تشهد بريطانيا في الأيام الأخيرة حراكًا جديدًا فيما يتعلق بأوضاع المسلمين هناك، والبالغ عددهم نحو مليوني مسلم، وفي هذا الإطار يتطلع البعض إلى أن يساهم هذا الحراك في تحسين أوضاع المسلمين هناك، وبخاصة فيما يتعلق بالقضايا الأساسية التي تواجههم، وعلى رأسها الفقر وعدم المساواة ومشكلة تأثيرات سياسات مكافحة الإرهاب على حقوق المسلمين هناك.

 

ترجع أهمية الحراك الجديد الذي يشهده المجتمع البريطاني يعود إلى أنه يأتي من طرفَيْ المعادلة؛ المسلمين والحكومة البريطانية، وليس من طرف منهما فحسب.

 

فالحكومة البريطانية تبنَّت مؤخرًا بعض المواقف التي تعطي بوارق أمل في أن تكون بدايةً لتصحيح الأوضاع بالنسبة للمسلمين في هذا البلد الأنجلو- ساكسوني، بعد سنواتٍ من الأزمة وسوء المعاملة، ومن جانبٍ آخر ظهرت العديد من الدعوات في أوساط مسلمي بريطانيا لتدارك بعض الأخطاء الحاصلة في داخل المجتمع المسلم هناك، والتي من المهم القضاء عليها كمقدمةٍ لمعالجة الكثير من الأوضاع التي تضيف بعض السوء على صورة المسلمين هناك.

 

وفي هذا الإطار فإنه ربما يمكن توصيف هذه المرحلة من تاريخ المجتمع المسلم في بريطانيا على أنها الأهم ربما منذ أن بدأ هذا المجتمع في التَّكوُّن في العام 1386م؛ حيث وردت الإشارة إلى "علماء مسلمين" موجودين في البلاد في بعض أوراق وحكايات كنيسة كانتربري، وللمعرفة فإن جون ويلسون كان هو أول إنجليزي يعتنق الإسلام، وكان ذلك في العام 1583م.

 

ويتركز مسلمو بريطانيا في العاصمة لندن- 43% منهم- وفي مانشستر وجلاسكو، وأغلب المسلمين من شبه القارة الهندية- الهند وباكستان- يليهم مسلمو الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ثم من بلدان أخرى مثل ماليزيا ونيجيريا، وكانت بداية الهجرة الفعلية لأعداد كبيرة من المسلمين إلى بريطانيا في عقدَيْ الخمسينيات والستينيات الماضيَيْن؛ حيث وصل مهاجرون مسلمون قادمون من الهند وباكستان، وشجَّع على هذه الهجرة في الخمسينيات مشكلة النقص في الأيدي العاملة في بريطانيا، خصوصًا في مجال صناعات الحديد والأقمشة في منطقتَيْ يوركشاير ولانكشاير الواقعتَيْن في شمال إنجلترا، ثم وصلت موجة جديدة تالية من المهاجرين القادمين من إفريقيا، وكان غالبيتهم من كينيا وأوغندا؛ حيث عانى الكثير من الآسيويين في بريطانيا من التمييز ضدهم.

 

وقد عانى المسلمون البريطانيون في السنوات الأخيرة من سلسلةٍ من الإجراءات التي أشعرتهم بالحصار، والتي تتزايد مع كل حادثٍ أمني جديد يحدث في بريطانيا، فوفق الإحصائيات التي تعلنها شرطة بريطانيا ومكتب مكافحة الإرهاب الذي يرأسه بيتر كلارك؛ فإن هناك أكثر من 10 آلاف شاب مسلم تحت المراقبة، بحجة التعاطف مع تنظيم القاعدة وفكره!!

 

ولا أحد يمكن له أن ينسى حالة الاستنفار الأمني التي شهدتها الأقلية الإسلامية في بريطانيا في أعقاب الإعلان عن خطةٍ لتفجير طائرات مدنية في بريطانيا في أغسطس 2006م، والمحاولة الفاشلة التي جرت لتفجير سيارتَيْن ملغومتَيْن في العاصمة البريطانية لندن في يونيو 2007م؛ فعلى الرغم من أن أحدًا لم يعلن مسئوليته عن هاتَيْن العمليتَيْن، إلا أن الأقلية المسلمة في بريطانيا ولندن كانت هي المتهم الأول من وجهة نظر الإعلام والمجتمع.

 

وفي هذا الشأن فإن لمسعود شجرة أحد قيادات اللجنة الإسلامية لحقوق الإنسان في بريطانيا تعليقًا لافتًا في هذا الشأن، قال فيه: "إنهم يستهدفون المسلمين كأنهم هم المشكلة بدل التركيز على الأقلية القليلة التي تثير المشاكل، وهذا الاستهداف يزيد من مشاعر الخوف من الإسلام ويستغله متطرفون لترسيخ مفاهيم صراع الحضارات".

 

وقد تزايدت أيضًا حالات الاعتداء على المساجد والمراكز الإسلامية، وعلى الأشخاص المسلمين، بشكلٍ يؤكد حالة العداء والكراهية التي أصبحوا يعانونها يوميًّا هناك، وزاد من حدة المشكلة التي تواجه مسلمي بريطانيا تنامي الأحزاب اليمينية المتطرفة كظاهرةٍ بدأت تقلق حتى الساسة البريطانيين، ومن بين مؤشرات ذلك المكاسب الانتخابية الكبيرة التي حققها الحزب البريطاني العنصري في الانتخابات البلدية التي جرت في بريطانيا في العام 2006م.

 

الاعتراف بالقضاء الشرعي

كان الحدث الأهم الذي جرى في الفترة الأخيرة هو ذلك المتعلق بإقرار الحكومة البريطانية بقانونية المحاكم الشرعية على أراضيها؛ فبعد أكثر من ربع قرن من قيامها بالفصل في بعض أنواع القضايا بين مسلمي بريطانيا، قررت الحكومة البريطانية إعطاء كافة الصلاحيات للقضاة المسلمين لإصدار أحكام تستند إلى الشريعة الإسلامية في نوعيات القضايا الآتية:

- قضايا الأحوال الشخصية.

- قضايا العنف العائلي.

- قضايا الخلافات المالية.

وهي نوعيات من القضايا التي يجب فيها تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة للمسلمين؛ حيث لا يجوز من وجهة النظر الشرعية الاحتكام فيها إلى قانون غير إسلامي أو وضعي، ووفق القرار فإن الحكومة البريطانية بذلك قد أضفت الصفة الرسمية على المحاكم الشرعية الإسلامية في هذا البلد الأوروبي العريق في انتمائه المسيحي، لتصبح بذلك أحكام هذه المحاكم ملزمةً؛ بحيث يتولى النظام القضائي للدولة تطبيقها عبر محاكم الدولة أو المحكمة العليا، بخلاف الوضع في السابق؛ لأن هذه المحاكم لم تكن تحمل صفةً شرعيةً أو قانونية.

 

وهناك في بريطانيا خمس محاكم موزعة على لندن وبرمنجهام وبرادفورد ومانشستر، وترتبط هذه المحاكم الأربع بالمقر الرئيسي في يوركشاير، بجانب محكمتين ستفتحان أبوابهما قريبًا في كلٍّ من مدينتَيْ جلاسجو وإيدنبيرج، وقد بدأت هذه المحاكم عملها في شهر أغسطس من العام 2007م، نظرت إلى الآن حوالي 100 قضية موزعة ما بين قضايا زواجٍ وميراثٍ وإيذاء الجيران، إضافةً إلى ست قضايا عنف عائلي شاركت الشرطة البريطانية في تحقيقاتها.

 

ولعل هذا الخبر هو الأهم فيما سمعه المسلمون في بريطانيا منذ سنوات طويلة، عانوا فيها من مختلف أنواع التمييز والاضطهاد، وبخاصة بعد تفجيرات لندن التي جرت في السابع والرابع عشر من شهر يوليو 2005م، والتي رسخ فيها الإعلام الغربي صورة المسلمين على أنهم الجناة الحقيقيون في هذه الحوادث التي كانت بمثابة "11 سبتمبر" بريطانية.

 

وفي حقيقة الأمر فإن درجة إلحاح هذا الموضوع لم تجعل الضغوط باتجاه تحقيقه تأتي من المسلمين فحسب؛ حيث دعت أوساط دينية مسيحية وقضائية بريطانية إلى ضرورة الاعتراف بالشريعة الإسلامية وتطبيقها ولو جزئيًّا؛ فكبير أساقفة كانتربري روان ويليامز قال بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية جزئيًّا في بريطانيا، وهو التصريح الذي أثار جدلاً واسعًا في داخل المملكة المتحدة وخارجها سياسيًّا وإعلاميًّا، كما دعا لورد فيليبس، كبير قضاة بريطانيا، إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في قضايا الأحوال الشخصية والخلافات المالية.

 

وبطبيعة الحال فإن قرار الحكومة البريطانية الجديد لم يرُقْ للأطراف اليمينية في بريطانيا؛ حيث اعتبروه بدايةً لـ"نظام قضائي موازٍ" قائم على الشريعة الإسلامية، وأنها سوف تظلم النساء المسلمات!!، وهو ما قاله دومنيك جريف، وزير الداخلية في حكومة الظل لحزب المحافظين ودوجلاس موري، مدير مركز التماسك الاجتماعي.

 

دعوات للمراجعة

في الجهة المقابلة ظهرت بعض الدعوات للمراجعة في أوساط الجالية الإسلامية؛ حيث رأى البعض أنه من المهم للغاية أن يُحدث المسلمون تغييرًا ما في أوضاعهم داخليًّا لكي يمكن تحسين مستوى الصورة في المجتمع، وبالتالي المطالبة بالمزيد من الحقوق والاحترام من الحكومة والمجتمع.

 

ويقود النائب المسلم في مجلس العموم البريطاني صديق خان هذه الدعوة حاليًا؛ حيث بدأ في الدعوة إلى استصدار قانون يمنع التمييز بين المواطنين البريطانيين على أساس الدين، كجزءٍ من مساعيه الإعلامية والسياسية لمواجهة ظاهرة "الإسلاموفوبيا" في بريطانيا، والقضاء على معاملة "مواطني الدرجة الثانية" التي يلقاها المسلمون هناك.

 

خان أصدر كتيبًا بشأن هذا الموضوع حول كيفية إعادة التواصل والاتصال مع مسلمي بريطانيا، وقد طرح فيه رؤًى جداليةً بشأن الأولويات التي يجب على المسلمين في بريطانيا الاهتمام بها؛ حيث رأى ضرورة توجيه اهتماماتهم إلى القضايا الآتية:

- الفقر.

- عدم المساواة.

- إعادة الاندماج في المجتمع البريطاني، بما في ذلك تعلُّم اللغة الإنجليزية.

 

على اعتبار أن هذه القضايا هي التي تؤثر فعلاً على أوضاعهم في بريطانيا، وذلك بدلاً من الأولويات الحالية التي تضع العراق وأفغانستان وقضايا محاربة ما يوصف بالإرهاب في الغرب، كما طالب خان المسلمين هناك بالعمل على علاج مشكلة المرأة في الوسط الإسلامي في بريطانيا، وعدم التمييز ضدها خلافًا لأحكام الشريعة الإسلامية، على الأقل لتحسين مستوى الصورة، وفي المقابل طالب النائب المسلم الحكومة البريطانية بالعمل على دمج المسلمين تمامًا في مجتمعهم بما يتضمنه ذلك من مشاركة في الواجبات العامة.

 

وفي حقيقة الأمر فإن من يطلع على مطالب المسلمين في بريطانيا يجد أن فيها الكثير من الكلام الذي طرحه خان أو قرارات الحكومة البريطانية في شأن المحاكم الشرعية؛ حيث إنه وفق بعض الأبحاث والاستطلاعات التي جرت في بريطانيا فإن مطالب المسلمين هناك تدور حول الآتي:

- إقرار المحاكم الشرعية وأحكامها، على ألا تتناقض أحكامها الجزائية مع القوانين البريطانية.

- الرغبة في التمتع بحياة أكثر التزامًا بالإسلام في شئونهم اليومية، من خلال الحصول على وقتٍ مخصصٍ لأداء الصلاة في عملهم مثلاً.

- اعتماد قوانين الشريعة الإسلامية فيما يخص قضايا الأحوال الشخصية والمدنية.

- الاعتراف بالإسلام في بريطانيا كدينٍ رسميٍّ.

- الرغبة في الاندماج أكثر في المجتمع البريطاني، وأن يكون المسلم جزءًا حقيقيًّا منه، بما في ذلك المزيد من الاندماج في الثقافة البريطانية.

 

وأيًّا ما كان موقف طرفَيْ المعادلة فإن صفوة القول إن هناك حراكًا متزايدًا في الشأن الإسلامي في بريطانيا، ما هي تأثيراته؟ وما هو مستقبله؟، هذا فقط ما سوف تجيب عنه التطورات المقبلة، وفق إرادة الطرفين!!.