برزت مؤخرًا الأزمات العالمية، وأضحت تضاهي الإرهاب في تهديد أمن العالم؛ ألا وهي أزمة الغذاء وما يتضمن ذلك من نقصٍ حادٍّ في كميات المواد الغذائية الأساسية، وبالتالي ارتفاع جنوني لأسعارها.

 

واهتمام العالم بهذا الأمر الآن لا يعني أنه كان مكتفيًا غذائيًّا في السابق؛ فالجميع يعلم أنه يوجد الملايين ممن يعيشون تحت خط الفقر كما هو الحال في بعض دول قارة إفريقيا، وكذلك في قارة آسيا..

 

ولكن الجديد الآن هو أن أزمة الغذاء أصبحت تطال دولاً متقدمةً مثل بريطانيا، التي تستورد 37% من موادها الغذائية، ونصف حاجتها من الخضار و95% من الفواكه، ناهيك عن تأثُّر الدول النامية والفقيرة بهذا النقص المفاجئ والحادّ؛ مما أدَّى إلى إثارة اضطرابات وقلاقل سياسية كما حدث في مصر والفلبين.

 

إجراءات وخطط مستقبلية

وفي مقاطعات تايلاند المشهورة بزراعة الأرز اعتبرت حالات السرقة بسبب غلاء الأسعار الأولى من نوعها منذ أزمة النفط في منتصف السبعينيات، وتوقَّعت وزارة الزراعة الأمريكية أن إنتاج الأرز سيهبط إلى أدنى مستوى له منذ منتصف السبعينيات، وإن إنتاج القمح سينخفض أيضًا إلى أدنى مستوى له منذ عام 1946م.

 

وبينما يتوقع خبراء أن تبقى الأزمة قائمةً إلى ثلاث أو خمس سنوات قادمة، بدأت حكومات الدول الفقيرة والمتضررة باتخاذ إجراءات للحفاظ على أسعار منخفضة للمواد الغذائية المحلية لضمان اكتفاء السكان الفقراء منها؛ فقد حظرت كلٌّ من الهند وباكستان وفيتنام تصديرَ الحبوب، كما منعت مصر تصدير الأرز لمدة ستة أشهر؛ ابتداءً من الأول من أبريل الماضي.

 

وقد صرَّح رئيس البنك الدولي روبرت زويلك بأن أزمة الغذاء العالمية تتطلب الاهتمام العاجل من زعماء العالم، وناشد الدول المانحة أن تتبرَّع عاجلاً لمنع حدوث انخفاض عمليات توزيع الغذاء على الفقراء، وقال مسئول برنامج الغذاء في الأمم المتحدة كريك باور حسب تقديرات برنامج الغذاء، فإنه بحاجة إلى مبلغ 500 مليون دولار ليتمكَّن من توصيل الغذاء إلى 73 مليون شخص في إفريقيا وآسيا وأمريكا الوسطى ممن يحتاجون إلى المساعدة.

 

وأوضح أنه بينما كانت المجاعة سابقًا تنحصر في المناطق الريفية، فإنها اليوم امتدت إلى المناطق المتحضرة، وأضاف: هذا هو الوجه الجديد للفقر؛ فالطعام متوفر في الأسواق، ولكن لا يستطيع الناس شراءه، كما ذكر أن عجز الغذاء سوف يمتد إلى الشعوب الغربية المتقدمة كما هو الحال في أسكتلندة.

 

وعن الخطط المستقبلية أشار زويلك إلى أن البنك الدولي بالتعاون مع الدول المحتاجة في إفريقيا سيعمل على تنفيذ ما أسماها بالثورة الخضراء التي تهدف إلى التحول عن سبل المعونة التقليدية في إيصال الغذاء إلى الفقراء، وزيادة الإنتاج الزراعي المحلي إلى حدٍّ يسد حاجة الناس من المواد الغذائية وإنشاء أسواق محلية للتداول.

 

بنجلاديش وشبح المجاعة

وتعتبر بنجلاديش من الدول المعرَّضة لخطر شُحِّ الغذاء، كما ذكرت ذلك وكالة الصحافة المتحدة، وتحدث مراقبون ومن بينهم مستشار وزارة الغذاء في بنجلاديش عن إمكانية أن يصبح 30 مليون من السكان البالغ عددهم 150 مليونًا عرضةً للمجاعة، وقد كانت البلاد تواجه حتى الآن مشكلات عدة؛ منها النقص المتزايد في الأراضي الزراعية؛ بسبب أعمال التصنيع والتحضر، والتزايد المستمر في عدد السكان، وفيضانات وأعاصير دمَّرت ثلاثة ملايين طن من المحاصيل الزراعية، وتركت الملايين من البشر بدون مأوى.

 

ولذلك فإن الارتفاع الحاد في أسعار الأرز إلى نسبة 30%، وهي المادة التي تشكل أساس غذاء السكان؛ أدَّى إلى أزمة كبيرة في الدولة التي يعيش فيها ما يقارب نصف السكان على أقل من دولار واحد في اليوم، وخرج ما يقرب من عشرة آلاف من عمال النسيج في مظاهراتٍ طالبوا برفع أجورهم لمواجهة شبح ارتفاع الأسعار، وبينما تحاول الحكومة جاهدةً التعامل مع الأزمة بفتح متاجر في كلِّ مكانٍ في الدولة لبيع الأزر المدعوم حكوميًّا إلا أنها تبقى مهددةً بالسقوط.

 

أسباب ارتفاع الأسعار

واتفق المراقبون والمحلِّلون الاقتصاديون على أن من أهم أسباب ارتفاع أسعار المواد الغذائية مؤخرًا هو ارتفاع أسعار المحروقات، وبالتالي ارتفاع تكلفة تخصيب التربة وتكلفة نقل المحاصيل مقترنًا بانخفاض في الإنتاج؛ نتيجةً لأسوأ جفاف حصل لأستراليا على مدى قرن؛ والذي أدى إلى انخفاض إنتاج القمح بنسبة 60%.

 

ومن أهم أسباب هو ارتفاع الأسعار أيضًا، وهو سببٌ حديثٌ من نوعه؛ فإنتاج الوقود الحيوي الإيثانول المستخرج من الذرة والسكر ومحاصيل زراعية أخرى، والذي شجَّعت كلٌّ من كندا والولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى على إضافته إلى وقود الجازولين؛ وذلك لتقليل الاعتماد على النفط، وخفض نسبة التلوث في البيئة وظاهرة الاحتباس الحراري.

 

وأصبح جلُّ اهتمام المزارعين متوجهًا إلى زراعة تلك المحاصيل وبيعها لا لتصير خبزًا يطعم البشر وإنما لتصير وقودًا يغذي وسائل النقل، واقتطعت أجزاءً من الأراضي المخصَّصة لزراعة القمح وفول الصويا؛ لأجل زراعة الذرة وقصب السكر وبيعهما لصانعي الوقود؛ مما أدى إلى نقصٍ شديدٍ في محاصيل القمح وفول الصويا، وبالتالي ازدياد أسعارهما بشكل خيالي.

 

الوقود الحيوي

 الصورة غير متاحة

 أزمة الغذاء تطحن فقراء العالم

وتشن شخصياتٌ غربيةٌ هجومًا حادًّا على استخدام المحاصيل الزراعية لصناعة الوقود الحيوي بدلاً من توجيهها إلى الاستهلاك البشري؛ فقد دعا رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون المجتمع الدولي، بما فيه الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبند الدولي، إلى إعادة النظر في الدَّور الذي يلعبه إنتاج الوقود الحيوي في رفع أسعار المواد الغذائية؛ حيث قال: "نحتاج الآن إلى أن نتفحَّص التأثير الحاصل على أسعار الغذاء من مختلف طرق إنتاج الوقود الحيوي".

 

وذكر المحلل الاقتصادي "بول بروجمان" في مقاله عن أزمة الغذاء أنه بالإضافة إلى رفع الأسعار، فإن إنتاج" الإيثانول قد أتى بنتائج عكسية على البيئة، وأدى إلى تسارع ظاهرة الاحتباس الحراري؛ بسبب نزع الغابات وقطع الأشجار من أجل زراعة محاصيل القصب على أجزاء من زراعة محاصيل القصب على أجزاءٍ من أراضي الغابات.

 

وبحسب صحيفة (الجارديان) البريطانية، فإنه بالرغم من أن 20% من محصول الذرة في الولايات المتحدة الأمريكية قد ذهب إلى صناعة الوقود الحيوي في العام الماضي، فإن هذا الكم من الوقود صالحٌ لاستخدام 2% فقط من السيارات هناك.

 

وقال ديفيد كاميرون (من حزب المحافظين في بريطانيا) في انتقاده لسياسة تصنيع الوقود الحيوي: "باستطاعتنا إطعام شخص لمدة عام كامل من الحبوب التي تُستَخدم لتعبئة صهريج وقود واحد لسيارةٍ رياضيةٍ"، كما صرح روبن ماينارد من رابطة التربة الأمريكية، لصحيفة (صنداي هيرالد) قائلاً: "إن الولايات المتحدة تزرع حاليًا سدس محاصيل الحبوب من أجل السيارات، وهذا جنون"!.

 

وبالإضافة إلى الوقود الحيوي، فإن أسبابًا أخرى لرفع الأسعار لا يمكن أن تُغفَل، ومنها إقبال شعبَي الهند والصين، وهما من أكثر الشعوب عددًا، على تناول اللحوم بعد أن كان اعتماد وجبات السكان الهنود على الخضار بشكلٍ رئيسٍ، والصينيين على المأكولات البحرية، إلا أن تأثير العولمة وإقبال الناس على تناول الوجبات الغربية، مثل: "الهمبورجر" تطلَّب إنتاج كميات كبيرة من اللحوم، وبالتالي تربية أعدادٍ أكبر من الدواجن والمواشي؛ مما يستلزم زراعة كميات كبيرة من العلف والحبوب لإطعام تلك الحيوانات.

--------

* بالاتفاق مع (المجتمع).