يبدو أن الولايات المتحدة ماضيةٌ في محاولة تنفيذ مخططها "مشروع الشرق الأوسط الكبير" وإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحها ويحقِّق الأمن المفقود للكيان الصهيوني.

 

ويؤكد ذلك ادعاءُ الإدارة الأمريكية، وبإيعازٍ من الكيان الصهيوني، امتلاك سوريا مفاعلاً نوويًّا سريًّا خلال الفترة الأخيرة، ودعوتها الوكالةَ الدوليةَ للطاقة الذرية إلى التدخل للبحث عن المفاعل السوري المزعوم، في محاولةٍ لتكرار نفس السيناريو البغيض والكريه الذي اتبعته قبل احتلال العراق؛ حيث سبق وأن زعمت الولايات المتحدة وحلفاؤها، خاصةً بريطانيا، أن العراق يملك أسلحة دمارٍ شامل، وأنها تهدف إلى حماية العالم من الخطر العراقي، إلا أنه بعد مرور أكثر من خمس سنوات على الغزو الأنجلوأمريكي لبلاد الرافدين لم ولن يتم العثور على شيءٍ لتكشف كذب الإدارة الأمريكية، وأن ذلك لم يكن إلا مخططًا للسيطرة على ثروات العراق، خاصةً النفطية منها.

 

وقد بادرت الوكالة الدولية على الفور إلى استجابة الدعوات الأمريكية، وأعلنت أنها سترسل مفتشين أممين إلى سوريا للتحقق من صحة المزاعم الخاصة بوجود منشآت عسكرية نووية كانت "إسرائيل" قد قصفتها العام الماضي، إضافةً إلى ثلاثة مواقع تشتبه الاستخبارات الأمريكية في أنها مواقع لمفاعلات نووية.

 

ضغوط أمريكية

وذكرت صحيفة (واشنطن بوست) أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش تمارس ضغوطًا على مفتِّشي الأمم المتحدة لحملهم على توسيع نطاق بحثهم عن منشآت نووية سرية محتملة في سوريا.

 

وقالت الصحيفة إن الحكومة الأمريكية تهدف بفعلها هذا إلى التلميح إلى أن برنامج دمشق النووي ربما يكون أكبر من مجرد ذلك المفاعل المزعوم الوحيد الذي دمَّرته الطائرات الصهيونية العام الماضي.

 

ونسبت إلى مسئولين حكوميين أمريكيين ودبلوماسيين غربيين- لم تكشف عن هوياتهم- القول إن الإدارة الأمريكية حددت ثلاثة مواقع على الأقل، وأبلغت بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

 

الكيل بمكيالين

وبالرغم من أن العالم، وبخاصة الدول العربية والإسلامية، اعتاد على سياسة الكيل بمكيالين التي تتبعها الولايات المتحدة، والانحياز الواضح إلى "إسرائيل"، إلا أن هذا التحرك من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تهيمن عليها واشنطن تجاه دمشق، جاء في أعقاب ما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر إن "إسرائيل" تمتلك 150 سلاحًا نوويًّا، ليكشف عن قمة الانحياز إلى الكيان الصهيوني، وكيف أنها تغضُّ الطرفَ عن المفاعل النووي الصهيوني.

 

هذه التحركات الدولية تجاه سوريا بزعم سعيها إلى امتلاك سلاح نووي دون القيام بأدنى تحركٍ تجاه الكيان الصهيوني، هي مجرد مؤشرات على أن "إسرائيل" ليست فقط الوليد المدلل لأمريكا أو الدول الغربية، بل هي- وبالمقياس الأمريكي والغربي- خارج القانون، بل ومتمردة على القانون والشرائع الدولية، والاتفاقيات التي تحكم العلاقات بين الدول، والهيئات والمؤسسات والمنابر السياسية والقانونية الدولية.

 

تصريحات مريبة‏

وما يُثير الريبة في التحرك الدولي تجاه المزاعم بوجود مفاعلات نووية هو ما صرَّح به المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي بعد إعلانه أن مفتشي الأمم المتحدة سيزورون سوريا من 22 إلى 24 يوليو للتحقيق في المزاعم بأنها كانت تبني مفاعلاً نوويًّا في الموقع الذي هاجمته "إسرائيل" في سبتمبر 2007م".

 

فقد قال البرادعي- رغم أنه حافظ على بعض الليونة المعهودة في تصريحاته-: "نأمل تعاون سوريا الكامل في هذه القضية"؛ حيث إن استخدام مفرد "قضية"، وبكل ما توحيه الكلمة من معنى أن المستقبل القريب سيشهد توترًا ونزاعًا بين سوريا والمجتمع الدولي عبر المدخل النووي، وربما إثباتًا لفعالية هذا القرار في دفع دول إلى تقديم تنازلات أو تبرير تدخلات عسكرية على غرار ما حصل مع العراق وليبيا وربما إيران بعيدًا عن الأضواﺀ.

 

ومن ينظر إلى مطالبة الإدارةِ الأمريكيةِ الوكالةَ الدوليةَ للطاقة الذرية بالتفتيش عن مواقع دمشق النووية المزعومة، فإنه يجد أن هذه المطالبة تأتي بالتزامن مع إعلان بدء مفاوضات ومباحثات غير مباشرة وبرعاية تركية بين سوريا و"إسرائيل"؛ بهدف الوصول إلى اتفاق بين الجانبين.

 

التطبيع والمقاومة

ويرى المراقبون أن إثارة الموضوع النووي لسوريا هي محاولة للضغط عليها من أجل الدفع في اتجاه المفاوضات والتطبيع المجاني مع "إسرائيل" وعدم وضع شروط تعجيزية أمام الجانب الصهيوني من خلال التلويح بالعقوبات الدولية وفرض العزلة عليها.

 

وبحسب المراقبين فإن من خلال النظر إلى تصريحات الدوائر الصهيونية لأول مرة عن "عملية قتل البرنامج النووي السوري"، يطرح العديد من علامات الاستفهام حول هدف وتوقيت هذا الحديث، كما أنه يقدِّم دلالةً جديدةً على تصاعد النوايا العدوانية الأمريكية الصهيونية تجاه دمشق، ومن ثم اقتراب أَجَل استهدافها عسكريًّا.

 

ففي ظل المناورات الصهيونية الجارية تشن وسائل الإعلام في الكيان الصهيوني حملةً مبرمجةً ومدروسةً؛ هدفُها إظهار سوريا كقوةٍ مخيفةٍ تهدِّد الوجود الصهيوني، ومن الصواريخ بعيدة المدى، ومرورًا بالاستعدادات العسكرية للهجوم على "إسرائيل"، وانتهاءً بالسعي السوري إلى امتلاك أسلحة نووية.. يتضح أن ذراع العدوان قد اكتملت، ولم يبق سوى تنفيذ هذا العدوان.

 

ويرى محللون أن الهدف هو الضغط على سوريا للتخلي عن دعم المقاومة اللبنانية والفلسطينية من خلال احتضان رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وضمان أمن الكيان الصهيوني.

 

وفي النهاية فعلى سوريا أن تَحذَر من المحاولات الصهيوأمريكية الرامية إلى إضعافها وعزلها، خاصةً عن المحيط العربي، وتقديم مزيدٍ من الدعم إلى الكيان الصهيوني.