مصدر سوداني للمجتمع، فلم تتحسب له الخرطوم جيدًا، أو بمعنى أدق لم تتصوَّر أن ينجح التمرد في الوصول إلى الخرطوم؛ لبُعد المسافة من دارفور (1400 كم)، كما أن وجهة الهجوم الأساسي كانت شمال كردفان التي تبعد 300 كم عن أم درمان.

 

ومع هذا شدَّد السودان إجراءات الأمن في الخرطوم، قائلاً إن لدى مخابراته معلومات تفيد بأن قافلة مسلحة من متمردي دارفور تتقدَّم نحو محافظة كردفان المجاورة للعاصمة؛ حيث تقع ولاية شمال كردفان على حدود ولاية الخرطوم وتتاخم العاصمة ذاتها، وقيل: إنها تخطِّط لشنِّ هجوم، برغم نفي حركة العدل والمساواة المتمردة، أي تحرك تجاه العاصمة السودانية.

 

ويعني تقدم المتمردين نحو كردفان ثم الخرطوم توسيعَ دائرة الصراع ونقله إلى العاصمة، رغم صعوبة تحقيق هدف قلب نظام الحكم في الخرطوم، ويوضح السفير المفوض بالسفارة السودانية في القاهرة إدريس سليمان قائلاً: "إن الهدف هو الإثارة والفرقعة الإعلامية وإظهار عدم استقرار السودان؛ لأنه يصعب على قرابة 50 عربة نجحت في الوصول إلى أقرب نقطة للعاصمة، وهي أم درمان أن تقلب نظام الحكم في السودان المستقر منذ 32 عامًا، خصوصًا أنها لا تحظى بأي دعم داخلي فِعْلي سوى من بعض معارضي النظام.

 

جرس إنذار

ومع أن المعركة التي دارت في أم درمان انتهت بأسر 300 عنصر من فلول التمرد المعتدية وتدمير 30 عربة والاستيلاء على 43 عربة أخرى، بالإضافة إلى قِطَع سلاح كثيرة، فقد لوحظ أن حسم المعركة مبكرًا لم يمنع استمرار وجود فلولٍ لهذه القوات غرب أم درمان؛ بدليل إعادة الخرطوم فرضَ حظر التجول مرةً أخرى بعد رفعه؛ ما يؤكد أن حجم التمرد كبير، والخرق الأمني للخرطوم ليس يسيرًا.

 

والمشكلة أن هذا الخرق ربما يغري قوى متمردة أخرى في دارفور لا تزال ترفض السلام على القيام بهجمات مماثلة، والسعي إلى نقل الصراع إلى العاصمة لتحقيق مزيد من الضغط على الحكومة.

 

هجوم أم درمان يشكِّل بالتالي تحديًا ليس فقط للخرطوم، وإنما لكل الحكومات العربية والإسلامية، كما أنه يمثِّل جرس إنذار أنه طالما استمرت القوى الأجنبية والصهيونية في التدخل في القضايا العربية والصراعات الجانبية، فسوف تتأجَّج هذه الصراعات أكثر، ولن يتضرَّر منها سوى الأمة العربية والإسلامية التي باتت على أبواب معركة غذاء حيوية وإستراتيجية ينبغي الاستعداد لها من الآن.

--------

* بالاتفاق مع المجتمع