تتسارع الأزمة السياسية في منطقة القوقاز بشكل قد يضع المنطقة على شفا حرب دولية مفتوحة، فالتطورات المرتبطة بالنزاع حول جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وكذلك الصراع على السيطرة على البحر الأسود بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة تشير إلى تصاعد حدة الأزمة بين الطرفين.
ترجع بدايات الأزمة إلى العام الماضي حينما اتهمت جورجيا ضباطًا روسًا بالتجسس، وطلبت ترحيلهم إلى روسيا كحل بديل عن محاكمتهم أمام القضاء الجورجي، ورغم معالجة هذه القضية وترحيل الضباط الروس إلا أن التوتر بين أطراف الأزمة: جورجيا وروسيا وأوسيتيا الجنوبية ثم لاحقًا أبخازيا أخذ في التصاعد، وكانت ذروة هذا التصاعد عندما أرادت جورجيا تأكيد سيطرتها العسكرية والسياسية على أوسيتيا الجنوبية، ولهذا الغرض سيرت قواتها المسلحة للسيطرة على الإقليم، وهو ما اعتبرته روسيا نقضًا لاتفاقية حفظ السلام واعتداءً على القوات الروسية المتواجدة على الأراضي الأوسيتية وفقًا لهذه الاتفاقية.
وعلى هذا الأساس (القانوني) فسّرت روسيا تدخلها العسكري ضد الجيش الجورجي، في أوسيتيا، ونجح الجيش الروسي في دخول الأراضي الجورجية ذاتها والاقتراب من العاصمة (تبليسي)، ورغم شروعه في الانسحاب من الأراضي الجورجية إلا أن المواجهة العسكرية بين روسيا وجورجيا أثارت قضايا أخرى تتعلق بطبيعة وحالة النفوذ الروسي في منطقة القوقاز المتاخمة للحدود الروسية وتواجدها العسكري في البحر الأسود.
تداعيات الأزمة
ترتب على الصراع العسكري بين روسيا وجورجيا وهزيمة الجيش الجورجي ظهور أوضاع قلقة تعكس حالة اختلاف مصالح الدول الكبرى.
أ- الموقف الروسي:
رغم توقف المعارك وسحب الجيش الروسي من جورجيا، إلا أن السياسة الروسية أرادت وضع إطار لإدارة الأزمة في منطقة القوقاز سواء تجاه الأطراف المحلية أو تجاه السياسات الأوروبية والأمريكية، فعلى مستوى إعادة نشر الجيش الروسي، احتفظت روسيا بمراقبة ميناء "بوتي" الجورجي على البحر الأسود ومنعت السفن الحربية الأمريكية من الرسو في الميناء، كما حركت أسطولها البحري في عرض البحر وأعلنت أنها عازمة على تفتيش السفن الأخرى، وهذه الخطوة لم تحدث لعدم حدوث صدام مباشر مع قطع بحرية أمريكية أو أطلسية.
ومع اشتداد الأزمة جمدت روسيا علاقاتها مع حلف الأطلسي (الناتو) وسحبت ممثلها الدائم لدى الحلف، وبررت روسيا هذه الخطوة بأن الناتو يتبنى سياسات معادية لروسيا، تتمثل في نشر قطع بحرية في البحر الأسود والسعي لضم أوكرانيا وجورجيا، بالإضافة إلى التدخل الثقافي للناتو في الشئون الداخلية لروسيا ودول الكومنولث الروسي، ويتمثل هذا التدخل في دعم النظم المعادية لروسيا بادعاء حماية التحول الديمقراطي ونشر الليبرالية، وفي هذا السياق اعتبر "دمتري يوزاجين" (ممثل روسيا الدائم لدى الناتو) "أن الناتو هو جرو الديمقراطية الغربية ويعمل على ترويج الكوكاكولا في روسيا".
ورأت روسيا أن تجميد علاقاتها مع الناتو يتضمن وقف التعاون في البرامج المشتركة بين الطرفين وهي:
1- وقف الحوار بشأن التعاون العسكري والعلاقات الإنسانية، ويشمل ذلك التعاون في أفغانستان.
2- عدم المشاركة في دورات الناتو التدريبية، وكذلك المناورات المشتركة.
3- عدم تعليم نظم الناتو في روسيا.
4- عدم تبادل العلماء والخبراء ومجموعات العمل.
وفي تطور مهم أعلنت روسيا الاعتراف بجمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا كدولتين مستقلتين ودعت الدول الأخرى للاعتراف بهما، ولم تتوقف روسيا عند الاعتراف بالجمهوريتين ولكنها سعت لترسيخ نفوذها وتواجدها السياسي والعسكري، فعملت على إبرام معاهدات صداقة واتفاقات تعاون عسكري ودفاع مشترك بما يضمن توافر تسهيلات لتحرك الجيش الروسي.
ب- الموقف الجورجي:
رغم بدء جورجيا بالعمليات العسكرية إلا أن قواتها المسلحة لم تصمد أمام القوات الروسية التي لاحقتها داخل جورجيا ذاتها، وبالتالي أصبحت جورجيا وحلفاؤها الإقليميون تحت ضغط سياسي وعسكري لا يخفف منه عدم كفاية الدعم الأمريكي والأوروبي عسكريًّا وسياسيًّا، فقد ترتب على الحرب القصيرة فقد جورجيا للسيطرة على ميناء "بوتي" واقتطاع إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا من جورجيا، هذا التطور يعد ترجمةً سريعةً لنتائج الحرب ضد روسيا.
الموقف الجورجي وخلال فترة الأزمة لم يتجاوز المطالبة بضمان سلامة أراضي الدولة ومطالبة الناتو كمنظمة سياسية وعسكرية بالقيام بهذه المهمة، وأعلنت استعدادها لاستضافة القطع العسكرية التابعة للناتو والدول الأعضاء فيه في الموانئ والأراضي الجورجية، وبالفعل رست قطع بحرية أمريكية في ميناء "باتومي" غير أنها تراجعت عن الرسو في ميناء "بوتي" لتجنب الصدام بالأسطول الروسي.
وقد صعدت جورجيا في موقفها عندما أعلنت عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع روسيا والبدء بترحيل الممثلين الدبلوماسيين الروس لدى جورجيا، وبقدر ما إن هذه الخطوة تعد بمثابة رد على الاعتراف الروسي بالجمهوريتين إلا أنها تكشف عن طبيعة الأزمة المفتوحة على كل الاحتمالات والاتجاهات.
جـ- المواقف الأوروبية والأمريكية:
تتساند مواقف أوروبا والولايات المتحدة من أزمة القوقاز غير أنها لا تتبنى موقفًا موحدًا من الأزمة، فرغم التوافق العام ضد السياسة الروسية في القوقاز إلا أن ثمة اختلافًا فيما بين الدول الأوروبية بشأن التعامل مع أزمة القوقاز وتطوير السياسة الأوروبية تجاه هذه المنطقة.
1- مجلس الناتو: أصدر مجلس الناتو بيانًا أدان فيه ما اعتبره تدخلاً روسيًّا في الشئون الداخلية الجورجية ودعا لسحب الجيش الروسي من كامل الأراضي الجورجية، كما أعلن في ذات الوقت عن مضي الحلف قدمًا في ضم أوكرانيا وجورجيا، وقد توصل مجلس الناتو إلى ضرورة الاستمرار في سياسته التوسعية ونشر قطع بحرية في البحر الأسود.
2- الاتحاد الأوروبي: رغم توسط الاتحاد الأوروبي عبر فرنسا في الأزمة بين روسيا وجورجيا وتوقيع اتفاقية وقف الحرب وسحب الجيش الروسي، إلا أنه اعتبر احتفاظ روسيا بالرقابة على ميناء "بوتي" والاعتراف بجمهوريتي أوسيتيا وأبخازيا مخالفًا للاتفاق.
ولذلك دعا الاتحاد إلى فرض عقوبات على روسيا وعزلها عن المؤسسات الأوروبية ووقف عضويتها في مجموعة الدول الصناعية، هذا الموقف في الوقت الحالي لا يحظى بإجماع الدول أعضاء الاتحاد، حيث عارضت بريطانيا فرض عزلة دولية على روسيا.
3- الولايات المتحدة: تعد الولايات المتحدة الطرف المناظر لروسيا في أزمة القوقاز، ومنذ بداية الأزمة رأت الولايات المتحدة ضرورة تواجدها العسكري في البحر الأسود والاستعداد لتعويض الخسائر الجورجية.
فقد اعتبرت التدخل الروسي عدوانًا على جورجيا، وفي هذا السياق أعلنت عن تنفيذ مهمة عسكرية تمثلت في توصيل "الإغاثة الإنسانية" على متن بارجة حربية، كما عملت على نشر قطع بحرية في ميناءي "باتومي" و"بوتي"، هذه التحركات تعزز من تصعيد الأزمة مع روسيا، خاصة في ظل اعتبارين مهمين وهما؛ الأول حيث تعتبر البحر الأسود منطقة نفوذها، أما الثاني فهو أن روسيا ترى أن القيود الأوكرانية على تحركات الأسطول الروسي هي امتداد للسياسة الأمريكية.
وبالإضافة إلى تحرك أمريكا عسكريًّا، فإن مواقفها السياسية تعزز حالة العداء ضد روسيا، فقد اعتبرت أن السياسة الروسية غير مسئولة، وهذا التعبير يعبر عن شدة العداء والخلاف في العلاقات الدولية، ويكشف أيضًا عن انخفاض فرص تسوية الأزمة.
السياق الدولي للأزمة
وقعت الأزمة السياسية في القوقاز في سياق عدد من التطورات الدولية والتي تكشف عن اختلاف مصالح الدول الكبرى.
أ- تفكيك يوغسلافيا واستقلال كوسوفا:
بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وحدوث توترات عرقية في يوغسلافيا بدأ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في سياسة تكوين دول قومية- عرقية على أنقاض الاتحاد اليوغسلافي، وقد أثمرت هذه السياسة عن تكوين دولة كرواتيا وصربيا والبوسنة والهرسك، ثم الإعلان عن استقلال كوسوفا في2008 .
وفي سياق السياسة الغربية لتقويض النفوذ الروسي في منطقة البلقان، عقدت محاكمات دولية للقوميين السلاف الموالين لروسيا، وطالت المحاكمة الرئيس الصربي السابق (ميلوسيفيتش)، ثم رادوفان كاراجيتش منظم عمليات الإبادة في البوسنة- الهرسك، وقد جاء الإعلان عن تقديم كاراجيتش للمحاكمة في سياقين مهمين:
1- الإعلان عن استقلال كوسوفا واعتراف دول أوروبية وأمريكا بها.
2- تنامي الجدل حول إخلال أمريكا بصفقة عدم تقديمه للمحاكمة وتوفير الحماية له.
وفي هذا السياق هددت روسيا بإعلان استقلال جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا من جانب واحد والاعتراف بهما كدولتين مستقلتين.
ب- التوسع الجغرافي والسياسي للناتو:
خلال العقدين الماضيين حدثت تطورات داخل الحلف، يتمثل أهمها في:
1- توسيع عضويته جغرافيًّا، وأيضًا توسيع إطار التعاون مع الدول غير الأعضاء.
2- توسيع أجندته لتشمل إلى الجانب العسكري الجوانب الثقافية والسياسية و"الإنسانية".
3- تطوير الحلف كمنظمة دولية عامة يحق لها التدخل لحفظ الأمن ومساندة النظم "الديمقراطية".
وفي إطار هذه الأجندة يسعى الناتو للتوسع شرقًا في منطقة القوقاز والدخول للبحر الأسود، وترى روسيا أن سياسة الناتو تجاه المنطقة تتجاوز تعاون وشراكة روسيا مع الحلف، ولذلك تعتبر أن دخول الناتو لمنطقة القوقاز يعد مصدرَ تهديد للأمن الروسي ويفرض حصارًا على روسيا.
جـ- سباق التسلح الجديد:
رغم توقيع روسيا وأمريكا لاتفاقات خفض التسلح التقليدي والنووي منذ بداية الثمانينيات في القرن الماضي، إلا أن الدولتين لم تنجزا هذه الاتفاقات، وظلت قضية التسلح والأمن الدولي تشغل مكانًا مهمًّا في القضايا الدولية، وقد جاء نشر الولايات المتحدة لنظم "الدروع الصاروخية" في بولندا وتشيكيا ليعيد إنتاج الأزمات الدولية المتعلقة بسباق التسلح.
فقد اعتبرت روسيا أن نشر الصواريخ الأمريكية في أوروبا مخالف للاتفاقات المتعقلة بخفض التسلح، حيث إنه موجه بالأساس نحو روسيا وليس إيران كما تدعي الولايات المتحدة.
د- التحالفات الدولية:
تكمن أهمية هذه الجزئية في محاولة وضع تصور أولي عن التكتلات الدولية المحتملة تجاه الأزمة في القوقاز باعتبارها نقطةً حرجةً في العلاقات الدولية، هنا يمكننا التمييز بين ثلاث مجموعات مختلفة:
1- مجموعة دول حلف الناتو والاتحاد الأوروبي: وهذه المجموعة والتي تشمل دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا وتركيا، هذه المجموعة تعتبر الأكثر تماسكًا في التكتلات الدولية، وذلك بما يتوافر لها من منظمات مستقرة وأطر عمل واضحة، غير أن الاختلافات الثقافية والعرفية فيما بينها تعد من مصادر ضعف هذه المجموعة، فهي تجمع من ثقافات لاتينية وإسكندنافية وتوراتية، كما تجمع بين الكاثوليك والبروتستانت والمسلمين.
2- الكومنولث الروسي: هذه المجموعة لا تشمل كل الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي، ولكن يشمل بعض دولها إلى جانب روسيا ما يزال يشكل طرفًا دوليًّا يعتد به، وخاصة في ظل وجود فريق حاكم قوي ومتجانس في روسيا.
3- مجموعة دول مناهضي العولمة: تتوافق هذه المجموعة على مبادئ عامة في العلاقات الدولية، تقوم على مقاومة الليبرالية وفرض نظام السوق واستبداله بنظام اقتصادي يحقق التوازن في العلاقات التجارية الدولية، وتشمل هذه المجموعة الدول الاشتراكية في أمريكا اللاتينية وإيران وسوريا وكوريا الشمالية، وتعد الصين قريبةً من هذا التوجه، وذلك بالإضافة إلى تيارات سياسية في غرب أوروبا.
وفي سياق العرض السابق يمكن القول إن أزمة القوقاز قد وصلت لنقطة حرجة، وأن النتائج المترتبة عليها سوف تؤثر كثيرًا في شكل العلاقات الدولية، غير أن المتوقع في المدى المنظور يتمثل في حدوث توتر (حرب باردة) بين روسيا ومؤيديها المحتملين من جهة وبين أمريكا ودول غرب أوروبا من جهة أخرى.
-----------------
* باحث سياسي ومتخصص في العلاقات الدولية