بعد أشهرٍ من النزاع توصل الفرقاء اللبنانيون في شمال البلاد، وتحديدًا في منطقة طرابلس، عاصمة الشمال التي شهدت خلال الفترة الأخيرة أعمال عنف دموية بين العلويين والسنة أدت إلى سقوط العشرات ما بين قتيلٍ وجريحٍ، بشكل طال في ثناياه مؤسسة الجيش اللبناني.. إلى وثيقةٍ للمصالحة والتفاهم بين جميع الأطراف السياسية الفاعلة في هذه المدينة التي تُعتبَر أحد المعاقل المهمة للسنة في لبنان.
هذا الاتفاق الذي رعاه رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة كان وراءه وساطةٌ مباشرةٌ لزعيم تيار المستقبل النيابي اللبناني سعد الحريري الذي سعى إلى جمع مختلف الأطراف الفاعلة في شمال البلاد للتوقيع على هذه الوثيقة، وبالفعل كان من بين الحضور- بجانب السنيورة والحريري- نواب المدينة ورئيس الوزراء السابق عمر كرامي، ونائبَان سابقَان عن المقعد العلوي في طرابلس في مجلس النواب اللبناني، وهما أحمد حبوس وعلي عيد، والأخير هو رئيس الحزب العربي الديمقراطي أحد أبرز الأطراف الموالية لسوريا وأحد الأحزاب الفاعلة في أزمة طرابلس.
هذه الأزمة تبدو في إطارها العام الظاهر للعيان داخليةً؛ حيث إنَّ الأمر فيها لا يُجاوز المشهد التقليدي اللبناني في الخمسين عامًا الأخيرة؛ حيث تقع اشتباكاتٌ مسلحةٌ بين الحين والآخر ما بين فرقتَيْن على أساس طائفي، وقد تنجح قوى الأمن الداخلي في تطويقها أحيانًا، وقد لا تنجح في أحيانٍ أخرى، ولكن لبنان؛ هذا البلد العربي الصغير في مساحته الكبير في مشاكله، عوَّد المراقبين على أنَّ أي إشكالٍ أمني لا بد أنَّ وراءه خلفياتٍ سياسيةً أكبر منه، وغالبًا فإن الأمر يكون له أبعادٌ إقليميةٌ ودوليةٌ.
![]() |
|
فؤاد السنيورة |
وهو ما جرى بالضبط في أزمة طرابلس الأخيرة؛ حيث إنَّ الأمر لا يتوقف عند صورة المشهد الداخلي الذي نقلته عدسات وسائل الإعلام؛ حيث جلس السنيورة والحريري في منزل مفتي طرابلس مالك الشعَّار متصدرين الجلسة التي انضم إليها أطرافٌ دينية أيضًا بجانب السياسيين الذين كانوا موجودين؛ حيث إنَّ الخلفيات الإقليمية لهذا المشهد هي التي كانت غالبة، وربما كانت هي أيضًا التي رسمت الوثيقة وصورها الإعلاميَّة، والمثير للدهشة والغموض أيضًا أنَّ مصر كانت حاضرةً في خلفية هذه الصورة أكثر من أي وقت مضى فيما يخص الموقف المصري والدور الذي تلعبه القاهرة في الملف اللبناني منذ عقودٍ بعيدةٍ!.
ولكن لعل ما يخفف هذه الدهشة أنْ نعلم أنَّ القاهرة التي كانت فاعلة في هذا الإطار لم تكن القاهرة التي تعمل من القصر الجمهوري الكائن في منطقة قصر القُبَّة شرق القاهرة؛ بل إنَّ القاهرة التي كانت فاعلة في هذا المقام كانت القاهرة الكائنة في منطقة كوبري القُبَّة، والمقصود بذلك بطبيعة الحال جهاز المخابرات العامة المصرية.
الأزمة والاتفاق
ويعود أصل الأزمة إلى الخلافات الطائفية والسياسية التي تفاعلت في الفترة التي تلت التوقيع على اتفاق الدوحة الذي أنهى أزمة الرئاسة اللبنانية واعتصام بيروت، وأدى إلى تشكيل حكومة المخاض العنيف التي يترأسها السنيورة حاليًّا، وبدا أنَّ كلَّ شيء مبرمج لإفساد الاتفاق في واحدةٍ من أكبر المدن اللبنانية، وأكثرها حساسيةً بعد بيروت بسبب ما شهدته خلال أشهر الشتاء الماضي من أعمال عنفٍ وعملياتٍ عسكرية بين الجيش اللبناني وتنظيم فتح الإسلام في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في الشمال اللبناني.
وكانت الاشتباكات بالأساس ما بين العلويين الذين يسكنون منطقة جبل محسن، وسُنَّة باب التبانة، والأول كان يتردد أنَّ دمشق كانت تدعمهم بشكلٍ مباشرٍ، بينما كان سُنَّة باب التبانة يتلقون دعمهم من أطرافٍ سياسيةٍ ونيابيةٍ رسميةٍ، وقد أدت الاشتباكات بين الطرفين إلى مصرع حوالي 23 شخصًا، بجانب سقوط 9 جنود من الجيش اللبناني في انفجارٍ وقع في 13 أغسطس الماضي واستهدف حافلةً للجيش اللبناني وأدى إلى مصرع خمسة مدنيين آخرين.
والاتفاق الذي تمَّ التوصل إليه يتضمَّن ستة بنودٍ رئيسيةٍ؛ بعضها سياسي والبعض الآخر أمني أو إنساني، ومن أهمها:
- الاتفاق على تثبيت السلم الأهلي، وعدم اللجوء إلى العنف من جانب الأطراف الموجودة في المدينة.
- تتم المصالحة بين جميع القوى الموجودة برعاية الدولة اللبنانية.
- يقوم الجيش بإعلان جدول زمني لعودة النازحين الذين خرجوا من ديارهم بسبب الأحداث الأمنية، وتأمين عودتهم، وتأمين منازل مؤقتة لهؤلاء الذين تعذَّر عليهم العودة إلى مساكنهم بسبب تضررها من الأحداث.
- تحديد الأضرار للتعويض عنها تعويضًا كاملاً.
وبالنسبة لموضوع تأمين الموقف لضمان عدم تكرار الموقف مجددًا، حدَّد السنيورة ذلك في الجيش والدولة؛ حيث أكد أنَّ الجيش والقوى الأمنية ستضمن عدم استخدام العنف مجددًا لحسم الأمور بين الفرقاء السياسيين في المدينة، بينما حدد سعد الحريري دوره في الأمر بالقيام بما يلزم لإعادة الإعمار وتنشيط الوضع الاقتصادي الذي تضرر كثيرًا بعد ما جرى.
القاهرة على الخط
ما مضى- كما سبق القول- إنما هو مشهدٌ لبنانيٌّ بحتٌ، ولكنَّه فقط "يبدو" كذلك؛ حيث إنَّ الاعتبارات الإقليميَّة في هذا المشهد أكثر إثارةً وثراءً إلى حدٍّ كبيرٍ من الهيكل العام للمشهد الذي يراه الإعلام.
![]() |
|
رفيق الحريري |
فالأزمة أساسًا أحد طرفيه سوريا، وتحديدًا جهاز استخباراتها العسكري الكبير الذي كان يسيطر على لبنان تقريبًا قبل الخروج السوري الكبير في ربيع العام 2005م بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، ويرأسه الآن آصف شوكت صهر الرئيس السوري بشار الأسد، ويلعب دورًا سياسيًّا كبيرًا في تأمين المصالح الحيوية للنظام السوري في سوريا ولبنان ومناطق أخرى من العالم العربي، بل وفي بقاء نظام البعث ذاته الحاكم في دمشق.
المهم أنَّ الاستخبارات العسكرية السورية كانت تدعم الطرف العلوي في هذه الأزمة، وهو أمرٌ معروفٌ منذ البداية، ولكن الجديد في الأمر أنَّ المخابرات العامة المصرية قد التقطت ذلك مع بعض الأدلة التي جمعتها في تقريرٍ ورفعته إلى رئاسة الجمهورية المصرية، ويتضمن طلبًا وجَّهه الرئيس السوري إلى قياداته العسكرية بوضع خطة عسكرية للاستيلاء على مناطق ومحافظات الشمال اللبناني المجاورة للحدود السورية، والغرض من ذلك مجموعةٌ من الأهداف؛ من بينها:
- استمرار تقديم الدعم الذي تقدمه الاستخبارات العسكرية السورية للأقلية العلوية في جبل محسن في الشمال اللبناني، في طرابلس وفي بعض قرى قضاء عكار الشمالي، والتي تقاتل ضد السنة، بما في ذلك بعض الجماعات السلفية التي تتمركز في هذه المناطق.
- محاولة ضم هذه الأماكن فيما بعد إلى داخل الإقليم السوري قبل بدء ترسيم الحدود بين البلدَيْن، وافتتاح سفارتَيْن للبلدَيْن، كلٌّ في عاصمة البلد الآخر، وتبادل السفراء، كما تمَّ الاتفاق على ذلك في زيارة الرئيس اللبناني التوافقي الجديد ميشال سليمان إلى دمشق مؤخرًا.
ومن هنا وجدت القاهرة- التي باتت مهتمة الآن بالملف اللبناني أكثر من ذي قبل لعددٍ من الاعتبارات من بينها الملف الإيراني والنشاط الشيعي في المنطقة- نفسها الآن أمام الوضع الآتي:
- تهديدات سورية باجتياح مناطق ذات غالبية سُنيِّة في شمال لبنان، بما يعني خلخلة التركيبة الطائفية لهذا البلد وإغراقه مجددًا في آتون حربٍ أهليةٍ؛ حيث ستتوافر ذات الشروط التي أدت إلى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في الفترة بين 1975م إلى 1990م؛ حيث خشيت القوى المسيحية على غالبيتها في لبنان بسبب هجرة الفلسطينيين- وهم سُنَّة- من الأردن إلى لبنان بعد أزمة المقاومة مع نظام العاهل الأردني الراحل الحسين بن طلال.
- هذه الأزمة سيكون لها انعكاساتها الأمنية الإقليمية؛ حيث سيتحول لبنان إلى بؤرةٍ من عدم الاستقرار ستجتذب حتمًا العديد من المغامرين وتجار السلاح وأجهزة المخابرات الدولية والتنظيمات السُّنيَّة والشيعية المتطرفة، وسيتحول البلد إلى ساحةٍ لتصفية صراعاتٍ تنظيميةٍ ومذهبيةٍ دمويةٍ.
- الجانب السياسي للأزمة سيكون في صالح إيران والكيان الصهيوني بلا شك، وهو ما لا يريده المصريون؛ حيث إنَّ إيران ستربح قدمًا إضافيًّا في مساعيها الحثيثة لاستكمال طوق الهلال الشيعي في المنطقة، وشمال لبنان منطقة شديدة الإستراتيجية، مع كون سيطرة الشيعة العلويين المدعومين من سوريا عليها سيعني إضعاف قدرة السُّنَّة ووجودهم في هذا البلد، وبالتالي إضعاف الجبهة التي تواجه حزب الله وإيران بداخل لبنان.
أي أنَّ التحرك المصري في الأزمة جاء أساسًا لتطويق الجهود التي تقوم بها بعض أعلى المستويات في طهران لنشر المذهب الشيعي والنفوذ الإيراني في العالم العربي، والذي امتد الآن من الخليج العربي وحتى المغرب العربي بحسب التقارير الوافدة من المؤسسات الدينية الرسمية في المغرب والجزائر.
على المستوى الصهيوني فإنَّ الفرصة ستكون متاحة أمام تل أبيب لتحقيق عددٍ من الأهداف؛ أولها امتصاص سلاح المقاومة اللبنانية والفلسطينية على حدٍّ سواءٍ، والتخلص من حزب الله وقدراته العسكرية في حربٍ أهليةٍ ضخمةٍ لها أبعادها الإقليمية، وخوض حربٍ بالوكالة ضد إيران، وإيجاد موطئ قدمٍ لمخابراتها وتدعيم تحالفاتها مجددًا في لبنان، بما في ذلك من مكاسبٍ إستراتيجيةٍ ضخمة للكيان الصهيوني في صراعه ضد إيران وسوريا، وبمثابة توسُّع إقليمي جديد له بعد طول تقوقع له خلف حدوده الضيقة بعد أن أجبرته المقاومة على ذلك، وأخرجته من جنوب لبنان ومن قطاع غزة.
وفي هذا الإطار تبنَّت القاهرة مجموعةً من الإجراءات؛ كان من بينها:
- إيفاد وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إلى بيروت؛ لإطلاع قيادات الحكومة والقيادات السُّنيَّة على حقائق ما يجري.
- إيجاد قنوات تواصل مع باقي القوى اللبنانية، إلى درجةٍ وصلت إلى حدِّ توجيه دعوةٍ إلى قيادات حزب الله لزيارة القاهرة للقاء كبار المسئولين السياسيين والأمنيين المصريين، وقاد هذه الجهود رئيس الوزراء اللبناني السابق عمر كرامي أحد أبرز الشخصيات السياسية السُّنيَّة في لبنان، وأحد أهم رموز طرابلس السياسيين.
ومن هنا يمكن فَهْم التحرك الذي قاده القادة السياسيون لسُنَّة لبنان للتوصل إلى هذا الاتفاق، ويمكن أيضًا فَهْم إلحاحية الأمر عندما نعلم أنَّ غالبية الفصائل السنية اللبنانية بما فيها التيار السلفي والجماعة الإسلامية اللبنانية- إخوان لبنان- بقيادة فيصل مولوي كانت قد رفضت الاتفاق الذي وقَّعه بعض السلفيين مع حزب الله قبل أسابيع، وها هي قد عادت وقبلت اتفاقًا مماثلاً في الشمال.
كما يمكن أيضًا فَهْم الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس السوري بشار الأسد مع نظيره المصري حسني مبارك لتعزيته في ضحايا الانهيار الجبلي الذي وقع في منطقة الدويقة مؤخرًا، وهو الاتصال الأول من نوعه منذ العام 2006م؛ حيث إنَّ دمشق تخشى بشدة أن تُعلن القاهرة ما وقعت عليه مخابراتها من تفاصيل عما يجري في شمال لبنان؛ لأنَّ نشر ذلك معناه ضرب كل محاولات دمشق الأخيرة للخروج من عزلتها العربية والدولية، وتشويه صورتها بشدة، ووضعها في مأزقٍ إقليمي ودولي حرج، ولا سيما أمام الأمريكيين المتربصين، وقد يضع سوريا موضع عقوباتٍ دوليةٍ؛ لأنَّ ما يجري في شمال لبنان بتخطيط سوري من الممكن له أنْ يؤديَ إلى اندلاع حربٍ أهليةٍ في هذا البلد.
كما أنَّ ما يجري ثمة ارتباط بينه وبين ملف المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري وأعمال العنف المشابهة التي وقعت في لبنان في الفترة ما بين سبتمبر 2004م وحتى الآن، والتي ضمها فريق التحقيق الدولي في اغتيال الحريري لهذا الملف، واغتيال الحريري ملفٌ شائكٌ بالنسبة لسوريا؛ حيث متورطٌ فيه العديد من رموز المؤسسة الأمنية السورية واللبنانية المحسوبة على دمشق.
من جهةٍ أخرى فإنَّ هناك على ما يبدو اتفاقًا مصريًّا- سعوديًّا ذا غطاء عربي من جامعة الدول العربية وبعض الأطراف الإقليمية الأخرى للتعامل مع الملفات والأطراف التي لا تتوافق مع الإجماع العربي، أو تسعى إلى تحقيق لون من ألوان عدم الاستقرار في بلدان أخرى لحساب أجندات ضيقة خاصة بحكوماتها، ومن هنا يمكن- مثلاً- فَهْم القرار العربي القاضي بفرضِ عقوباتٍ على الفصائل الفلسطينية التي سوف يثبت أنَّها تعرقل المصالحة الوطنية الفلسطينية.
المهم في الأمر أنَّ القاهرة قد بدأت في لعب دورٍ ما فعَّال في الأزمة اللبنانية، ولكن السؤال الآن هل هذا الدور طارئٌ على استعجال الحدث، وسُرعان ما تعود القاهرة لتتقوقع وراء حدودها؟ أم أنَّه مقدمة لعودة مصرية قوية إلى الشأن العربيِّ؟.. هذا ما سوف تجيب عنه الحوادث القادمة!!.

