في ظل التهديدات المتبادلة بين إيران والكيان الصهيوني من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، ودخول البلدين مرحلةً من التصعيد عبر مناورات ومناورات مضادة، وتأكيد الولايات المتحدة أنها ستدافع عن تل أبيب وحلفائها في المنطقة، تلوح في الأفق نذر مواجهة عسكرية محتملة تتخذ من الخليج العربي مسرحًا لها رغم ما نشهده من انفتاحٍ أمريكي جزئي على إيران هذه الأيام.

 

الخيار الصهيوني.. الضربات الاستباقية

دفع الكيان الصهيوني الملف النووي الإيراني إلى رأس اهتماماته، ويشن حملةً مركزةً على إيران، ويقول إنه على استعدادٍ لمواجهة السيناريو الأسوأ، ورغم تهديد موفاز باستخدام القوة العسكرية من أجل تدمير المنشآت النووية الإيرانية، فإن هناك العديدَ من الأسباب التي تدفع الدولة العبرية لعدم القيام بهذه الخطوة:

1- في شعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية المعروفة بـ"أمان" يؤكدون أنه بعد 24 عامًا على قيام الكيان الصهيوني بضرب المفاعل الذري العراقي فإن الإيرانيين تعلموا الدرس.

 

2- رغم التوافق الكبير بين كلٍّ من تل أبيب والإدارة الأمريكية حول خطورة البرنامج النووي الإيراني، تُدرك تل أبيب أن الولايات المتحدة لا ترغب في إظهار الكيان كمَن يلعب دور الشرطي في المنطقة، لا سيما في ظل الجهود التي تبذلها واشنطن من أجل إعادة رسم المنطقة بما يخدم مصالحها، وبشكلٍ يسمح لدول المنطقة بالتساوق مع المخطط الأمريكي بأقل قدرٍ من الحرج.

 

3- لا يساور الدوائر الأمنية الصهيونية شك بقيام إيران والجماعات التي تدَّعي أنها مرتبطة بها بالرد على أي هجومٍ صهيوني على المفاعل الذري الإيراني، ويتوقعون في تل أبيب أن تتعرض المصالح الصهيونية واليهودية داخل الدولة العبرية وخارجها إلى موجةٍ من العمليات التي توقع الكثير من القتلى.

 

4- يُحذِّر الكثير من الإستراتيجيين في الكيان من المخاطرة بشنِّ عملٍ عسكري ضد إيران بسبب برنامجها النووي، في الوقت الذي أصبح فيه الحصول على التقنية النووية أكثر سهولةً، ويشيرون في الدولة العبرية إلى ما تم الكشف عنه مؤخرًا من قيام أبي المشروع الذري الباكستاني عبد القادر خان ببيع التقنية النووية لـ20 دولةً وشركةً في العالم.

 

وفي حالة قيام الكيان بالضربة العسكرية فإنه سيواجه العديد من الصعوبات التقنية، منها:

1- على الكيان الصهيوني أن يختار طريق الطيران الجوي إلى إيران، ورغم أن هناك احتمالات عديدة، فإن جميع هذه الطرق طويلة وتتضمن التحليق فوق أجواء دول لا ترغب في التورط في مثل هذا الأمر.

 

2- بعض الطرق تستغرق مدة تفوق كمية الوقود التي تحملها الطائرات، وبالتالي إما أن تتزود الطائرات بوقود في منتصف الرحلة، وبالتالي تعود مشكلة إيجاد موقع لحاملات الوقود لانتظار الطائرات، إلى جانب احتمالاتِ الكشف والاعتراض، وإما الاستيلاء على مطارٍ في مكان ما مدة الضربة واستخدامه لإعادة تزويد الطائرات بالوقود.

 

3- وبسبب هذه الصعوبات، فإن الضربةَ ستكون محدودة، تُغطي عدة أهداف أقل من الضربة الأمريكية، وبالتالي قد يُركِّز الكيان الصهيوني على مفاعل ناتانز.

 

ولكن التكلفةَ ستكون أصعب في التقدير، فعلى العكس من الولايات المتحدة، فإن الكيان الصهيوني غير منخرط في أية مفاوضاتٍ متعددة الأطراف، كما أنه ليس لديه "سمعة" عالمية أو إقليمية تحميه عندما يتعامل مع إيران، بالإضافةِ إلى أن إيران ستحدد ردها أو ثأرها من الكيان الصهيوني على حساب أنه يعد نفسه لاتخاذ إجراءاتٍ إضافية للسيطرة على أي تصعيد.

 

أما التكلفة المحتملة للولايات المتحدة فإنها ستكون سهلةَ الإدراك في حالة ضربة صهيونية، وحتى لو كانت واشنطن غير متواطئة أو ليس لديها علم، فإن الكثيرين في الشرق الأوسط لن يصدقوا هذا، وسيكون من الصعب على الولايات المتحدة أن تُقنع الأوروبيين والروس والصينيين، الذين يُشكِّلون أساسًا في أية تسويةٍ دائمةٍ مع إيران، أنها ليس لديها ما تفعله بخصوص الضربة الصهيونية، وبالتالي يمكن أن تكون الآثار الناتجة عن الضربة الصهيونية بالنسبة للولايات المتحدة تماثل الآثار التي قد تنتج عن الضربة الأمريكية.

 

الخيار الأمريكي.. غزو إيران

أوضح الميجور بروس تيري، في خطابٍ كتبه خلال العام الماضي بقاعدة فورت ليفينورث في ولاية كنساس أسبابَ عدم إمكانية استخدام الولايات المتحدة للخيار العسكري البري في التعامل مع إيران.

 

ويعتبر الغزو البري الكامل واحتلال إيران قضية ملموسة ومقبولة بشكلٍ هامشي فقط، ولكنها ليست مقبولةً عندما يقول البعض بأن منع إيران من امتلاك السلاح النووي يتطلب إمكانيات وتمويل باهظ، على الرغم من تأكيد أن الهدف الذي يرمي إلى إجبار طهران على وقف تطوير برنامجها النووي يجعل سياق العمل هذا مناسبًا، وقد تستغرق عملية الغزو 4 سنواتٍ على الأقل، في ظل توفر أفضل الظروف المثالية، من أجل نشر القوات المطلوبة لتنفيذ هذا الغزو فقط.

 

ومن المحتمل أن يتطلب الأمر إعادة نشر الجنود لتوفير عدد 125 ألف جندي تحتاجهم عملية الاحتلال، وسوف تُقدِّر أعداد الضحايا المحتملين بنحو عشرات الآلاف سنويًّا في كل عام من الاحتلال.

 

ومن الناحية المالية، سوف تكون التكلفة غير مناسبة مقارنةً بأي سيرٍ آخر للعمل إلا إذا تم قياس هذه القضية في ضوء احتمال شنِّ إيران لهجوم نووي في المستقبل على إحدى المدن الأمريكية، وما يضيف إلى هذه التكلفة هو أن إيران يتوقع أن تطلق عنانها لتنفيذ أقسى رد انتقامي محتمل.

 

وبالنظر إلى هذه التكاليف، فإن الميزة الكبرى لغزو واحتلال إيران في إطار السير العادي للأحداث هو التأكد أن البرنامج النووي الإيراني سوف يتوقف.

 

ومسألة غزو واحتلال إيران تمثل فرضية غير مقبولة أيضًا بسبب التكلفة الإنسانية والمادية الباهظة لهذه الخطوة، ولا يتناسب فرض التجنيد الإلزامي والتضحية بحياة الشبان الأمريكيين والعبء المالي لتمويل احتلال دولة يبلغ تعداد سكانها 69 مليون نسمة مع أي هدفٍ غير وقف نشر إيران الوشيك لأسلحة الدمار الشامل.

 

وفي النهاية، فإن خيارات القوة البرية المختلفة لتدمير قدرات إيران النووية تعتبر إما ملموسة أو غير مقبولة أو غير مناسبة لمواجهة التهديد النووي الإيراني، ولن تكون متطلبات وقت ومصادر الغزو البري لإيران متناسبة مع التكاليف المحتملة لخيار القوة الجوية، والزيادة المحتملة في التأكيد أن الآثار السلبية لهذه الخطوة لن تزيد بشكلٍ يمكن تقديره دون الرجوع إلى خيار الغزو والاحتلال المكلف جدًّا.

 

رغم وجود خطط أمريكية لغزو إيران منذ الحرب الباردة، فإن القيام بذلك الآن كخيارٍ يعتبر أمرًا مشكوكًا فيه، لعدة أسباب منها:

1- لأن احتلال دولة أخرى في الشرق الأوسط أكبر حجمًا وأكثر تعقيدًا سوف يبدو لأي فردٍ في واشنطن أو في العواصم الحليفة أمرًا غير مقبول، فعدد سكان إيران ثلاثة أضعاف عدد سكان العراق، ومساحة إيران أربعة أضعاف مساحة العراق.

 

 الصورة غير متاحة

أمريكي يبكي فراق جنود الاحتلال الذين سقطوا في العراق

2- أن القوات الأمريكية المطلوبة (المشاة) غير متوفرة، فالولايات المتحدة بالكاد توفر قوات للعراق وأفغانستان، وهذا الأمر من المتوقع أن يستمر لبعض الوقت، وبينما تفتقد الولايات المتحدة إلى قوات المشاة فإنها لا تفتقد إلى القوات الجوية والبحرية، والتي يمكن استخدامها ضد إيران كجزءٍ من برنامج شامل للمعاقبة والإضعاف، من خلال هجومٍ جوي يضم الفئات المستهدفة التي تم ذكرها من قبل، ويستمر لعدة أسابيع أو أشهر.

 

3- وبديل للضغط العسكري الشامل سوف يكون هناك بديل آخر، وهو فرض حصار جوي وبحري شامل على إيران، مع مناطق حظر طيران داخلية، وبينما قد يحقق الحصار بعض الأهداف، فإنه قد يفرض منفردًا من قبل الولايات المتحدة.

 

الخيار الأمريكي وإستراتيجية الاحتواء

قد يعتبر العمل العسكري جزءًا من إستراتيجية الاحتواء تجاه إيران؛ حيث يحقق عدة أهداف، فمن ناحيةٍ يتم إحداث دمار هائل لإيران قبل أن تنمو أسلحتها النووية، وتصل إلى درجةٍ تمكنها من ردع مثل هذا الهجوم، ومن ناحيةٍ ثانية يستخدم لمعاقبة إيران على تحدي الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، فضلاً عن إضعاف قواتها التقليدية.

 

وتتضمن إستراتيجية الاحتواء على عناصر عسكرية أخرى من خلال ردع إيران عن شن هجومٍ على الولايات المتحدة أو حلفائها عن طريق القوات الإستراتيجية الأمريكية- الصواريخ الباليستية عابرة القارات، الصواريخ الباليستية المطلقة بواسطة الغواصات، وقاذفات القنابل إلا أن إستراتيجيةَ الاحتواء، ورغم أنها تردع إيران عن استخدام الأسلحة النووية، فإن "امتلاك" إيران لهذه الأسلحة وإمكانية نقلها إلى دول أخرى تعتبر مشكلات لا تتعرض لها إستراتيجية الاحتواء، فامتلاك إيران لأسلحة نووية سوف "يرعب" جيرانها، ويسمح لها بالقيام بأعمال لم تكن لتقوم بها بدون امتلاك القنبلة النووية، إلى جانب أنه سيفتح الباب أمام موجة من الانتشار النووي في الشرق الأوسط، فالدول المجاورة لإيران مثل مصر والسعودية وتركيا سوف تسعى لامتلاك سلاح نووي، إما لأسباب تختص بالمكانة الإقليمية أو لاعتبارات الأمن القومي.

 

 الصورة غير متاحة

صواريخ شهاب تثير رعب الصهاينة

وأخيرًا امتلاك السلاح النووي قد يؤدي إلى نقله، فإيران قد تبيع القنابل أو التكنولوجيا إلى دول أخرى من قبل عناصر فاسدة أو مارقة دون علم القيادة العليا، كما أن التحكم في هذه الأسلحة قد يضعف أو يتلاشى نتيجة انهيار النظام أو لأي سببٍ آخر.

 

الخيارات الإيرانية

تبدي إيران مرونةً وبراجماتية عالية في التعامل مع التهديدات وفي التعامل مع التهديدات والإنذارات الزمنية في محاولةٍ منها لكسب الوقت من جهة والرهان على تفتيتِ الموقف الدولي عبر مجلس الأمن من جهةٍ أخرى فإيران ترتبط اقتصاديًّا بروسيا، كما هو الحال مع عددٍ كبيرٍ من الدول الأوروبية، وخصوصًا ألمانيا وفرنسا، كما أنَّ لها مساهمةً مهمةً في سوق النفط العالمي.

 

فإيران التي تحتل المرتبة الثالثة في العالم من حيث احتياطي النفط، والثانية من حيث احتياطي الغاز الطبيعي (تملك 15.5% بعد روسيا التي تملك 26.3%)، كما أنها ثاني أكبر مصدرٍ للنفط في دول الأوبك، ورابع أكبر مصدرٍ للنفط الخام في العالم.

 

لذا فتُعد القوة النفطية لإيران أحد العوامل الرئيسية التي تُعرِّقل ضربها على الرغم من عدائها الواضح للكيان الصهيوني، وهو الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة، فضلاً عن سعيها لامتلاك طاقة نووية تقول عنها طهران أنها للاستخدام السلمي، في حين تقول واشنطن أنها لامتلاك أسلحة نووية تهدد بها مصالح أمريكا والغرب،بالإضافة إلى أجندتها المتناقضة مع الأجندة الأمريكية في المنطقة سواء في العراق أو فلسطين لذا فإن الخيارات الإيرانية واضحة تمامًا في إمكانية استخدام ورقة النفط عاملاً حاسمًا في مواجهة التهديدات الأمريكية والصهيونية.

 

وإيران تملك اليوم ترسانة متقدمة من الأسلحة التقليدية، وربما غير التقليدية مما لم تعلن عنه، وتوجد قرب شواطئها بوارجُ حربيةٌ أمريكية تستطيع الأسلحة والصواريخ الإيرانية أن تطالها- في حال اندلاع أي حرب-، كما أن دول الخليج التي قد تتورط في مثل هذه المواجهة بضغطٍ أمريكي تعد مكشوفةَ الظهر عسكريًّا أمام إيران، وإن أي مشاركة لها قد تعدها إيران كافية لمهاجمة منشآتها النفطية، وربما مواقعها العسكرية من الشاطئ الإيراني مباشرة، ناهيك عن أن مجموعة السبعة الإسلامية التي اجتمعت في إسلام آباد في الشهر الماضي قد أعلنت رسميًّا رفضها المطلق للهجوم العسكري الأمريكي على إيران؛ لأنها تخشى من أن تتحمل الكثير من الخسائر المادية والبشرية جرَّاء مثل هذه المواجهات العسكرية غير محسوبة العواقب ولا الدوائر الأفقية، وستدخل منطقتها في أزمة جديدة، وهي لم تتخلص بعد من الأزمات في العراق وأفغانستان وتداعياتها بسبب التورط الأمريكي العسكري فيهما.

 

وهنا يمكن إيجاز الأوراق التي تستطيع إيران استخدامها حال شُن عمل عسكري ضدها، وهو ما تدركه واشنطن جيدًا:

الأول: إغلاق مضيق "هرمز" أمام البترول الذي تجاوز سعره حاجز الـ120 دولارًا للبرميل.

 

الثاني: هو أن الشيعةَ في جميع دول العالم متعاطفون مع إيران، ومعنى ذلك أن شيعة العالم سيجري عليهم ما يجري على شيعة إيران، فإذا تفجَّرت الأوضاع في إيران تفجرت البلاد التي تحوي الشيعة، وهذا من أخطر الآثار لضرب إيران.

 

الثالث: أن إيران لديها إمكانية الرد وتستطيع أن تضرب القوات الأمريكية في الخليج والعراق في مقتل؛ لأن الهجمات الإيرانية قريبة وإصابتها مباشرة.

 

الرابع: أن شيعة العراق قول واحد مع إيران، فلو انقلب شيعة العراق بجيشهم الذي يصل إلى 150 ألف جندي، فضلاً عن الشرطة والمسلحين على القوات الأمريكية في العراق فإن أمريكا ستتضرر، وسيُقبر الأمريكيون في العراق بأيد إيرانية وشيعية.

 

الخامس: مواجهة حزب الله وسوريا للكيان الصهيوني، واستهداف إيران للكيان الصهيوني مباشرةً.

 

السادس: مواجهة إيران لدول الخليج واستهداف مواقع البترول، فلديهم مجموعات فدائية جاهزة لاستهداف الحكام والبترول وغير ذلك.

 

السابع: تجميع المتطرفين في العالم والذين يتعاطفون مع إيران ضد واشنطن، فكل مَن هو ضد العولمة وضد أمريكا سيكون مع إيران، كما سينتقل الإرهاب من العراق إلى إيران.

 

أخيرًا.. على الرغم من الانطباع السائد بأن الإدارة الأمريكية لا تفكر حاليًا بضرب إيران، وهو ما أكده الرئيس بوش مؤخرًا، فإن كل الأجواء تبدو ضبابية، مع أنه قد لا يصل التصعيد إلى حدِّ المواجهة العسكرية، فقد تلجأ واشنطن لإسقاط حكم نجاد بمساعدة المعارضة لتشكيل حكومة ظل تشجع المواطنين على القيام بمظاهرات ضخمة والإضراب عن العمل في قطاع النفط، كما حدث في الأشهر الأخيرة لحكم الشاه، لكن المؤكد أن أي عملٍ عسكري سيؤدي بالضرورةِ إلى إشعال الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، وسيترك آثارًا وخيمةً يصعب التكهن بجحيمها.

--------

* باحث ومحلل سياسي- abomefr7@gmail.com