- شركات كبرى ورموز الفساد حاولوا شراء ذمم بعض البرلمانيين
- نعوِّل على وجود رقابة شعبية على البرلمانيين لمكافحة الفساد
- هدفنا إحراج الدول التي تغطي الفساد وكشفها
حاوره بالرباط- عبد الله الراشدي:
أكد ناصر عبد الله الصانع رئيس الفرع العربي لهيئة "برلمانيون ضد الفساد" أن هناك محاولات حثيثة من بعض الشركات الكبرى ورموز الفساد في الدول والحكومات تحاول شراء ذمم البرلمانيين، الذين أصبح بعضهم مجرد "محفظة مالية أو مُدافع عن مصالح خاصة".
وكشف ناصر الصانع في حوارٍ أجراه مراسلنا في الرباط معه إثر زيارته إلى المغرب، أهداف شبكة "برلمانيون عرب ضد الفساد"، وإستراتيجية عملها والتحديات التي تواجه عملها.
وقال إن التركيز على البرلماني في مكافحة الفساد يأتي على خلفية ما يتمتع به من سلطة الرقابة والتشريع واعتماد الميزانيات، مشددًا على أن البرلماني يجب أن يكون قدوة في النزاهة والمصداقية.
وأوضح أن المنظمة التي يرأسها تتمتع بالاستقلالية عن أية حكومة وطنية أو جهات دولية، مشيرًا إلى أن منظمة "برلمانيون عرب ضد الفساد" ليس للنظام الرسمي أية علاقة في إنشائها، كما أن المنظمة تعمل في إطار منظومة تتمتع بالمصداقية.
وللدكتور ناصر جاسم عبد الله الصانع موقع خاص (www.alsane.com)، ضمَّنه سيرته الذاتية وأهم أعماله في تطوير الأداء الحكومي ومحاربة الفساد.
* بدايةً.. ما هي دواعي إنشاء مبادرة "برلمانيون ضد الفساد"؟ وما هي طبيعة المبادرة وأبعادها؟
** مبادرة "برلمانيون ضد الفساد" هي الفرع العربي للمنظمة العالمية للبرلمانيين ضد الفساد؛ فنحن شاركنا في إنشاء المنظمة في كندا عام 2002م، وبعد ذلك انطلقت المنظمة منذ تأسيسها في إنشاء فروع إقليمية، وفي عام 2004م دُعِيَ أربعون برلمانيًّا من11 دولة عربية للاجتماع في بيروت، وتوافقوا على إنشاء منظمة عربية لبرلمانيين ضد الفساد، وبعد عام من هذا الاجتماع سُجِّلت المنظمة رسميًّا في القانون اللبناني.
وبعد لقاءين للمنظمة في كلٍّ من مصر والكويت، عقدت منظمة "برلمانيون عرب ضد الفساد" مؤتمرها السنوي الأول بعد التأسيس تحت عنوان "نحو تطوير قدرات البرلمانيين الرقابية"، باستضافة مجلس النواب المغربي؛ وذلك في الرباط يومي 24 و25 مايو 2006م.
ووقَّعت منظمة "برلمانيون عرب ضد الفساد" مذكرة تفاهم مع منظمة GOPAC؛ المنظمة العالمية للبرلمانيين ضد الفساد، لكي تحصل على تمويل لمدة ثلاث سنوات؛ يغطي هذا التمويل أنشطة المنظمة وأهم المؤتمرات التي تعقدها والأبحاث التي تجريها.
وتجدر الإشارة إلى أن غوباك تتلقى تمويلها من منظمات عالمية عديدة؛ من بينها USAID الوكالة الأمريكية للتنمية، وبالتالي فهي ليست مبادرة خاصة، وإنما هي استمرار لمبادرة دولية، كان لنا دور في إنشائها.
وهدف المنظمة هو العمل على تقوية قدرة البرلمانيين في دول العالم على تعقُّب قضايا الفساد وملاحقتها، والتعويل على مكون رئيسي في المنظومة الدستورية في أي بلد، وهو مكون البرلمان والبرلمانيين.
* هل المبادرة تطوعية أهلية أم هي مؤسسة حكومية ومدعومة من بعض الدول؟ أي هل هي مستقلة أم تابعة؟
** "برلمانيون عرب ضد الفساد" ليس للنظام الرسمي أية علاقة في إنشائها، وكل ما حصل هو مباركة من البرلمان الكندي في استضافة اللقاء الأول، وهو يشكر على هذه الاستضافة؛ إذ تحمَّل نفقات كثير من الوفود التي لم يمكن بمقدورها الحضور.
فالبرلمان الكندي أطلق المبادرة، واليوم أصبحت شبكة برلمانية حرة في العالم، وكثير من المنظمات الدولية تحرص على تمويل برامجنا وفق شروطنا، وليس وفق شروطهم.
ونحن نعمل في منظومة رائعة من المصداقية، والدليل على ذلك أنه في كل مؤتمر سنوي نجد منظمة دولية ترغب في التعاون معنا ودعم مشاريعنا، واليوم لدينا حلفاؤنا على المستوى العالمي.
* ألا يُخشَى أن يكون هذا النفوذ الكندي وسيلة وثغرة للتدخل في البلدان العربية؟
** المبادرة هي إحراج للدول التي تغطي الفساد، وهي حكومات كثيرة، لكننا لا ينبغي أن نقف صامتين، كما لا يجوز أن نخوض حربًا مفتوحة معهم، وفي المجتمع الديمقراطي والسلمي تتاح وسائل كثيرة وأدوات وفق المؤسسات الدستورية السلمية يجب أن تُستَخدم، مثل استثمار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وهي اتفاقية قوية يجب دعم التصديق عليها وتشجيع الدول على ذلك، ثم تشجيعها على التنفيذ، ونعتقد أن من يدخل تحت مظلة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد يكون قد وضع بلاده تحت عيون كل العالم، سواءٌ من منظمات دولية أو ناشطين أو شخصيات، وهذه الاتفاقية بدأت كثيرٌ من الدول العربية تصدِّق عليها.
* ما هي مجالات تدخل المنظمة؟ هل هي مختصة بمحاربة الفساد السياسي أم الاقتصادي أم الفساد بشكل عام؟
** المنظمة تتحدث عن الفساد الاقتصادي، وفي كثيرٍ من جوانب هذا الفساد هناك فساد سياسي، فيجب البحث عن السبب الرئيسي ومواجهته، ومن خلال السنوات السابقة استطاعت المنظمة أن تُنشِئ بعض الأعراف في هذا السياق، بالإضافة إلى قوتها أنها مكونة من شبكة من البرلمانيين، وليس من البرلمانات، رغم أن النظام الأساسي يسمح بانضمام البرلمانات، وإلى الآن لم يُفعَّل هذا البند.
فالبرلمانيون يتمتعون بثلاث سلطات مهمة في أي بلد: فهم يتمتعون بسلطة الرقابة، وسلطة التشريع، وسلطة اعتماد الموازنات المالية.
وهذه السلطات الثلاثة تعطي البرلمانيين الدور الكبير؛ إما في إصدار تشريعات لمكافحة الفساد، وإما في مراقبة تصرفات يشوبها نوع من الفساد، أو عدم الموافقة على الموازنات المالية للدولة، إلا بعد الاطمئنان إلى أن ما تم إنجازه يتجاوز الملاحظات المتعلقة بقضايا الفساد.
وعليه، فالمنظمة تستغل هذا النفوذ الكبير لدى البرلمانيين وتعطيهم فرصةً لمكافحة الفساد تقوم على ثلاثة محاور:
المحور الأول هو التدريب؛ فالمنظمة تدرب أعضاءها في كيفية وضع التشريعات التي يمكن تبنيها والآليات الضرورية التي يمكن استخدامها.
والشيء الثاني أن المنظمة تشجِّع أعضاءها وتطلب منهم أن يؤازر بعضهم بعضًا، وهذا التعاضد والتآزر بلا شك يشعر البرلماني أن جزءًا من شبكة كبيرة تساعده وتدعمه وتزوده بمعلومات يحتاجها ويزود المنظمة بالمعلومات التي ينتظر أن تدعمه فيها، والترويج لفرص النجاح التي يزاولها البرلمانيون في مختلف أقطار العالم.
والمنهجية الثالثة التي تنهجها المنظمة هي القيادة؛ فهي تؤمن أن البرلماني يجب أن يقود المجتمع في محاربة الفساد؛ إذ تفترض أن يكون النائب في كل بلدٍ رمزًا وقدوةً مع جمعيات المجتمع المدني والمفكرين والنشطاء والإعلاميين وغيرهم، ولكي يقود البرلماني يجب أن يستثمر النفوذ والسلطات المختلفة المخولة إليه ليدفع بكل منظومة وطنية تكافح الفساد إلى الأمام.
* ألا تتخوَّفون من وجود لوبيات ضاغطة سياسيًّا أو اقتصاديًّا تقف دون نجاح المبادرة وتحول دون تحقيق الأهداف المنوطة بها؟
** نعم.. ليس لدينا تخوُّف من هذا الشيء، بل هو أمر واقع؛ فهناك كثير من الشركات الكبرى ورموز الفساد في بعض الدول العربية والحكومات تعمل جاهدة لتجاوز عمل المنظمة والالتفاف عليه.
وهذا يتم من خلال التحرك بطريقة أكثر ذكاءً بمحاولة شراء أكبر عدد من البرلمانيين في أي قطر، وبالتالي بدل أن يمثل البرلماني الشعبَ تجده يمثل محفظة مالية أو مصالح خاصة.
ولازم أن نعترف بأن هذه الجهود نجحت واستطاعت أن تحيِّد العديد من البرلمانيين في العالم، وخاصةً البرلمانيين في العالم العربي؛ فالانتخابات التي جرت في السنوات الأخيرة أفرزت العديد من هؤلاء البرلمانيين الذين أتوا على صهوة الأموال.
* إذن.. هناك علاقة بين الفساد السياسي والفساد المالي.
** أن تسرق المال اقتصاديًّا مثل أن تسرق قرارات وشخصيات وقضايا عينية تترجم في النهاية إلى أموال؛ فالرهان على عددٍ من البرلمانيين لكي يخدموا مصالح المفسد الذي ينفق المال لكي يصل هؤلاء إلى البرلمان، وعندما يصلون يعملون على حماية مصالح من أوصلهم إلى ذلك.
وقد حدثت للمنظمة قصص كثيرة من محاولات شركات كبرى شراء ضمائر نواب، وكان من سوء حظ هذه الشركات أنهم اتصلوا بنواب ذوي ذمم نزيهة، فرفضوا محاولاتهم، بل كشفوها في بعض الأحيان.
وسائل الزجر
* وما هي وسائل الزجر التي تقترحها المنظمة للحد من شراء ذمم البرلمانيين المتورطين؟
** الوسيلة التي نتبعها هي اعتماد مواثيق العمل، ومنها ميثاق الأداء البرلماني الذي يطبَّق على البرلمانات؛ فمن يريد الانضمام إلى منظمتنا يجب أن يوقِّع على نموذج تعهُّد لمكافحة الفساد، وحول ما إذا أثير حوله أية شبهة عليه أن يوضح هذه الشبهة.
وطبعًا.. إذا لم يكن البرلماني مؤهلاً لمكافحة الفساد فلن تستطيع فعل شيء؛ لأن الواجب أن يبدأ بنفسه، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، وسئل الإمام ابن تيمية رحمه الله وقيل له: "أيهما أفضل للثوب: الماء الحار(الدافئ) والصابون؟ أم البخور والطيب؟، فقال: :إن كان الثوب متسخًا فالماء الحار والصابون أفضل، وإن كان الثوب نظيفًا فالعود والبخور أفضل له"، فهو مثل شرعي مهم يعتمد على الواقع الذي ننطلق منه؛ فإذا كان ثوب البرلماني متسخًا فهو ليس مؤهلاً لمحاربة الفساد.
* ما هو أفق عمل الشبكة حاليًّا في ظل تحديات العولمة؟
** منذ تأسيس الشبكة العربية في نوفمبر 2004م وضعنا سبعة أهداف إستراتيجية، وهي:
1- العمل على تسجيل المنظمة في بيروت، وبعد سنة تحقق لنا ذلك.
2- ثم تمكنا من إنشاء الفروع الوطنية واستطعنا تأسيس تسعة فروع وطنية، بعضها أُنشئ بالكامل، مثل: الكويت، فلسطين، الأردن، لبنان، البحرين، اليمن، الجزائر، المغرب، وموريتانيا، وبعضها في طريقه إلى الإنشاء مثلما حصل في مصر؛ إذ أُنشئ فرع لكنه لم يستكمل إجراءات التأسيس حسب النظام القائم، أما السودان فشاركوا في التأسيس ولم يُنشئوا فرعًا، وطرحنا الفكرة على الإخوة السوريين.
3- ومن الأهداف أيضًا إقامة ورش وندوات، وقد أقمنا إلى الآن بين سبع إلى ثمان ورش وندوات تتعلق بقضايا الفساد، وحضرها برلمانيون من كل الفروع.
4- والهدف الرابع إطلاق موقع إلكتروني خاص بالمنظمة لتحقيق التواصل وتبادل المعلومات، ولدينا موقع نشط في هذا المجال هو: (www.arpacnetwork.org).
5- والخامس تشجيع الدول للتصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والحمد لله استطاعت العديد من الدول المصادقة عليها.
6- والسادس إنشاء تحالفات وطنية مع الأحزاب والمجتمع المدني والإعلام وغيرها لمقاومة الفساد.
7- والسابع تبني إستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد في كل بلد.
كما أنجزنا كتابًا سمَّيناه "دليل البرلماني لضبط الفساد"، وهو موجود على موقعنا على الإنترنت، ونوزع مطبوعات للتحسيس بالموضوع.
ونحن نريد أن يكون حظ الشعوب بكل مكوناتها، سواءٌ أحزابًا أو منظماتٍ أو مفكرين، في متابعة أداء برلمانييهم، ويسألونهم ماذا قاموا في مكافحة الفساد، وهذا ما نعوِّل عليه، أي وجود رقابة شعبية على البرلمانيين والضغط عليهم لكي يكافحوا الفساد وأسبابه بالنظر إلى عواقبه.