أعلنت الحكومة الفلبينية قبل أيام إنهاء محادثات السلام بينها وبين جبهة مورو الإسلامية للتحرير التي تخوض منذ أربعة عقود صراعًا سياسيًّا وعسكريًّا لتحقيق استقلال إقليم مينداناو الجنوبي ذي الغالبية المسلمة عن الفلبين لتمكين المسلمين من ممارسة حقوقهم الطبيعية والعيش بالنسق القيمي والاجتماعي الذي حدَّده الإسلام؛ وذلك بعد عقود طويلة من الاضطهاد على أيدي الغازي الإسباني ثم الحكومات الكاثوليكية التي حكمت البلاد من بعده، ومنعت المسلمين من الحصول على أبسط حقوقهم السياسية والدينية والاجتماعية.
وكانت الحكومة الفلبينية قبل ذلك ببضعة أيام قد أعلنت عن إلغاء تطبيق الحكم الذاتي الممنوح للمسلمين في مينداناو منذ العام 1987م؛ لتضع البلاد بذلك على شفا أتون مشتعل وذلك بعد أن جمدت المحكمة الفلبينية العليا كافة ما يتعلق بإجراءات التسوية بين الحكومة ومورو تحت وطأة ضغوط الجماعات المسيحية الكاثوليكية بزعم أن الخطوات التي كانت قد بدأتها الرئيسة الفلبينية جلوريا ماكاباجال آرويو مع مورو سوف تمنح المسلمين سلطات أوسع في مينداناو وفي الفلبين بالتالي.
وقد تناسى هؤلاء أن الإسلام كان أسبق في الوصول إلى هذه البلاد البعيدة من وصول الغازي الأوروبي إليها وزرعه بذرة المذهب الكاثوليكي فيها ببضعة قرون؛ حيث دخل الإسلام الفلبين في نحو العام 883م عن طريق الدعوة وعلى أيدي التجار المسلمين، وتتابع وصول الدعاة بعد ذلك التاريخ، وكان أهمهم من وصل في العام 922م مهاجرًا من العراق للدعوة؛ منهم على سبيل المثال محمد بن يحيى، وأحمد بن عبد الله، ومحمد بن جعفر، ولمفارقات القدر أن مينداناو كانت أول مكان دخل فيه الإسلام من الجزر الفلبينية، وهي الآن آخر معاقل هذا الدين في تلك البلاد.
ملامح تاريخية
تعود الجذور الحديثة لأزمة مسلمي الفلبين- تعدادهم بين 5 إلى 6 ملايين يمثلُون نحو من 8 إلى 10% من تعداد سُكان هذه الدولة- إلى مرحلة الاستقلال الحديث للبلاد خلال عقد الأربعينيات الماضي، ولمعرفة حجم مأساة المسلمين هناك يكفي مراجعة ما جرى في حقهم منذ سنوات الحرب العالمية الثانية؛ ففي العام 1943م احتل اليابانيون المناطق الإسلامية من الفلبين جنوبًا، وقاوم المسلمون الغزاة الجدد، فتعرضوا لحملات إبادة واسعة النطاق على يد اليابانيين، واستطاع اليابانيون طرد الأمريكيين من الفلبين في الحرب.
إلا أن الجنرال الأمريكي ماك آرثر تمكن من العودة إلى الجزر الفلبينية في العام 1944م؛ أي قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية بنحو عام، وانضم إليه أهل البلاد ليتمكنوا من طرد اليابانيين، وهو ما تم في عام 1945م، وقد قاتل المسلمون في هذه المدة، واشتركوا في كل مراحل التحرير من المحتل الياباني، وبعد الحرب العالمية الثانية أعلنت الولايات المتحدة استقلال الفلبين عام 1946م، إلا أن الولايات المتحدة ظلت مسيطرة سياسيًّا على الفلبين.
بعد الاستقلال بدأت النهضة في الجنوب خاصة في المجالين التعليمي والثقافي، وأنشئت المدارس والمعاهد والكليات الإسلامية، وتأسس "اتحاد مسلمي الفلبين"، وتم إنشاء مركز إسلامي يضم مسجدًا ومكتبة ومدارس ومنازل للطلاب.
وهو ما أثار انتباه الحكام الجدد، فبدءوا في الاستيلاء على أراضي المسلمين، وبعد أن كان المسلمون يُسيطرون على 92% من مجموع مساحة مينداناو تقلصت هذه المساحات حتى وصلت إلى حوالي 38%، بعد أن عملت الحكومة الفلبينية على تجريد المسلمين من أراضيهم، وتوطين الفلاحين المسيحيين فيها، وهو ما زاد من عدد اللاجئين والمشردين من مسلمي الجنوب، وقد قدمت اليابان والولايات المتحدة دعمًا اقتصاديًّا كبيرًا لتحويل الجنوب الفلبيني من إقليم ذي غالبية مسلمة إلى إقليم ذي غالبية مسيحية كاثوليكية، وللمعرفة فإن للولايات المتحدة أكثر من 50 قاعدة ومطارًا في الفلبين؛ معظمها في المناطق الإسلامية.
ورغم كل الظروف فإن وعي المسلمين في الفلبين بانتمائهم الإسلامي كان يتزايد؛ فخلال العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956م قاموا بتشكيل لجان للتطوع لمساعدة العرب في الحرب، وعندما قامت رئيسة وزراء الكيان الصهيوني جولدا مائير بزيارة الفلبين في العام 1964م- كإحدى قيادات الماباي وقتها قبل سنوات من توليها الحكم في الكيان- احتجَّ المسلمون على هذه الزيارة وقال أحد النواب المسلمين في البرلمان الفلبيني: "إذا لم تطرد الحكومة هذه السيدة فسنتولَّى طردها"، وقامت المظاهرات في جميع أنحاء البلاد؛ مما جعل مائير تختصر زيارتها إليها إلى أقل من 24 ساعة.
وتحت وطأة الظروف التي يتعرض لها المسلمون هناك ظهرت في عام 1971 جبهة التحرير الوطني، والتي قامت بالعمل ضد الحكومة برئاسة الديكتاتور فرديناند ماركوس وضد العصابات الكاثوليكية التي كانت تعرف باسم "ميليشيا إلاجا" أو "عصابة الفئران" وأخرى تعرف باسم "ميليشيات الأخطبوط" وأسسها ماركوس بنفسه، وكانت هذه الميليشيات تقوم بارتكاب المذابح بحق المسلمين في القرى وداخل المساجد بمعرفة حكومة ماركوس.
ومع تنامي قوة الجبهة وفي عام 1974م باتت أحد الوجوه المعروفة في الداخل والخارج، وكان عبد الباقي أبو بكر الأمين العام للعلاقات الخارجية لها ممثلاً للجبهة في جميع المفاوضات والمؤتمرات الإسلامية منذ انضمام الجبهة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي كعضو مراقب دائم عام 1974م، وهو ما أثار حفيظة الحكومة الفلبينية؛ فزاد الجيش الفلبيني من حشوده وأعاد تنظيم قواته بعد أن سيطر الثوار المسلمون على مدينة جولو الإستراتيجية في أكبر معركة دخلوها منذ الحرب العالمية الثانية، وفي اجتماعهم الخامس طالب وزراء خارجية الدول الإسلامية الحكومة الفلبينية بإيجاد حل سياسي وسلمي بالمفاوضات والاعتراف رسميًّا بالجبهة الوطنية للتحرير التي صارت جبهة تحرير مورو الإسلامية في التسعينيات الماضية.
وتحت ضغط العمل المسلح أُجبرَت الحكومة الفلبينية على الدخول في مفاوضات مع الثوار المسلمين، وكانت أول جولة تفاوضية بين الجانبين في يناير عام 1975م، وهي أول مفاوضات من نوعها، وقاد نور ميسواري وسلامات هاشم فريق الجبهة في المفاوضات مع الحكومة والتي كانت في ذلك الوقت برعاية الوسيط الإندونيسي، الذي كان وسيطًا أمنيًّا بالأساس، وجاءت رعايته للمفاوضات بحكم الجوار.
وقد حاول ماركوس عام 1981م اعتبار الأزمة في مينداناو "نزاعًا داخليًّا محليًّا" بهدف إبعاد القضية عن المستويين الإسلامي والدولي؛ حتى تفقد حساسيتها وخطورتها، وفي هذا الإطار لجأ إلى إنشاء لجنة وساطة للاتصال بالثوار المسلمين وقادتهم بزعم إيجاد حل سلمي للأزمة؛ وذلك للوصول إلى صلح منفرد دون إشراك منظمة المؤتمر الإسلامي فيه، وتضليل الرأي العام العالمي وإيهامه أن المسلمين لا يريدون بديلاً عن الحكومة الحالية، واستغل أوضاع المسلمين السيئة في الفلبين لتحقيق ذلك والوقيعة بينهم، لعزل المجاهدين وإظهارهم بمظهر المتآمرين على الوطن.
وبالفعل أدى ذلك إلى وقوع انشقاق بين نور ميسواري- وهو زعيم اتجاه غلَّب الحل الداخلي- وسلامات هاشم الذي فضَّل الاتجاه الإسلامي ومضى في طريق الجهاد لنيل استقلال المسلمين وحقوقهم في هذه البلاد البعيدة.
وخلال حكم ماركوس قامت الحكومة الفلبينية بين عامي 1972م و1984م بارتكاب الآتي في حق المسلمين في البلاد:
- قتل أكثر من 30 ألف شهيد؛ معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن.
- اغتصاب ستة آلاف مسلمة على أيدي الجنود الفلبينيين.
- تشريد أكثر من مليوني مسلم (إجمالي مسلمي الفلبين أصلاً حوالي ما بين 5 إلى 6 ملايين مسلم؛ أي أنه تم تشريد ما بين 34% إلى 40% من إجمالي سكان الفلبين من المسلمين).
- فرار حوالي 300 ألف نسمة واضطرارهم إلى الهجرة إلى البلاد المجاورة، وبخاصة ولاية صباح التابعة لماليزيا.
- إحراق 300 ألف منزل من بيوت المسلمين.
- تدمير مائة قرية ومدينة إسلامية.
- سرقة معظم أراضي المسلمين الخصبة، وإعطائها الفلاحين الكاثوليك.
- تدمير أكثر من 500 مسجد للمسلمين.
تسوية عرجاء
بعد سقوط نظام ماركوس في منتصف عقد الثمانينيات وتولي كورازون أكينو الحكم في البلاد جرى استفتاء قضى بالسماح لبعض مناطق مينداناو بالتمتع بالحكم الذاتي، وبعد تسع سنوات من الاستفتاء، وتحديدًا في العام 1996م وقَّعت الحكومة الفلبينية على اتفاق للسلام مع جبهة التحرير الوطني التي أصبحت الجبهة الإسلامية لتحرير مورو، ثم بدأت بعد ذلك المفاوضات بين الحكومة الفلبينية وجبهة مورو في العام 1997م للتوصل إلى اتفاق نهائي يعالج أزمة الإقليم.
ومنذ ذلك العام والعلاقات بين الجانبين غير مستقرة برغم ما أعلنه الطرفان من نوايا التوصل إلى حل لأزمة المسلمين في تلك البلاد، بعد أن وصل عدد القتلى من جرَّاء هذا الصراع إلى 120 ألف قتيل في العقود الأربع الماضية.
وفي العام 2003م بدا أن رئيسة الفلبين الحالية جلوريا آرويو سوف تتبنَّى توجهًا آخر لإدارة الصراع والأزمة في جنوبي البلاد؛ سعيًا إلى إيجاد علاج دائم للأزمة، إلا أن التدخلات المستمرة من جانب جماعات الضغط المسيحية الكاثوليكية وقيادات الجيش، وتحت وطأة سيطرة جبهة مورو، التي تضم 12 ألف مقاتل، على قرى ذات غالبية مسيحية منطقة شمال كوتاباتو على أطراف مينداناو كعامل ضغط شعبي، ومن جانب العسكريين على الحكومة.. جعلت وقف إطلاق النار بين الجانبين غالبًا غير ذي معنى في تلك المناطق الساخنة.
ورغم ذلك فإن بوادر أمل كانت تلوح في الأفق في يوليو الماضي عندما توصل الطرفان في العاصمة الماليزية كوالالامبور إلى الاتفاق الذي تم إلغاؤه قبل أيام، والذي كان ينص على توسيع المناطق التي يحكمها المسلمون في جزيرة مينداناو على أن يكون محلاًّ للاستفتاء خلال فترة عام، وتضم المنطقة التي كان يشملها التوسيع 712 قرية إضافية، كما سيكون من حق حكام الإقليم من المسلمين الاستفادة من عائدات ثروات الإقليم من المعادن والموارد الطبيعية الأخرى بنسبة تصل إلى 75% من إجمالي الضرائب على عائدات النفط والمعادن والمصائد، كما كان الاتفاق يشمل تطبيق قوانين الإقليم الخاصة بما في ذلك مجالات الشرطة والأمن الداخلي، كذلك السماح لمسلمي الجنوب بإنشاء نظام مصرفي ومالي خاص بهم، وتأسيس مؤسساتهم الخاصة بالخدمة المدنية والتعليم، وهيئاتهم التشريعية والانتخابية.
إلا أن التسوية انهارت لعددٍ من العوامل؛ من بينها ما يخص الحكومة، والبعض الآخر يعود إلى الأطراف المسلمة الموجودة في الإقليم، ومن بين العوامل التي تعوق التوصل إلى اتفاق نهائي داخل الحكومة الفلبينية:
- المُتشددون في الحكومة الفلبينية والجيش ممن يعارضون إعطاء مساحات واسعة من الأراضي للمسلمين.
- العشائر المسيحية القوية سياسيًّا في الجنوب، والتي تعرقل أي اتفاق نهائي بكل الوسائل، بما في ذلك اللجوء إلى القضاء كما جرى أمام المحكمة العليا مؤخرًا.
أما على مستوى الأطراف المسلمة فقد كانت لعبة ماركوس وغيره من أقطاب التطرف المسيحي في البلاد لا تزال تأتي أكلها، فزادت مساحات التباعد بين الأطراف المسلمة في الجنوب، ثم قامت مجموعة منشقة عن جبهة مورو بالهجوم على قرى المسيحيين في الجنوب وقتل 40 منهم، وهو ما كان السبب المباشر في الأزمة الأخيرة التي أنهت عقدًا كاملاً من الآمال بإحلال السلام أخيرًا في بلاد الأجداد المسلمين في الفلبين.
وفي النهاية يبدو أن قصة المسلمين في الفلبين لم تصل إلى فصولها الأخيرة كما كان يتصور البعض؛ بل على العكس لا تزال أمامها الكثير من الأحداث قد يكون بعضها دمويًّا كما كان خلال العقود القريبة الماضية!!