نشرت جماعة العدل والإحسان الثلاثاء الماضي الحلقة السادسة والأخيرة من وثيقة (تحيين) تجدد فيها مواقفها الدعوية والسياسية ووسائل عملها، وهي وثيقة تكتسب أهمية خاصة ضمن وثائق الجماعة لكونها تقحم المسألة السياسية ضمن تصورها العام، وجاءت الوثيقة في ثلاثة فصول، تضمن الفصل لأول مقدمات عامة تشخص الوضع المحلي والدولي، وخصص الثاني لمنهاج الجماعة التربوي، فيما خصص الثالث لمنهجها السياسي.
وفي الفصل الثالث (السياسي) يظهر جليًّا سعي الجماعة إلى القطع مع خطاب "الخلافة على منهاج النبوة"، الذي طبع خطابها السياسي للفترة السابقة، إلى خطابٍ سياسي يؤمن بالديمقراطية والتعددية ويحدد علاقات واضحة نحو الجبهة الدينية داخليًّا وخارجيًّا ومع الحكام.
وهي أول بادرة من الجماعة بعدما مرَّت بحملة تضييق أمنية على أنشطتها وتأثَّرت كثيرًا برؤيا "القومة" لسنة 2006م، والتي شوشت على طبيعة هويتها وخطابها السياسي.
لماذا الوثيقة؟
وفي مستهل الوثيقة، أكدت الجماعة أنها اختارت "الوضوح والمسئولية على الغموض والالتواء، وقالت: حرصًا على الحديث عن أنفسنا حتى يفهمنا الآخرون كما نحن وليس كما يهوى غيرنا"؛ ولذا جاء "تحيين الورقة التعريفية الرسمية لجماعتنا ومشروعنا مواكبة للمستجدات ومسايرة للتطورات حتى نُوسِّع دائرة التواصل مع غيرنا، ونسد الباب على مَن يتحدث باسمنا دون معرفةِ مشروعنا أو معايشة لحركتنا فيجانب الحقيقة عن قصدٍ أو عن غير قصد".
وحددت الوثيقة الغاية من التحيين بأنها تستهدف بالمشروع "تلبية رغبة طالما ألحَّ عليها كثيرون: أعضاء من الجماعة، وباحثون أكاديميون، وساسة وإسلاميون وإعلاميون، وقالت إن الهدف هو أن نُوضِّح بشكلٍ مُركَّز: مَن نحن، وماذا نريد؟.. نتحدث إن شاء الله دون وسائط مشوشة أو مشوهة، عن منهاجنا في التربية والتعليم والتنظيم والدعوة والسياسة، وعن مبادئنا في التنظير، وعن طرائقنا في التفكير، وعن وسائلنا في العمل، وعن مواقفنا مما يجري حولنا، ولا نفتأ نؤكد أن هذا وحده لا يكفي، بل تعضده إن شاء الله المعايشة عن قرب، والمعاينة الميدانية، ولن يتم هذا إلا إن رفع الحصار والتضييق عن حركتنا وأعضائنا وأفكارنا وأنشطتنا.
تشخيص للداء والدواء
تضمن الفصل الأول من الوثيقة مقدمات عامة، تناولت ما أسمته بـ"الانكسار التاريخي"؛ حيث أكدت الجماعة أن الشورى "ماتت وأقبرت وأصبحت الطاعة للسيف لا لله ولرسوله، فذهب الصفاء وحل الكدر، واحتضر الإحسان وحلت الفتنة".
وتشير إلى أن "الفتنة" هي أدق وصفٍ يُطلق على واقع المسلمين، هي مصطلح نبوي أوسع دلالةً وأشمل مضمونًا، وتشمل كذلك معاني التخلف والأزمة وعدم الاستقرار، كما تتضمن معاني الابتلاء والامتحان والاختبار، وفيها استبشار وحسن ظن بالأمة التي لا يُعدم منها الخير لأن الفتنةَ اختلاط الحق بالباطل، كما فرَّقت بين الفتنة الفردية والعامة، الأولى يفتتن الإنسان ببني جلدته والعامة تتعلق بإخبارات نبوية للأحداث التي ستقع للأمة.
ورأت الجماعة أن "التجديد دواؤنا" هو قارب النجاة من الفتنة "التجديد اجتهاد لجمع شتات العلم والعمل في بناء نسقي يقودنا إلى وحدة جهاد، ووحدة سلوك، ووحدة تصور، ووحدة إرادة، لا بد من منهاج علم وعمل، يجمع الشتات ويوحد الجهود ويؤسس لرؤية مستقبلية، بدون ذلك تكون سفرتنا إلى غير رشاد، وأدنى خلاف يوقفنا".
وهو ما يتطلب "منهاجًا"؛ ولذا يجب ألا يتحرك الركب في ميدان العمل قبل أن يتأكد من أن المنهاج محكم، لتحقيق "عمران أخروي" فالخير كله، للمجتمع والفرد، في سيادة روح المسجد على حركة المجتمع، بذلك يتشكل رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وبذلك يعرف كل غايةٍ وجوده فيكون الجهد منظمًا ومتواصلاً يخدمه شعور الفرد بالانتماء.
وهذا ما يتطلب الاهتمام بـ"الإنسان أولاً" فلا يجب ألا ينسينا هذيان العالم وضغط الحياة وإكراهات التنمية هذا الأمر، فننشغل بشيء آخر غير الإنسان ندعوه إلى الله عزَّ وجل حتى يعرفه، وندله على رسالة الإسلام ليتدرج في سلم القرب من الله- عزَّ وجل- من إسلامٍ لإيمان لإحسان، نطلب الازدهار الاقتصادي والتطور المعرفي والتقدم التكنولوجي، لكن كل ذلك وسيلة، ونكون بئس العباد ونخسر آخرتنا إن ألهتنا الوسيلة عن الغاية والمهم عن الأهم.
لتخلص إلى تأكيد أن "اليقين في الله حادينا"، وتقول "وظيفتنا غرس هذا اليقين في الأمة حتى تحسن الظن بالله، وحتى تفتح باب الأمل بعد طول يأسٍ وحرمان، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول "تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه".
الاحتفاظ بالوظيفة التربوية
وخصصت الوثيقة للمنهاج التربوي للجماعة ببيان خصائص التربية وشروطها ووسائلها، فالتربية لدى الجماعة "تربية تذكي في المؤمن يقظة قلبية لبلوغٍ أعلى مقامات الدين، أي الإحسان بمعانيه الثلاثة: المعنى العبادي، والمعنى المعاملاتي: البر بخلق الله ومخلوقاته، كالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والمسلمين وسائر الخلق أجمعين، والمعنى العملي: الإتقان، أي إحسان العمل وإتقانه وإصلاحه.
أما شروطها فهي: الصحبة والجماعة والذكر والصدق، إذ لا فائدة تُرجى في من لا خبر عنده عن مقامات عليا في الدين، لا خبر عنده أن الله يحِب ويحَب، ولا جدوى من ذكر ذلك عند فاقد العزيمة ضعيف الهمة، الصدق شرط أساس، وأول قدم للسالك إلى الله- عزَّ وجل- حتى يتم البناء على أصل صحيح.
أما وسائل التربية، فإن جماعة العدل والإحسان تسعى إلى صياغة مؤمن شاهد بالقسط قوي أمين، قائم لله ثابت في رباطه لا يتزعزع مهما كانت العقبات، وحاجتنا كذلك ملحة لإيجاد جماعة مؤمنة مجاهدة تواجه عقبات الحاضر وتهيئ للمستقبل، مستقبل الخلافة على منهاج النبوة.
ويتم ذلك بالتزام أعضاء الجماعة ببرنامج "يوم المؤمن وليلته"، حتى ينظم المؤمن وقته ويخرج من عوالم الغفلة إلى دوام المراقبة لله عز وجل، ، ثم "دعاء الرابطة"، والتزام "الرباطات التربوية"، وهي محطات تربوية مطولة تستغرق ما بين ثلاثة أيام وعشرة، وقد تصل إلى الأربعين يستغرق فيها الإنسان في ذكر الله وتلاوة القرآن وحفظه، والتزام "الأسر الإيمانية" باعتبارها "مجالس تربوية تتكون من عددٍ من الأعضاء لا يفوق العشرة، تنعقد أسبوعيًّا".
وتنضاف إلى الوسائل السابقة "مجالس النصيحة"، التي تُعقد أسبوعيًّا، أو مرتين في الشهر، أو مرة في الشهر على الأقل، تستغرق ما بين العشاءين إلى شروق شمس الغد، و"المجالس التخصصية" هي مجالس عديدة خاصة بعمل واحد، مثل مجالس القرآن تخصص لختم القرآن في نهاية كل شهرٍ قمري بين العشاءين.
تجديد في المنهاج السياسي
غير أن الجديدَ لدى الجماعة هو جعلها لـ"الخلافة على منج النبوة" أفقًا ومستقبلاً، إذ حاولت أن تحدد طبيعة نظرتها السياسية للوضع الراهن، حيث أكدت أنها "حركة مجتمعية مهمتنا الدعوة إلى الله عز وجل، والدلالة على الله عز وجل، والسياسة بعض شأننا، نحرص أثناء مزاولتها على التوازن بين اهتمامنا بالشأن العام للأمة والشأن الخاص للإنسان، كما أن الهم السياسي جزء لا يتجزأ من فكرنا وعملنا".
فالنظام السياسي المنشود لدى الجماعة هو: "إقامة نظام سياسي على قاعدة الإسلام، تشكل الشورى والعدل ركيزتيه، والإحسان روحه، والمشاركة العامة والتعددية السياسية وسلطة المؤسسات وسيادة القانون الضامن لاستمراره وحيويته، والحوار والاحتكام إلى الشعب وسيلة ترجيح الخيارات فيه".
وأوضحت الوثيقة أن شعار "العدل والإحسان" يختزل برنامج الجماعة وأهدافها "فلا نرضى بهدفٍ اجتماعي سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا نرضى بغاية تتطلع إليها همم المؤمنين والمؤمنات دون الإحسان، ولا نفصل واحدة عن أخرى".
ولذلك أوضحت الجماعة خطها السياسي، الذي وسمته بـ"الواضح"، أنها: "لا نعارض من أجل المعارضة، وإلا لانحصرت معارضتنا على مستوى تدبير المعاش، بل نعصي الحكام؛ لأنهم خرجوا عن الإسلام وخربوا الدين وارتضوا أنصاف الحلول وباعوا الأمة لأعدائها، لا ندعو إلى عنفٍ أبدًا لاقتناعنا أن ما بُني على عنفٍ لا يُجنَى منه خير".
ولتحقيق ذلك، تؤمن الجماعة بالتعددية السياسية والتداول على السلطة وسيادة الشعب وفصل السلطات وسيادة القانون واحترام الحريات العامة، مع دعوتها إلى "الميثاق الجامع" باعتباره "بوابة التغيير يحدد المعالم الكبرى والمبادئ العامة للمجتمع الذي ننشده ويخط الضمانات اللازمة والعاصمة من الانقلاب عليه".
وفيما يتعلق بالعلاقات مع الآخر، فقد أكدت الوثيقة أن الجماعة لا تعد وحدها على صواب، وشعارها الدائم "نتعاون فيما اتفقنا عليه ونتحاور فيما اختلفنا فيه"، وهي تضم علاقةً مع مكونات الداخل والخارج.
فعلى مستوى العلاقة بداخل المغرب، فهي جماعة من المسلمين لا تُكفِّر أحدًا، بل هي تكوين جماعي يقرُب من المطلوب شرعًا كلما كان أقرب إلى توحيد الأمة في القطر ثم توحيدها في الأرض.
كما تعتبر "الحركة الإسلامية" عمقها الإستراتيجي وترى أن نجاحها في الدعوة والدولة متوقف على قدرته وحكمتها في تصريف الخلاف من خلال قنوات معارضة صادقة ومسئولة، مع استعدادٍ لتكوين "رابطة إسـلامية تضم تنظيمات الإسلاميين في جبهة إسلامية"، مبديةً تعاونها مع الأحزاب الناصحة للحكام، وتقدير العلماء بما هم ضمير الأمة متى انحازوا لصف المستضعفين.
أما مع الحكام، فترى الجماعة، التي اشتهرت بممانعتها للنظام القائم بالمغرب، أن "بصلاحهم يتحقق شطر كبير من صلاح الأمة وبفسادهم تفسد، نطيعهم ما أطاعوا الله في شعوبهم ونعصيهم ما خالفوا ذلك، لا نألو جهدًا في النصح لهم ولا نخشى تبعات ذلك"، مع الحرص على علاقةٍ طبيعيةٍ مع مكون "الأمازيغية"؛ لأنه ليس في اللغة ما يُعاب ما دام الناطقون بها متمسكين بكلمة التوحيد حريصين على وحدة الصف لا يدعون إلى عصبية".
وجعلت الوثيقة قضية فلسطين على رأس علاقاتها بالخارج، فضلاً عن مناصرة قضايا المسلمين والمستضعفين، مع تأكيد سعيها لمد الجسور مع الغرب لتصحيح فهمه للإسلام، مع الإشارة إلى أن في الغرب ضمائر حية ومؤسسات محايدة، وهي المحاور المنتظر لنا عسى أن تكون لمروءتها أذن تسمع يومًا نداء الإسلام إلى حقوق الإنسان كاملةً، وفي مقدمتها الحق في معرفة الله خالقه وبارئه.
غير أن ما يسجل بالمقارنة مع أختها حركة التوحيد والإصلاح، أن الجماعةَ في الطريق لتقديم تصور أكثر واقعيةً ووضوحًا، وهذا تجلى أساسًا في نسبية الخطاب والاستعداد للتعاون مع الآخر، وهو ما لم يكن ظاهرًا في خطاب الجماعة السياسي سابقًا، كما أنها في المسألة التربوية قللت من حضور الشيخ أو الاعتماد على الرؤيا، وهو ما يمكن أن يشكل جسر تواصل لتمتين خيار الجبهة الدينية.