بعد أكثر من 4 أشهر من إعلان استقلال كوسوفا عن صربيا؛ بدأت الدولة الحديثة حكمًا ذاتيًّا إثر دخول دستورها حيّز التنفيذ، لتدخل مرحلةً جديدةً قد تعزِّز موقعَها الدولي بعد اعتراف 40 دولةً حتى الآن، وستدير الأغلبية الألبانية المسلمة الإقليم الآن، ولكن وضع إدارة المناطق التي تقطنها أغلبية صربية يبقى غير واضح.

 

ويلتزم الدستور الجديد في بنوده بالإطار الذي وضعته خطة الوسيط الدولي السابق مارتي إهتيساري؛ التي تمنح كوسوفا استقلالاً مشروطًا وتحت الإشراف الدولي المؤقت.

 

وينص على أن دولة كوسوفا جمهورية ذات نظام ديمقراطي برلماني؛ يمتلك رئيسها صلاحياتٍ واسعةً ولغتها الرسمية الألبانية والصربية، ويتمتَّع كل مواطنيها بالحرية والحقوق الإنسانية الكاملة والمعايير الأوروبية الدولية.

 

ويلحظ الدستور الجديد للصرب والأقليات الأخرى في كوسوفا حقوقًا إداريةً خاصةً في مناطقهم مع كل ضمانات الحرية في ممارسة الشعائر الدينية والنشاطات الثقافية، واقتصرت الاحتفالات بتطبيق دستور كوسوفا الجديد على احتفال رسمي بسيط في قاعة رياضية في العاصمة بريشتينا؛ بحضور الرئيس فاتيمير سيديو ورئيس الحكومة هاشم تاتشي، وكبار المسئولين وأعضاء البرلمان وممثلي الدول التي اعترفت باستقلال كوسوفا.

 

وفي أول خطوة بعد اعتماد الدستور الجديد وقَّع رئيس كوسوفا فاتيمير سيديو مجموعةً من القوانين، عَيَّن بموجبها أول وزير للدفاع وآخر للخارجية، ووصف سيديو هذا الحدث بأنه "لحظة تاريخية لكوسوفا"، مضيفًا أنه أهم حدث منذ إعلان الاستقلال في فبراير الماضي، مؤكدًا أن الدستور الجديد يضمن حقوق الأقليات في كوسوفا، وأنه "رسالة مهمة للمجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي بأن كوسوفا دولة ديمقراطية".

 

 الصورة غير متاحة

هاشم تقي

وقال رئيس وزراء كوسوفا هاشم تقي: "اليوم يوم تاريخي؛ فيه نبدأ مرحلةً جديدةً على درب كوسوفا الديمقراطية ومتعددة الإثنيات"، وأعرب عن أمله في أن يمثِّل دخول الدستور حيِّز التنفيذ مرحلةً جديدةً على طريق الاندماج في الاتحاد الأوروبي وتطبيع العلاقات مع دول الجوار بما في ذلك صربيا.

 

من جهته قال يعقوب كرسنيتش رئيس البرلمان في كوسوفا: "أمامنا طريق طويل ومسئوليات كبيرة.. لقد بدأ عهد الجد من أجل الحرية والتنمية والاندماج في الاتحاد الأوروبي".

 

رد فعل

وفي أول رد فعل من جانبها، ردَّت صربيا على دخول دستور كوسوفا حيِّز التطبيق بتشكيل برلمان للأقلية الصربية، وأعلن سلوبودان سمرتسيتش وزير الكوسوفو بحكومة بلجراد عن هذا البرلمان في مدينة ميتروفيتسا المقسمة شمال كوسوفا.

 

وأعلنت بلجراد مع صرب كوسوفا عدم الاعتراف بالدستور الجديد، وقال الرئيس الصربي بوريس تاديتش إن بلاده "لن تعترف بهذا الدستور غير الشرعي، والذي سيسبب أضرارًا جسيمةً؛ لأن إقليم كوسوفا استنادًا إلى القانون الدولي جزء من صربيا"، واعتبرت صربيا أن دستور كوسوفا ليست له أي قيمة قانونية، مجددةً التأكيد في الوقت نفسه أن كوسوفا ما زال "إقليمًا صربيًّا".

 

وقال تاديتش "إن صربيا لا تقبل بإعلان دستور كوسوفا كواقع قانوني"، معتبرًا أن دخوله حيِّز التنفيذ "حدث سياسي له عواقب ضارة، لكنه بالنسبة لصربيا ليس صالحًا قانونيًّا"، مضيفًا "أن صربيا تعتبر كوسوفا إقليمها الجنوبي".

 

ولكنَّ رئيس كوسوفا ناشدَ السكان الصرب البالغة نسبة تعدادهم نحو 5% من السكان "ألا يكونوا حجرَ شطرنج في أيدي القادة المتشدِّدين في صربيا، وأن يعتبروا أن الأرض التي يقطنوها تحميهم وتقدم لهم الضمانات في الحياة والتطور والتقدم متساوين مع غيرهم".

 

وأكد أنه سيعرض على الصرب اعتلاء مناصب وزارية في الحكومة الجديدة، وسيمكِّنهم من التمثيل في المجالس التنفيذية الأخرى فيما سيُعطيهم الدستور الجديد حقَّ الترشيح والانتخاب وضمان (كوتا) لهم في البرلمان والمجالس التمثيلية المختلفة في جميع أنحاء كوسوفا.

 

 الصورة غير متاحة

أحد عناصر شرطة البعثة الأممية في كوسوفا

ويبدو أن تلك الضمانات الدستورية تهدف إلى إقناع الصرب بالقبول بالدولة الجديدة ونظامها المستقل ردًّا على معارضة صربيا استقلالَ كوسوفا التي تعتبرها جزءًا من أراضيها.

 

ويعني بدء تطبيق الدستور إعادة ترتيب الوجود الدولي في كوسوفا عبْر نقل مسئوليات الأمم المتحدة تدريجيًّا إلى الاتحاد الأوروبي؛ الذي سيرسل العديد من البعثات إلى الإقليم، وهو الأمر الذي تعارضه روسيا حليفة صربيا بشدة؛ بعد أن أصرَّت على أن هذه الخطوة غير شرعية؛ لأن مجلس الأمن لم يوافق على هذا القرار أصلاً؛ مما يجعل هذا الموقف أحد التحديات التي تواجهها المؤسسات الجديدة في كوسوفا.

 

جدل

وبالرغم من أن دخول دستور كوسوفا حيِّز التنفيذ يمثل حدثًا مهمًّا بالنسبة للدولة الوليدة، ولكن يبقى الجدل مستمرًّا حول الدور المستقبلي للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في الإقليم، كما يظل الغموض مكتنفًا دور من سيتولى الشئون الإدارية في المناطق ذات الأغلبية الصربية، وأين ستكون حدود السلطة في أجزاء كوسوفا المختلفة؛ حيث إنه من غير الواضح كيف سيطبّق الدستور في المناطق التي يسكنها صرب خاصة في مدينة ميتروفيتسا المقسمة على أسس إثنية شمال كوسوفا، والتي يندلع فيها العنف بشكل متقطع منذ الاستقلال.

 

وبعد دخول دستور كوسوفا حيِّز التنفيذ تصبح جميع الأمور المتعلقة بالقضاء والخارجية من صلاحيات الحكومة المحلية، إضافةً لتشكيل جيش وطني قوامه 2500 جندي ومثلهم من قوات الشرطة ليصبح لكوسوفا جيش وشرطة يبلغ عددهما 5 آلاف عنصر.

 

ورغم أن دستور كوسوفا بدأ حيِّز التنفيذ إلا أن هناك بعض العقبات والتحديات التي قد تقف في وجه تنفيذ هذا الدستور مستقبلاً؛ حيث إن التحدي الرئيس الذي سيواجه "كوسوفا" مستقبلاً هو قدرتها على بسط سيطرتها في كامل أراضيها وخاصةً مدينة ميتروفيتسا، وحسب كل التحليلات والتقديرات فإن هذه العملية ستستغرق فترةً طويلةً، وتكمن أهمية هذه المنطقة في كونها غنيةً بالثروات المعدنية أولاً، وثانيًا بسبب وجود كميات كبيرة من المياه فيها، تزوّد بها عدة مدن كوسوفية شمالية.

 

كما أنه من المتوقع أن يواجه الطرفان الدولي والأوروبي في كوسوفا مشكلةً جديدةً خارج إطار الرفض الصربي والروسي في حال قرار تبادل الصلاحيات من دون قرار دولي، وهي أن الدول الأعضاء في الأوروبي الرافضة للاستقلال والتي تمتلك قواتٍ عسكريةً في إطار القوة الدولية "كي فور" ستمتنع عن تنفيذ قرارات تتعارض مع المواقف الرسمية لحكوماتها، وهذا الأمر سيؤدي إلى نقل المهمات والصلاحيات فقط في الأجزاء الألبانية، فيما ستبقى الأجزاء الصربية في الشمال تحت إشراف "يونميك"، وهو ما يعني بقاء الأمور قابلة للاشتعال.

 

ولكن أيًّا ما كانت الأوضاع على الأرض فإن حلم الكوسوفيين الكبير أصبح حقيقةً على الأرض وأصبحت لهم دولة مستقلة بدستور جديد.