في الوقت الذي تتواصل فيه هجمات القوات الإثيوبية على المدنيين الصوماليين، خاصةً في العاصمة مقديشو، وقَّعت الحكومة الانتقالية الصومالية و"التحالف من أجل إعادة تحرير الصومال" المعارض على اتفاق سلام في جيبوتي تحت رعاية الأمم المتحدة.

 

وينص على وقف جميع الأعمال العسكرية بين الطرفين وخروج القوات الإثيوبية من الصومال في غضون أربعة أشهر شرطَ أن تحلَّ مكانَها قواتٌ دولية.

 

ولاقى هذا الاتفاق ترحيبًا دوليًّا وعربيًّا باعتباره يمثل منطلقًا لحل الأزمة السياسية وإنهاء الحرب الأهلية والمعاناة الإنسانية التي يعيش فيها ليل نهار أبناءُ الشعب الصومالي‏.‏

 

جدل حول الاتفاق

 الصورة غير متاحة

شيخ شريف أحمد

وقد أثار الاتفاق جدلاً واسعًا في أوساط المعارضة الصومالية، وبلغ الجدال حدَّ التخوين لهذه الجهة أو تلك؛ ففريق شيخ شريف أحمد يرى في الاتفاق فرصةً لتحقيق قدرٍ من الاستقرار وإحلال السلام، ويرى أن إريتريا التي تأوي معظمَ قادة المعارضة الإسلامية وغير الإسلامية تسعى إلى إشعال الموقف لخدمة مصالحها في القرن الإفريقي.

 

وقبل الاتفاق استبق شريف ما يتوقَّعه من ردود فعل على الاتفاق، فدعا من مقرِّ إقامته بجيبوتي في مؤتمر صحفي عقده عبر الهاتف مع الإعلاميين، المسئولين في تحالفه إلى الوحدة "لتفويت الفرصة على الأعداء"، مطالبًا بتجنب الخطابات السياسية التي قد تؤدي إلى "انهيار مشاعر المجاهدين والشعب الصومالي".

 

إلا أنه وبالرغم من ذلك وفي أول رد فعل له على الاتفاق، أعلن الشيخ حسن ضاهر أويس رئيس مجلس شورى اتحاد المحاكم الإسلامية رفضَه اتفاقَ جيبوتي، معتبرًا أنه "لن يؤدي في أية حال من الأحوال إلى إقرار السلام".

 الصورة غير متاحة

 الشيخ حسن ضاهر أويس

 

وبرر أويس رفضَه اتفاق السلام بأنه "لا يحدد جدولاً زمنيًّا لانسحاب القوات الإثيوبية، وهذا ليس واضحًا"، ورأى أن "هدف الاجتماع كان إخراج الجهاد في البلاد عن سكنه، لكنني أعتقد أن نتيجة (المفاوضات) سيكون لها تأثير على المقاومة في الصومال".

 

وقال أويس في تصريحٍ له من مقر إقامته في إريتريا: "إن الاتفاق لا يُلزم إلا من وقَّعه"، مؤكدًا أن المحاكم الإسلامية "سقطت في السابق نتيجة مؤامرة دولية, والآن الإخوة وقعوا في فخ المؤامرة"، داعيًا "المقاومين" إلى تجديد قتالهم ضد القوات الحكومية والإثيوبية في الصومال.

 

خيبة أمل

ولا يرى كثيرون أن اتفاق جيبوتي سيجلب السلام إلى الصومال بعد مقاطعة أعضاءٍ بارزين في التحالف، وبينهم أويس المحادثاتِ، وقول المقاتلين في الميدان إنهم لن يعترفوا به.

 

واعتبر البعض أن الاتفاق "وُلد ميتًا على غرار عشرات الاتفاقيات التي تمت في السابق دون جدوى، وأن اتفاق السلام الصومالي هو حوار من أجل استهلاك المجتمع الدولي، فضلاً عن أن إثيوبيا ليست في وضعٍ يمكِّنها من الانسحاب.

 

فيما يرى البعض الآخر أن اتفاق جيبوتي يستبدل الاحتلال الإثيوبي للصومال بآخر أممي من خلال جلب قوات دولية إلى البلاد.

 

تساؤلات

ولكن البنود الذي تم الاتفاق عليها بين الحكومة والمعارضة الصومالية تثير عديدًا من التساؤلات؛ أهمها ما يتعلق بالضمانات لتنفيذ هذه الاتفاقيات، خصوصًا أن الأمم المتحدة هو طرف لا يُعوَّل عليه في تنفيذ الاتفاقيات، خصوصًا أن هناك كثيرًا من القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة أصبحت حبرًا على ورق.

 

وهنا سؤال آخر: الحكومة الانتقالية تستخدم الورقة الإثيوبية للضغط على تحالف جيبوتي.. ماذا لدى تحالف جيبوتي للضغط على الحكومة عند عدم تنفيذ بنود الاتفاق؟ وماذا أيضًا عن قوات الأمم المتحدة؟ وهل ستكون قوة خيِّرة وداعمة للسلام في الصومال؟ أم ستكون جبهةً جديدةً تكمل ما بدأه الإثيوبيون في الصومال؟ وهل حقيقةً سينسحب الإثيوبيون من الصومال؟ أم سيختلقون الذرائع من أجل عدم الانسحاب؟، خصوصًا أنهم مستعدون للبقاء وتحت أية ذريعة كانت، وقد قالها رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي بأن قواته لن تخرج من الصومال حتى هزيمة الجهاديين، أي في ما معناه ما دام هناك صوماليون ضد الوجود الإثيوبي، ومن المستحيل القول بأنه لا وجود لصومالي يقف ضد الأطماع الإثيوبية.

 الصورة غير متاحة

جانب من اجتماع أطراف الأزمة الصومالية بجيبوتي

 

ثم هل المسألة بهذه الصورة بأن الاختلاف هو بين الفرقاء الصوماليين، وإذا اتفقوا فيما بينهم فالأمور قد انتهت؟! أم المسألة صراع بين قوى استعمارية وقوى تحرُّرية في الصومال؟ وأن القوى الاستعمارية والممثلة بإثيوبيا، والتي تحظى بدعم أمريكي لها هدف واضح في السيطرة على الصومال، وأن المسألة فخ من أجل تقسيم القوى المناوئة لها من أجل الإعداد لضربة أخرى يكون الطرف الآخر قد استنزف؟، خصوصًا أن القوى التحررية في الصومال ترى أن المقاومة الصومالية ستستمر حتى إخراج آخر جندي أجنبي في الصومال.

 

وهي هنا مطالبة بأن تكون على درجة كبيرة من الوعي والتنظيم؛ لأن الأيام القادمة ستكون أصعب؛ إذ عليها أن تواكب التطورات وأن تكون على قدر كبير من التخطيط؛ فالقوى الكبرى تراهن على الإيقاع بين القوى التحررية والشعب الصومالي كي تحدث القطيعة، وهذا هو هدفهم.

 

وفي النهاية فإن الأيام القادمة ستحمل أجوبةً على كثيرٍ من الأسئلة، وعلى ما إذا كان اتفاق جيبوتي سيكون نقطةً لعودة الهدوء والاستقرار للصومال، أم أنه سيكون كمصير غيره من الاتفاقيات السابقة.

 

وبعد كل هذا، فإننا نأمل أن يسودَ الوطنَ السلامُ والأمانُ المنشودُ للأمة الصومالية جميعها، وخروجُ المحتل بحد ذاته إنجاز للمقاومة، وحفظٌ لماء وجه المحتل والحكومة الصومالية من الهزيمة المحققة على الأرض منذ اشتراكهما في هذه الأعمال 2006م.