بعد تأجيلٍ لها أكثر من مرة، التقى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بالرئيس التركي عبد الله جول يوم الخميس 14/8/2008م في مدينة إستانبول في زيارةٍ هي الأولى له لتركيا لبحث سبل ووسائل تعزيز العلاقات الثنائية ولمناقشة مقترحات وساطة سلام تركية في ملف إيران النووي المزعج للعالم الغربي والكيان الصهيوني، ويوقِّع على اتفاقيات للتعاون التجاري والاقتصادي واللقاء مع طيب أردوغان رئيس الحكومة يوم غد.
كان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وصل إلى مدينة إستانبول التركية بعد عصر الخميس الماضي في أول زيارة (عمل) له غير رسمية لتركيا؛ التقى فيها مع الرئيس التركي عبد الله جول لبحث وسائل وسبل تعزيز العلاقات البينية بين الدولتين الجارتين والوقوف على شكل المقترحات التركية المتعلقة بالوساطة بين إيران والغرب في ملف إيران النووي.
زيارة أتاتورك
زيارة الرئيس أحمدي نجاد لمدينة إستانبول بدلاً من العاصمة أنقرة وعدم قبوله الذهاب إلى أنقرة ليتفادى عادةً دبلوماسيةً رسمية تركية في تمرير الزوار الأجانب على مقبرة أتاتورك ووضع إكليل من الزهور على مقبرته.. أثارت غضب بعض الدوائر الإعلامية والحزبية التركية ذات التوجه العلماني الأتاتوركي.
لكن منوتشهر متقي وزير الخارجية الإيراني قال لوسائل الإعلام الإيرانية والتركية في طهران يوم 11/8/2008م: إن سبب توجُّه الرئيس الإيراني إلى مدينة إستانبول لا إلى العاصمة أنقرة يرجع إلى وجود الرئيس التركي نفسه فيها وقت الزيارة، وأشار متقي إلى أن طهران تحترم مقدسات الدول الأخرى.
المعروف أن رؤساء إيران من السابقين، مثل هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي ووزراء الخارجية والوزراء والرسميين في الجمهورية الإيرانية رفضوا زيارة مقبرة أتاتورك مؤسس الجمهورية العلمانية التركية في زيارتهم تركيا في السنوات الماضية، وتوجَّه- على سبيل المثال- هاشمي رفسنجاني لزيارة جامع ومقبرة الصوفي جلال الدين الرومي في مدينة قونيا بوسط هضبة الأناضول التركية في عام 1997م حين زارها على هامش عقد قمة مجموعة الثمانية الإسلامية.
![]() |
|
نجاد يعانق جول خلال زيارته لتركيا |
زيارة الرئيس الإيراني لتركيا لا تتعلق فقط بالعلاقات الثنائية والتبادل التجاري المشترك وحركة الاستثمارات بين البلدين أو مكافحة منظمة (بي كي كي) الكردية الانفصالية، بل تتضمن أيضًا مسألة الوساطة التركية الدبلوماسية بين إيران والعالم الغربي فيما يخص مقترحات غربية تدعو إلى وقف إيران تخصيب اليورانيوم المشع تمهيدًا لتفكيك البرنامج النووي لديها، وهي المقترحات التي لم تقبلها إيران حتى اليوم، وتسعى تركيا المجاورة لإيران حدوديًّا من ناحية الشرق إلى التوسط بين الطرفين بعرض مقترحات حلٍّ سلمي يمنع وقوع حرب مدمرة ستلحق ضررًا كبيرًا بالاقتصاد التركي؛ حيث بلغ حجم التبادل التجاري مع إيران حوالي 12 مليار دولار سنويًّا، وتحصل تركيا على ربع احتياجاتها السنوية تقريبًا من الغاز الطبيعي من إيران.
ومن ناحيةٍ أخرى يرى خبراء في الشئون السياسية التركية أن أنقرة تتخوَّف من استخدام إيران المجال الجوى التركي لإطلاق صواريخها بعيدة المدى نحو أوروبا وقت اندلاع حرب مع الغرب أو قيام الطائرات الحربية الصهيونية باستخدام المجال الجوي سرًّا لقصف المنشآت الإيرانية، كما حدث مع حادثة قصف المحطة الزراعية بشمال سوريا في العام الماضي بحجة أنها مفاعل نووي تحت الإنشاء؛ مما يشكِّل خطورةً كبيرةً على الأمن القومي التركي.
ونتيجةً للقلق الذي تشعر به تركيا من الخلاف الإيراني- الغربي، تشير المعلومات إلى أن تركيا تسعى إلى شراء منظومتين صاروخيتين دفاعيتين لحماية العاصمة أنقرة ومدينة إستانبول، ويعلِّل المحللون للشئون التركية عدم تجاوب الحكومة التركية حتى الآن مع الطلب الأمريكي بالمشاركة في الدرع الصاروخية الأمريكية وتنصيب بطاريات ورادارات أمريكية على أراضيها بأن قبول العرض الأمريكي يجعل تركيا طرفًا في أي صدام عسكري متوقَّع بين إيران والعالم الغربي.
حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة طيب أردوغان الساعية إلى لعب دور إيجابي في قضايا المنطقة تبدي اهتمامًا كبيرًا بالملف النووي الإيراني مع الغرب، وتدرك حجم المخاطر والأضرار التي يمكن أن تلحق بها وبمصالحها واستقرارها وبالمنطقة كلها في حالة اندلاع حرب بين إيران والغرب؛ ولذا أعلنت عن استعدادها للوساطة بين الطرفين، وتحدثت في هذا الصدد مع منوتشهر متكي وزير الخارجية في لقاء بأنقرة عُقد يوم 17/7/2008م واستقبلت أيضًا سعيد جليلي المفاوض الرئيسي الإيراني مع الغرب في الملف النووي في تاريخ 20/7/2008م في أنقرة.
كما قام علي باباجان وزير الخارجية التركي بزيارة طهران في نهاية يوليو 2008م لمواصلة جهود إمكانية الوساطة والمقترحات الجديدة التي يمكن أن تنهيَ النزاع بأمن وسلام.
![]() |
|
رجب طيب أردوغان |
وهذه المواقف والمساعي التركية يُقيِّمها الدكتور جوك خان شتين قايا الأستاذ بجامعة إستانبول التكنيكية على أنها توجُّه جديد لتركيا في السياسة الخارجية التركية ناحية ممارسة دور إيجابي وفعال في قضايا المنطقة والعمل على إمكانية التوصل إلى حل للمشكلة؛ لأن توقعات الصدام المسلح بين إيران وأمريكا ما زالت قائمة في ظل وجود إدارة الرئيس بوش.
لكن قايا يتفق مع الخبير التركي نهاد علي أوزجان على أن تركيا لا تريد إيران النووية عسكريًّا بأية حال، كما يتفق معه أيضًا على أن الزيارة لن تأتيَ بحلول عاجلة أو سريعة للأزمة النووية، وإن كانت تركيا تسعى إلى إقناع إيران باتخاذ مواقف مرنة تبعد شبح الصدام وإدخال المنطقة والمجتمع الدولي في أزمة عميقة.
ضغوط وطلبات أمريكية
يُشار بالذكر إلى أن زيارة الرئيس الإيراني لتركيا كانت مؤجلة منذ عدة أشهر؛ لأن موعدها السابق تصادف مع الزيارة التي قام بها روبرت جيتس وزير الدافع الأمريكي لتركيا 27- 28 فبراير، وزيارة ديك شيني نائب الرئيس الأمريكي لتركيا يومي 24- 25 مارس 2008م، واللتين طلبا فيهما من الحكومة التركية عدم التعاون مع إيران في مشروعات الطاقة والتبادل التجاري، وأن تشارك تركيا في الحظر الاقتصادي الذي تفرضه الإدارة الأمريكية على إيران بسبب مشروعات الطاقة النووية لديها، وهي الطلبات التي لم يُسْتَجَبْ لها حتى الآن.
وقالت شبكة (سي إن إن) التركية إنه لم يتم الوصول إلى اتفاق نهائي بين الطرفين بشأن التوقيع على اتفاقية الغازات الطبيعية، وإن المفاوضات ستستمر بين الطرفين.
انزعاج تل أبيب
احتجَّ الصهاينة على هذه الزيارة قبل وقوعها باستدعاء الخارجية الصهيونية السفيرَ التركي بتل أبيب نامق طان يوم 8/8/2008م وإبلاغه غضبها من الزيارة المنتظرة بحجة أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يدعو إلى إزالة الكيان ومحوه من الخريطة الدولية ويرفض الاعتراف بما تسميه وقوع إبادة ألمانية لليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن سعي إيران إلى الحصول على صنع الأسلحة النووية.
ويتفق عارف كسكين الباحث بمركز البحوث والدراسات الإستراتيجية الأوروآسيوي بأنقرة مع وجهة النظر التركية المعارضة لزيارة رئيس إيران لتركيا بقوله إن هذه الزيارة تحمل مخاطر على السياسة الخارجية التركية؛ لأن نجاد شخصية مرفوضة بالدوائر الغربية، وهي تشبه إلى حدٍّ ما الزيارة التي قام بها خالد مشعل رئيس الدائرة السياسية لمنظمة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس لتركيا قبل سنتين وأثارت غضبًا لدى الدوائر الأمريكية- الصهيونية.
ويرى كسكين أنه في حالة إدلاء أحمدي نجاد بأي تصريحات إعلامية متشددة تتعلَّق بالكيان الصهيوني خلال زيارته يمكن أن يعرِّض المصالح التركية للخطر في علاقاتها مع العالم الغربي، غير أن كسكين الذي أعرب عن قناعته بأن تؤديَ هذه الزيارة إلى ظهور حلٍّ ما بين إيران والغرب في الملف النووي، اعتبر جعل تركيا هذه الزيارة زيارة عمل بدلاً من الزيارة الرسمية مناورةً سياسيةً ناجحةً لتخفيف حدة الاعتراضات الغربية- الصهيونية على الزيارة.
لا نتائج سريعة
أما الدكتور نهاد علي أوزجان الباحث بمركز تركيا للدراسات السياسة والاقتصادية فيفسر القلق والانزعاج الصهيوني من الزيارة بأن الدولة العبرية تسعى إلى محاصرة إيران وتضييق الخناق عليها دوليًّا بالاتفاق مع أمريكا وحلف الأطلسي على أن كل انفتاح لإيران في دول العالم يعطيها مشروعية فيما تسعى إليه، بينما لا يتوقع المحلل التركي جوك شتين قايا حدوث مشكلة في العلاقات التركية- الصهيونية- الأمريكية من وراء هذه الزيارة؛ لأن الأطراف تعرف أن هدف تركيا الرئيسي هو السلام وليس لها أغراض أخرى.
لكن الدكتور إبراهيم أقالين سكرتير وقف البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي ينتقد موقف تل أبيب من الزيارة ويراه سلبيًّا؛ لأنها إذا كانت جادة فعلاً في السلام وتتحدث عنه يلزم أن تؤيد جهود تركيا نحو مساعي وضع حل سلمي يحقق السلام والأمن للجميع، خاصةً أن هدف تركيا من الاتصالات مع الطرف الإيراني والتوسط هو عدم حدوث قطيعة بين الطرفين في التفاوض تسمح بمزيدٍ من المواقف المتشددة ومحاولة للإقناع بقبول الحلول السلمية دون اللجوء لاستخدام القوة وما يترتب عليه من مشاكل لا حصرَ لها.
ويرى الدكتور نهاد علي أوزجان الباحث بمركز تركيا للدراسات السياسة والاقتصادية أن تركيا لا تريد أن تكون جارتها إيران ممتلكةً قدرات نووية عسكرية، ومن ثَمَّ تسعى إلى وقف الصدام بين إيران والغرب، بينما تسعى إيران إلى التخفيف من حدة الحظر الاقتصادي الذي تفرضه عليها إدارة الرئيس الأمريكي بوش منذ عدة سنوات وتسعى إلى تمرير الوقت الزمني المتبقي على رئاسته دون التعرض للمزيد من الأضرار الكبيرة، وكذا الحد من القيود والحصار الغربي لها؛ ولذا لا أنتظر حدوث تغيير جوهري في موقف إيران وأن تخرج نتائج قوية جديدة لهذه الزيارة التي ستنصب نجاحاتها على العلاقات الثنائية والتعاون في مكافحة منظمة حزب العمال الكردية الانفصالية المهددة لوحدة التراب في الدولتين.

