وجَّه الكيان الصهيوني تهديدات صريحة إلى إيران على لسان وزير النقل الصهيوني شاؤول موفاز ورئيس أركانه الأسبق بشأن مهاجمة الكيان للمنشآت النووية الإيرانية، قائلاً: "إن هذا قرار لا مفر منه".
وقال موفاز إنه إذا استمرت إيران في برنامجها النووي فإننا سنهاجمها؛ لأن العقوبات الدولية غير فعَّالة، مؤكدًا أن مسألة شنّ عملية عسكرية على إيران ستكون بموافقة الولايات المتحدة وتفهمها ودعمها.
يأتي كلام موفاز في الوقت الذي نشرت فيه جريدة (نيويورك تايمز) الأمريكية أمس الأول نقلاً عن مسئول في وزارة الدفاع (البنتاجون) قوله: إن "إسرائيل أجرت تدريباتٍ عسكريةً واسعةَ النطاق فوق شرقي البحر الأبيض المتوسط شاركت فيه أكثر من 100 مقاتلة من طراز (إف 15) و(إف 16) كتمرين لشن ضربة ضد إيران".
وقبل ذلك بـ24 ساعة وعقب اجتماع رئيس وزراء الكيان الصهيوني إيهود أولمرت بالرئيس الأمريكي جورج بوش بواشنطن كان قد قال إن برنامج إيران النووي اقترب من نهايته، وإن "إسرائيل" اتخذت الإجراءات اللازمة بهذا الصدد بالتشاور مع الولايات المتحدة.
![]() |
|
إيهود أولمرت |
وكان أولمرت قد حرص خلال زيارتِه واشنطن على نفي ما جاء في تقرير الاستخبارات الأمريكية، والذي أشار إلى أن إيران أوقفت برنامجها العسكري النووي عام 2003م، وعمل على إقناع المسئولين الأمريكيين بأن إيران ماضية في برنامجها العسكري.
وذكرت تقارير صحفية في وقت سابق أن أولمرت اتفق خلال زيارتِه للولايات المتحدة على استمرار التعاون بين الطرفين لإحباط المشروع النووي الإيراني، إلا أنه لم يتم الإفصاح عن سبل ذلك؛ أي ما إذا ما كانت دبلوماسية أو عسكرية.
فضلاً عن ذلك نقلت جريدة (معاريف) الصهيونية أمس عن مسئولين صهاينة آخرين صرَّحوا بأن الكيان الصهيوني سيجد نفسه في النهاية يعمل وحيدًا و منفردًا لشلِّ أو عرقلة البرنامج النووي الإيراني.
وأكدت الجريدة أن الولايات المتحدة والكيان اتفقا على العمل جنبًا إلى جنب إذا تعرَّض الكيان لهجوم إيراني، وأن الرئيس الأمريكي جورج بوش تعهَّد لأولمرت بأن تقف الولايات المتحدة إلى جانب الكيان وتزوِّده بالوسائل اللازمة لحمايته.
ويرى مراقبون أن التعهد ضوء أخضر للكيان الصهيوني لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، وأنه لا يمكن تحديد الحسابات الصهيونية التي قد تدفع إلى شنِّ مثل هذا الهجوم الذي سيكون الرد عليه عنيفًا.
ردود الأفعال
واختلفت المواقف الدولية حول تلك التهديدات بين الرفض والتأييد والدعوة للحوار؛ فالرؤية المصرية اتضحت على لسان السفير نبيل فهمي سفير مصر في واشنطن؛ الذي أكد أن حل المشكلة النووية الإيرانية يتمثَّل في ثلاث خطوات: تعليق إيران برنامجها النووي مؤقتًا، ثم منحها ضمانات بتوفير الوقود اللازم لبرنامجها المدني، وأخيرًا بذل جهود جدية خلال فترة التعليق للتوصل إلى إجراءات إقليمية لضبط التسلح؛ تستهدف إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.
بينما أدانت روسيا التهديدات، وأكدت أن أي حل قسري لمسألة البرنامج النووي الإيراني "غير مقبول وغير بنَّاء"، وقال سفير روسيا لدى الأمم المتحدة: إن تهديد إيران بعمل عسكري بشأن برنامجها النووي قد يعطِّل قوة الدفع الجديدة في حملة القوى الكبرى العالمية الست لحل المواجهة النووية مع طهران، وكانت وزارة الخارجية الروسية قد أصدرت بيانًا يوضح أن تصريحات شاؤول موفاز تشكِّل انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة؛ بما في ذلك مبدأ عدم اللجوء لاستخدام القوة أو التهديد بها.
وأضاف البيان أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تملك دلائل على وجود تحوُّل غير سلمي في البرنامج النووي الإيراني، بغضِّ النظر عن وجود بعض التساؤلات حول هذا البرنامج، وأكد البيان عدم وجود بديل للحل السلمي، محذِّرًا من أن أي عمل قسري ستكون عواقبه كارثية على المنطقة.
فيما قالت الأمم المتحدة إنها لا تتعامل بجدية مع تهديدات بمهاجمة إيران، مشيرةً إلى أنها تعتبر تلك التهديدات بمثابة تصريحات ليس أكثر، وطالب مسئول بالأمم المتحدة الجانبين "الإسرائيلي" والإيراني بوقف حرب التصريحات المتبادلة بينهما والتصرف بشكل مسئول، مضيفًا أن برنامج إيران النووي يتعيَّن التعامل معه عبر الحوار ومن خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فيما لم يُبْدِ الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا تفاؤلاً، وأكد أنه لا يتوقع معجزات، ولكن من الضروري أن تبقى الأيدي ممدودةً بالحوار.
يُذكر أن سولانا تقدم بعرضٍ جديد لحوافز من القوى الكبرى لطهران مقابل وقفها تخصيب اليورانيوم، ولم يتحدد بعدُ الموقف الإيراني تجاهها.
![]() |
|
محمد البرادعي |
على صعيد آخر أعلن مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي أن أيَّ هجوم على إيران "سوف يحوِّل المنطقة إلى كرةٍ من اللهب"، مضيفًا أنه "لا يعتبر إيران خطرًا في مجال انتشار الأسلحة النووية، وبخاصةٍ في المرحلة الحالية للبرنامج الإيراني".
وفي مقابلةٍ أجرتها معه قناة (العربية) قال البرادعي إنه "لن يبقى في منصبه في حال تم توجيه ضربة إلى إيران"، وفي المقابل قالت إيران إن أية ضربة ضد منشآتها النووية أمرٌ "مستحيلٌ"، وأكد الناطق الإيراني غلام حسين الهام: إنه "من المستحيل أن يمتلك أحد جرأة التعدي على المصالح والسيادة الإيرانيتين".
من ناحيته قال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إنه واثقٌ من أن الولايات المتحدة ستغيِّر سياستها أيًّا كان الفائز في الانتخابات الرئاسية، مبرِّرًا ذلك بما سمَّاه بتقلص دائرة نفوذ الولايات المتحدة، وأضاف في مقابلةٍ نشرت في جريدة (لا ريبوبليكا) الإيطالية أنه مستعدٌّ للحوار مع الجميع باستثناء النظام الصهيوني، وذلك في إطار معادلةٍ تقوم على الاحترام المتبادل والعدالة.
وأكد نجاد أن غزو بلاده عقدة أصابت بوش؛ لأنه لم يفلح أبدًا في الإقدام على تلك الخطوة، وأن بوش قد طالب بضرب إيران أو حتى بلدة أو بلدتين داخل إيران، لكن مستشاريه ذكروا له أن أية محاولة لضرب إيران تعتبر "خَلْقَ جهنم" ضد مصالح أمريكا، فيما سبق وصرَّح بأن زوال الكيان الصهيوني عن الوجود "بات وشيكًا"؛ وذلك خلال كلمةٍ أشار فيها إلى أن عهد تراجع واضمحلال قوى الولايات المتحدة الأمريكية قد بدأ.
يُذكر أن نجاد قد تقدم برسالةٍ احتجاجيةٍ إلى الأمم المتحدة على تهديدات الكيان الصهيوني المتكررة، وجاء في نص الرسالة الاحتجاجية أن الكيان "الإسرائيلي" قد تشجَّع بسبب لا مبالاة وصمت مجلس الأمن؛ حيث قام بخرق الأسس الرئيسة لميثاق الأمم المتحدة والحقوق الدولية، ويستمر في إطلاق التهديدات باستخدام القوة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
![]() |
|
محمود أحمدي نجاد |
وقالت الرسالة: إن "التهديدات الوقحة تعد بمثابة خرق فاضح وصريح لأبسط القواعد على صعيد الحقوق الدولية وميثاق الأمم المتحدة؛ مما يتطلَّب ردًّا وخطوةً حاسمةً وواضحةً من الأمم المتحدة، وخاصةً مجلس الأمن عليها".
في الوقت نفسه أكد رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني أن بلاده مستعدة لأية احتمالات عسكرية؛ بما فيها شنُّ كيانِ الاحتلال "الإسرائيلي" هجومًا على منشآتها النووية، وقال: "إن طهران مستعدة لكافة الاحتمالات، وإذا كان الاحتلال الإسرائيلي يخطط لعمل طائش فإن الضرر الذي سيلحق به سيكون أكبر من الذي سيلحق بإيران".
نتائج التهديدات
تسبَّب هذا الزخم من التهديدات الصهيونية لإيران، والتي زادت حدتها خلال الأيام الأخيرة، في إشعال أسعار النفط إلى رقم قياسي جديد؛ حيث قفزت أسعار النفط حوالي 9 دولارات خلال 24 ساعة، وسجَّلت العقود الآجلة تسليم 135.79 دولارًا في يوليو.
وكان سعر برميل النفط بلغ 135 دولارًا الشهر الماضي، ثم انخفض نسبيًّا، وليست تلك الزيادة هي الأولى؛ فنجد أننا استقبلنا العام بزيادةٍ في سعر برميل النفط في بورصة نيويورك 11 دولارًا مرةً واحدةً ليصل إلى نحو 139 دولارًا، وجاء الارتفاع في سعر النفط بعد تزايد حدَّة التهديدات الصهيونية حينها بضرب إيران إذا استمرت في برنامجها النووي، بجانب ما نُشِرَ من بيانات تؤكد أن مستوى البطالة الأمريكية بلغ أعلى نسبة له منذ 20 عامًا.
وتسود التوقعات بأن يتواصل الارتفاع إلى 150 دولارًا بحلول شهر يوليو القادم؛ حيث نشرت مؤسسة "مورجان ستانلي" تقريرًا توقَّعت فيه أن يؤدي ارتفاع الطلب على النفط في الدول الآسيوية، مثل الصين والهند، إلى أن يبلغ سعره 150 دولارًا بحلول يوم عيد الاستقلال الأمريكي، وهو الرابع من يوليو القادم، ويرى بعض المحللين أن سعر برميل النفط ربما يصل إلى 200 دولار خلال عام 2009م.
يُشار إلى إن إيران هي ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، ويخشى المتعاملون في أسواق النفط من أن يؤدي أي عمل عسكري ضد إيران إلى تراجع عمليات نقل النفط عبر الخليج.


