حملت الأخبار اليوم من القوقاز المُشتعل أنباءً تتعلَّق بقطع العلاقات الدِّبلوماسيَّة بين روسيا وجورجيا لتكون الحلقة الأحدث ضمن سلسلة الحلقات الدَّامية والمشتعلة التي جرت خلال فترة الأسابيع الماضية؛ حيث شهدت منطقة القوقاز حربًا جديدةً شنتها روسيا ضد الأراضي الجورجيَّة بعد أنْ منحت روسيا نفسها حق التَّدخُّل العسكريِّ في هذه الدَّولة الصَّغيرة الواقعة على تخوم أوروبا الشَّرقيَّة القريبة من قارة آسيا، وذلك باسم حماية الأقلِّيَّة الرُّوسيَّة الموجودة في المناطق الحدوديَّة بين البلدَيْن المعروفة باسم أوسيتيا الجنوبيَّة التي يوجد بها نسبةٌ من المُسلمين.
وتأتي هذه الخطوة لتعلن أنَّ الأزمة قد استحكمت بين الطَّرفَين حتى ولو توقَّفت العمليَّات العسكريَّة؛ كون هذه الخطوة تأتي بعد تطورَيْن أساسيَّيْن للأزمة؛ الأوَّل هو اعتراف روسيا باستقلال جمهوريَّتَيْ أبخازيا وأوسيتيا الجنوبيَّة والثَّاني هو تراجُع الاتحاد الأوروبي عن مواقفه المُتصلِّبة إزاء روسيا؛ حيث أكَّد "رئيس الوزراء" الروسي فلاديمير بوتين من العاصمة الأوزبيكيَّة طشقند أنَّ أوروبا قد اعترفت بأنَّ الحرب الروسيَّة في القوقاز كانت رد فعل على الهجوم العسكريِّ الذي شنَّته القُوَّات الجورجيَّة ضد العاصمة الأوسيتيَّة تسيخنفالي، وأدَّى ضمن ما أدَّى إليه إلى مصرع ستَّةٍ من قوات حفظ السَّلام الروسيَّة الموجودة في الإقليم.
وبات واضحًا أنَّ الفعل الأوروبي والأمريكي في الأزمة لن يزيد عن المستوى الحالي من ردود الأفعال؛ حيث سيقوم الاتحاد الأوروبي بإرسال قوات للشُّرطة في مناطق النِّزاع في أوسيتيا الجنوبيَّة، بينما سوف تكتفي الولايات المُتَّحدة بما أرسلته من قطعٍ عسكريَّةٍ تحمل مواد إغاثة إلى جورجيا، بل إنَّه حتى على مستوى هذه الخطوة قال بوتين إنَّ بلاده سوف تردُّ على "هذا الوجود العسكريِّ" الأمريكيِّ في السَّواحل الجورجيَّة.
أمَّا على المُستوى السِّياسيِّ فيبدو أنَّ الأمر سوف يقتصر على تربيتات وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة كونداليزا رايس على كتف الرئيس الجورجيِّ ميخائيل ساكاشفيلي، وبدا وكأن رايس وقتها كانت تؤدِّي واجب العزاء للرَّئيس الجورجيِّ على حساباته الخاطئة.
حسابات روسيَّة
رد الفعل الدولي على القصف الروسي لجورجيا جاء ضعيفًا
كان واضحًا من تطوُّرات الأزمة أنَّ هناك ثقةً روسيَّةً في أنَّ ردَّ الفعل الدَّوليِّ سوف يكون على مستوى ما جرى إلى الآن؛ وبات واضحًا من ردود الفعل الأمريكيَّة والأوروبيَّة أنَّ الحسابات الرُّوسيَّة سليمةٌ فيما يخصُّ الأزمة.

فعلى المُستوى الأوروبي تبلور ردُّ الفعل في مُقرَّرات القِمَّة الاستثنائيَّة التي عقدها الاتِّحاد الأوروبيِّ في العاصمة البلجيكيَّة بروكسل في مطلع الشَّهر الحالي؛ حيث تبنَّى الاتِّحاد الأوروبيُّ مجموعةً من المواقف المُتوازنة؛ فبينما تبنَّت القِمَّة مواقف مؤيدةً لجورجيا سياسيًّا واقتصاديًّا، وشجبت عمل روسيا العسكري في جورجيا، إلا أنَّها اكتفت بمجرَّد إرسال إشاراتٍ إلى روسيا من بينها عدم استبعاد فرض عقوباتٍ "في حال بقاء قواتها في جورجيا"، ومع إتمام روسيا لانسحابها من جورجيا في الثَّالث من سبتمبر فإنَّ هذا الكلام يصبح غير ذي معنى، كما أعلنت القمَّة عن الاستمرار فيما يُعرف باسم سياسة "اليد الممدودةِ" لموسكو.
القرار العمليُّ الوحيد الذي تبنَّته القِمَّة ضد روسيا كان تجميد مفاوضات الشَّراكة مع موسكو، وهو قرارٌ على الأرجح لحفظ ماء الوجه أمام الحلفاء الآخرين.
وفي هذا الإطار بُنيت التَّقديرات الرُّوسيَّة على عددٍ من الاعتبارات؛ أولها أنَّ الأوروبيين يُقدِّرون الضُّغوط الواقعة على روسيا فيما يخص مسألة الانتماء العرقيِّ بين الرُّوس والأوسيتيِّين، والاعتبار الثَّاني أنَّ الأوروبيِّين يدركون في قرارةِ أنفسهم أنَّ الدرع الصَّاروخيِّ الذي يزمع الأمريكيُّون نشره في بلدان أوروبا الشَّرقيَّة بزعم حماية القارة الأوروبيَّة من الصواريخ الإيرانيَّة يمثِّل هاجسًا قويًّا للغاية للأمن القوميِّ الرُّوسيِّ؛ خاصَّة مع قيام الأمريكيِّين بالتَّخطيط لنشر درع الصَّواريخ هذا في مناطقٍ ملاصقةٍ لروسيا مثل بولندا والتِّشيك أو كان بعضها جزءًا من الاتِّحاد السُّوفيتي السَّابق مثل جورجيا.
ولعلَّ البعض لا يُدرك مخاطر الدِّرع الصَّاروخيِّ الأمريكيِّ هذا ويعتبره مُجرَّد وسيلةٍ دفاعيَّةٍ فحسب؛ حيث لا يمكنه مثلاً إطلاق صواريخ باتِّجاه روسيا، ولكنَّ وفق خبراء الإستراتيجيَّة العسكريَّة فإنَّ مثل هذا الدِّرع الصَّاروخيِّ يحمل من المخاطر على روسيا مثلما كان الأمر بالنِّسبة لبرنامج حرب النُّجوم الذي كان زمن الاتِّحاد السُّوفيتي السَّابق، ومن بين هذه المخاطر:
- من ضمن مُكوِّنات الدِّرع الصَّاروخيِّ الأمريكيِّ مجموعةٌ من أنظمة الرَّادار والإنذارُ المُبكِّرُ التي لها القُدرة على استطلاع ما يجري فوق الأرض الرُّوسيَّة، بما في ذلك مناورات الجيشِ الرُّوسيِّ، وتحرُّكات قواعد الصواريخ الاستراتيجيَّة الرُّوسيَّة والقطع التي تحملُها.
- يحتوي الدِّرع الصَّاروخي الأمريكيِّ على أنظمة دفاعٍ جويٍّ مُتقدِّمٍ تُحيِّد فاعليَّة الصَّواريخ الرُّوسيَّة المُتوسِّطة المدى، وهو ما يجعل الأرض الرُّوسيَّة مفتوحةٌ أمام أي هجومٍ صاروخيٍّ دون القُدرة على الرَّد، وهو ما يلغي تمامًا فاعليَّة القُوَّات الصَّاروخيَّة الرُّوسيَّة.
كما أنَّ روسيا شعرت بأنَّه يجري تطويقها أمريكيًّا في أفغانستان جنوبًا مع دعم واشنطن للحركات المعارضة التي أطاحت ببعض الأنظمة المُؤيِّدة لموسكو في آسيا الوسطى كما جرى في قيرغيزستان، وشرقًا في بولندا والتِّشيك وأوكرانيا وجورجيا، بالرَّغمِ من استجابة الرُّوس لمعظم شروط ومُتطلَّبات مرحلة ما بعد الحرب الباردة مثل الاندماج في اقتصاد السُّوق والدُّخول في المحاور الغربيَّة وترتيبات الأمن الإقليميَّة العالميَّة.
وقد يظنُّ البعض أن موسكو تسعى للتَّوسُّع والخروج إلى آفاقٍ أُخرى تُحقِّق بها ذاتها كقُوَّةٍ عُظمى تبحث عن دورٍ، ولكن من واقع ظواهر الأمور فإنَّ الإجراءات الرُّوسيَّة إلى الآن مُنذ أنْ بدأ فلاديمير بوتين في إمساك زمام الأمور في بلاده عبارة عن محاولةٍ لاحتواء المغامرات الأمريكيَّة في العالم وتأثيراتها المُباشرة على الأمن القوميِّ الرُّوسيِّ مُنذ احتلال أفغانستان في العام 2001م ثمَّ العراق في العام 2003م، فكان أنْ اتَّخذ بوتين خطوتَيْن أساسيَّتَيْن:
* الأولى هي تعديل العقيدة العسكريَّة الرُّوسيَّة بما يسمح لروسيا باستخدام الأسلحة النَّوويَّة في مواقفٍ تُقدِّر موسكو أنَّها تُهدِّد الأمن القوميِّ الروسي ومصالح روسيا الحيويَّة في الخارج، وهو ما تمَّ تنفيذه بحذافيره تجاه بولندا؛ حيث هدَّدت المُؤسَّسة العسكريَّة الروسيَّة باستخدام الأسلحة النَّوويَّة ضد بولندا إذا ما قبلت بنشر الدِّرع الصَّاروخيِّ الأمريكيِّ، وفهم البولنديُّون الرِّسالة على الفور، وأعلنوا أنَّه لو تمَّ نشر الدِّرع على أراضيهم فسوف يسمحون للرُّوس بالدُّخول للتَّفتيش.
* الخطوة الثَّانية هي إعادة العمل بنظام الطَّلعات الجويَّة للقاذفات الاستراتيجيَّة الرُّوسيَّة فوق المُحيط الهادئ والمحيط المُتجمِّد الشَّماليِّ.
الرئيس الجورجي لم يتوقع الرد الروسي والخذلان الأمريكي
أمَّا على المُستوى الأمريكي فقد بُنيت التَّقديرات الرُّوسيَّة على أمورٍ عدَّة من بينها أنَّ واشنطن لن يمكنها التَّورُّط في دعمٍ عسكريٍّ مباشرٍ لجورجيا ضد موسكو، كما كان واضحًا أنَّ الحلفاء الأوروبيِّين ليسوا على استعدادٍ لخوض هذه المعركة التي تسبَّبت فيها سياسات الإدارة الأمريكيَّة المُتورِّطة بالفعل في العراق وأفغانستان والمقبلة على انتخاباتٍ رئاسيَّة لن تجعل البيت الأبيض حُرًّا في توريط الولايات المتحدة في معركةٍ أُخرى وتتركها لمن سوف يخلفها، كما أنَّ موقف إدارة الرئيس الأمريكيِّ جورج بوش الابن ضعيفًا للغاية في الدَّاخل، خاصَّةً في الكونجرس الأمريكيِّ الذي تُسيطرُ عليه غالبيَّةٌ ديمقراطيَّةٌ بما لا يسمح لها باتِّخاذِ قراراتٍ قويَّة، ولا سيما أنَّ الرُّوس ظاهريًّا لم يمسُّوا مصالح أمريكيَّةً مُباشرةً.

كما أنَّه وبشكلٍ عامٍ فإنَّ التَّهديدات الروسيَّة بوقف إمدادات الطَّاقة إلى أوروبا والغرب كان لها تأثيراتها وصداها الكبير في وقتٍ ارتفعت فيه بالفعل أسعار البترول العالميَّة إلى مستوياتٍ قياسيَّةٍ غير مسبوقةٍ؛ حيث تتراوح الأسعار ما بين 112 دولارًا إلى 140 دولارًا للبرميل، وهو تذبذبٌ مخيفٌ للأسعار ويُثير التَّوتُّر.
كما أنَّ الأمريكيِّين خشوا كثيرًا من احتمال وقف روسيا لتعاونها مع حلف النَّاتو فيما يخصُّ نقل المواد الغذائيَّة والدَّعم الُّلوجستيِّ إلى أفغانستان، بعد أن قررت بالفعل في 20 أغسطس الماضي تعليق مشاركتها في برنامج الشَّراكة من أجل السَّلام، والذي كانت قد أقامته موسكو يلتسين مع الحلف في العام 1995م، كما أنَّ الرُّوس بدأوا في الاتجاه إلى أمريكا اللاتينيَّة؛ سعيًا لتوطيد دعائم العلاقات مع أعداء واشنطن فيها في كوبا وفنزويلا على وجه الخصوص.
حسابات عربيَّة غائبة!!
بشار الأسد

فيما يخص العالم العربي من الأزمة كانت سوريا على موعدٍ مع الأزمة من أوَّلِها؛ حيث أعلنت دمشق عن تفهُّمِها للاعتبارات التي دفعت موسكو لشنِّ الحرب ضد جورجيا، وقام الرَّئيس السُّوريِّ بشار الأسد بزيارةٍ إلى موسكو ناقش فيها مسألة السَّماح للروس بقاعدةٍ عسكريَّةٍ في ميناء الَّلاذقيَّة، مع منح دمشق منظومات صواريخ أرض- أرض من طراز (إسكندر- آي) ومنظومات دفاع جوي من طراز (إس. إس 300) الأحدث في العالم، في خطوةٍ تستهدف الكيان الصُّهيونيِّ بالأساس؛ الذي أثار حفيظة الرُّوس بعدما اكتشفوا وجود مُعدَّات عسكريَّةٍ صُهيونيَّة لدى جورجيا؛ مثل طائراتٍ بدون طيَّارٍ ورشاشات من طراز (تافور) وإلكترونيَّاتٍ حربيَّةٍ وصواريخ للتَّشويش على وسائل الدفاع الجوي الرُّوسيِّ، مع وجود عددٍ من الوزراء الجورجيِّين اليهود النافذين في صناعة القرار الجورجيِّ باعتراف الرئيس ساكاشفيلي نفسه.
هذا التَّحرُّك السُّوري دفع بعض المُراقبين للتَّساؤل عمَّا إذا كان بإمكان العرب قيادة تحرُّكٍ لاستعادة الأراضي المفقودة في العلاقات مع الشَّرق أو على الأقلِّ موازنة العلاقات مع الولايات المُتَّحدة، وقد رد البعض بالقول إنَّ هذا الأمر غير ممكنٍ للعوامل التَّالية:
- ضعف الدَّعم الذي من المُمكن أنْ يقدِّمَه الرُّوس إلى العرب خاصَّة على المستوى الاقتصاديِّ، مقارنةً مع الولايات المُتَّحدة مع فارق الوزن الاقتصاديِّ للقوتَيْن العظميين.
- سيطرة واشنطن على القرار العربيِّ على المستوى القوميِّ بالسَّيطرة على قرار العواصم العربيَّة الأهم: القاهرة- الرِّياض- بغداد، مع تطويق "المارقين" من العرب كما هو الحال بالنِّسبةِ لسوريا.
- تفتُّت الجبهة العربيَّة واستمرار خلافاتها بما لا يسمح لها بتكوين تحالُفٍ قويٍّ يأخذ قرارًا إستراتيجيًّا على هذا النَّحو.
وإذا كانت روسيا قادرةً على احتمال ردود الفعل الغربيَّة إزاء سياساتها الجديدة؛ فإنَّ العرب بحالتهم الحالية وفقدانهم أبسط عوامل القوَّةِ الشاملة والإرادة السِّياسيَّة لاتِّخاذ مثل هذه القرارات لا يمكنهم ذلك، ولذلك فإنَّ الحال سوف يبقى على ما هو عليه لحينِ إشعارٍ آخر!.