أصبحت تسيبي ليفني ثاني امرأة في تاريخ الكيان الصهيوني قصير العمر؛ التي تتولى منصب رئيس الوزراء بعد جولدا مائير، وإنْ كانت مائير قد جاءت تجربةً استثنائيةً في تاريخ الكيان السياسي؛ فإنَّ ليفني لا تعتبر امتدادًا بشكلٍ أو بآخرٍ لتجربة مائير؛ حيث تختلف الخلفيات التي جاءت منها كلٌّ منهما، وكذلك تختلف الظروف التي أتت بكلتيهما إلى منصب رئاسة الوزراء في الكيان الصهيوني.
البعض يعتبر ليفني حمامة سلام، والبعض الآخر في قراءته الأولية للأحداث يقول إنَّها لن تأتي بجديدٍ في السياسة الصهيونية خلال المرحلة القادمة والقصيرة في حقيقة الأمر؛ حيث إنَّ الكثير من الخصوم السياسيين بالنسبة لرئيسة الوزراء الصهيونية الجديدة لن يجعلوها تستمر طويلاً في منصبها؛ هذا قبل دفعها لانتخاباتٍ عامةٍ مبكرةٍ قد تأتي بغيرها إلى الحكم في الكيان الصهيوني خلال الفترة من الآن وحتى العام 2010م.
وأيًّا ما كانت التوقعات بشأن مستقبل ليفني السياسي وسياساتها، لا سيما إزاء الملفات العربية والإقليمية المفتوحة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والتسوية مع السوريين؛ فإنَّ هناك حقيقة لا بد من النظر إليها، وهي أنَّ هناك عاملاً رئيسيًّا سيحكم حركة ليفني، وهو- بحسب الباحث صبحي عسيلة المتخصص في الشئون الصهيونية- أنَّها ستظل تعاني بشكلٍ دائمٍ من وضعها كَمَنْ في امتحانٍ يدَّعي الكثير أنَّها غير مؤهلة له ولإدارة أعبائه، ومن ثَمَّ فعليها أنْ تثبت للجميع أنَّها تستطيع النجاح دائمًا، وأنَّ كونها امرأةً بلا خبرة عسكرية لا يمكن أنْ يقف حائلاً بينها وبين النجاح.
عميلة الموساد
وُلِدت تسيبي (أو تسيبورا) ليفني في تل أبيب في 8 يوليو 1958م، وكان والداها إيتان وسارة ليفني من أفراد منظمة الإرجون زفاي الإرهابية التي كان يقودها الإرهابي المجرم مناحيم بيجن، والتي ارتطبت بالتعاون مع عصابات شتيرن مذبحة دير ياسين وغيرها قبل إعلان قيام الكيان الصهيوني، وكان أبوها إيتان ليفني عضوًا في الكنيست الصهيوني عن حزب الليكود بين السنوات من 1973م و1984م.
وفي صغرها انضمَّت ليفني إلى حركة "بيتار" اليمينية المتطرفة، وشاركت في المظاهرات ضد اتفاقية فك الاشتباك بين الكيان الصهيوني وكلٍّ من مصر وسوريا والتي سعى وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر للوصول إليها بعد حرب 1973م.
أدت ليفني خدمتها العسكرية الإلزامية في معهد لتأهيل الضابطات، وحصلت على رتبة ملازم أول، بعد نهاية خدمتها الإلزامية سجَّلت نفسها لدراسة الحقوق في جامعة بار إيلان في رامات جان، وفي الفترة ما بين عامَيْ 1980م و1984م أوقفت دراساتها وعملت في جهاز المخابرات الصهيوني "الموساد"، وكان عملها في البداية هو تتبع ومطاردة عناصر المقاومة الفلسطينية في مطلع الثمانينيات الماضية في العواصم الأوروبية، انطلاقًا من العاصمة الفرنسية باريس.
وعندما عادت إلى الكيان الصهيوني قررت الانضمام لدورة تدريبية على المهام الميدانية في الموساد، كضابطٍ ميدانيٍّ، وقد أبدت تفوقًا ملحوظًا خلال هذه الدورة، ولكنها لم تكملها، مفضلةً الزواج من المحامي نفتالي شبيتسر، ثم أكملت دراسة الحقوق، وأصبحت محامية مستقلة.
في العام 1996م غيَّرت اسمها إلى تسيبي ليفني، وترشحت على قائمة حزب الليكود في الانتخابات العامة التي جرت في ذلك العام، وكان ترتيبها في القائمة هو 36 في انتخابات للكنيست الرابعة عشرة، بينما حصل الليكود على 32 مقعدًا فقط، لذلك لم تنجح في الدخول إلى الكنيست.
ولكن في عام 1999م دخلت الكنيست؛ حيث كان ترتيبها في قائمة الليكود هو 18، في حين حصل الحزب على 19 مقعد، وتولت مناصب وزارية عدة مثل منصب وزيرة التنمية المحلية ووزيرة بلا حقيبة، وبعد ذلك وزيرة الزراعة، وفي العام 2003م وإبان ولاية رئيس الوزراء الصهيوني الهالك إرييل شارون الثانية تم تعيينها كوزيرة لاستيعاب المهاجرين اليهود الجدد، بعد ذلك بنحو عامٍ تولت وزارة البناء والإسكان خلفًا لآفي إيتام الذي استقال من الحكومة اعتراضًا على خطة الانسحاب من قطاع غزة.
ثم أصبحت وزيرة خارجية الكيان في العام 2005م، وذلك بعدما انسحب بنيامين نيتانياهو مع باقي أعضاء حزب الليكود من الوزارة، ثم انضمَّت إلى حزب كاديما الذي أسسه شارون قبيل الانتخابات التشريعية في مارس 2006م.
وبعد استقالة إيهود أولمرت الذي خلف شارون في رئاسة الوزراء وفي زعامة حزب كاديما بسبب فضيحة فساد؛ أصبحت زعيمة لحزب كاديما في 18 سبتمبر 2008م، بعد فوزها في الانتخابات الداخلية التي جرت في كاديما في 17 سبتمبر؛ حيث حصلت على 43.1% من الأصوات مقابل 42% لمنافسها الرئيسي وزير الدفاع السابق شاؤول موفاز.
وفي 21 سبتمبر قدم أولمرت استقالته للرئيس الصهيوني شيمون بيريز، وفي اليوم التالي كلَّف بيريز ليفني بتشكيل حكومةٍ جديدةٍ، وبموجب القانون فإنَّه يتوجب على ليفني إتمام هذه المهمة حتى 2 نوفمبر المقبل، وفي حال عدم إتمامها لذلك، فإنَّه سيتم الدعوة لانتخاباتٍ مبكرةٍ في الكيان الصهيوني.
قضايا وسياسات
نتنياهو

حقيقة الأمر فإنَّ ليفني أبدت بعض "الذكاء السياسي" على أهم جبهتَيْن تواجههما في بداية مشوارها لتشكيل الحكومة؛ حيث تحركت على المستوى الداخلي لضم الليكود بزعامة نيتانياهو إلى الائتلاف الحكومي الجديد، وهي خطوة موفَّقة بحسب الكثير من المراقبين؛ حيث إنَّ ليفني إذا ما نجح مسعاها هذا تكون قد ضمت حليفًا قويًّا في الكنيست وفي الحكومة، كما سوف تكون قد أجَّلت معركة الانتخابات التشريعية المبكرة التي يطالب بها حزبا العمل والليكود، وسوف تضمن استقرارًا مهمًّا ومطلوبًا لحكومتها في بدايات عملها كرئيسة للوزراء في هذه المرحلة.
أمَّا لو رفض الليكود- وهو ما جرى فعلاً- فسوف يكون هذا نقطة ضده ولا شك في الانتخابات العامة القادمة؛ حيث سيظهر بمظهر "من تخلى عن الكيان" في وقتٍ حساسٍ، كان يتطلب العمل من جميع الأطراف ضمن خيار حكومة وحدة وطنية، وأي خَصْمٍ من رصيد الليكود السياسي سيكون في مصلحة كاديما بلا جدالٍ.
على الجانب الفلسطيني- وبحسب أحمد قريع كبير المفاوضين الفلسطينيين- فإن ليفني تعهدت له بأنَّ المفاوضات بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني لن تتعطل لفترةٍ طويلةٍ بعد تشكيلها الحكومة في الكيان الصهيوني، وهي تضمن بذلك تأييد التيار الذي يؤيد التسوية مع الكيان الصهيوني، كما تضمن بعض الإيجابية في التعامل مع العالم الخارجي.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ ليفني تواجه العديد من المعضلات على المستويَيْن الداخلي والخارجي؛ فداخليًّا تواجه ليفني الكثير من المشكلات في تشكيل الائتلاف الحكومي.
أمَّا خارجيًّا فإنَّ ملف المفاوضات الفلسطينيين، وخصوصًا بشأن القدس واللاجئين، وكذلك المفاوضات مع سوريا والأزمة مع إيران وحزب الله من التعقيد بمكان؛ بحيث يحتاج الأمر إلى خبراء سياسيين وعسكريين محنَّكين بجوار ليفني لإدارة هذه الملفات، وكلها ذات صلةٍ ببعضها البعض.
وفيما يخص موضوع الائتلاف الحكومي؛ فإن ليفني تواجه بدايةً غير جيدة بالنسبة لها، فالليكود رفض الانضمام للائتلاف الجديد مفضِّلاً خيار الانتخابات المبكرة، وقال إنه لا معنى للانضمام إلى حكومةٍ أثبتت فشلها خلال فترة حكم أولمرت، بينما حزب شاس اليميني المتشدد بزعامة إيلي يشاي أصرَّ على أنَّه يجب ألا تكون هناك مفاوضات حول مستقبل القدس، ومنح زيادة كبيرة في إعانات الأسر كشروطٍ لا تنازل عنها للانضمام إلى الحكومة الجديدة، وهو ما رفضته ليفني حتى الآن.
والمشكلة أنَّ كلاًّ من الليكود وشاس يعتمد عليهما مصير أي ائتلاف جديدٍ للحكم في الكيان الصهيوني؛ باعتبار أنَّ كليهما مفتاح اليمين الصهيوني، وشاس بالذات، لأنَّ وزنه في الكنيست وارتباطاته بباقي الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة، وتأثيراته في الشارع الديني والقومي الصهيوني آخذة في الارتفاع مع تنامي الاتجاه الديني والقومي في الكيان الصهيوني- وهي شرائح انتخابية مهمة- كل هذه العوامل تجعل منه مكسبًا حقيقيًّا لأي حكومةٍ.
كما أنَّ الانقسام الراهن داخل كاديما على إثر انسحاب أولمرت منه، سيكون عاملاً معرقلاً لليفني، وهو ما أدركته فورًا؛ حيث بدأت حال انتهاء الانتخابات الداخلية في معالجة الأمر وبلا تباطؤ.
مفاوضات أم حرب؟
على المستوى الخارجي سيكون أمام ليفني مجموعة من القرارات الشديدة الصعوبة، وسيزيد من صعوبتها غياب الخلفية العسكرية لها.
أولمرت

فبالنسبة للملف الفلسطيني سيكون من الصعب عليها اتخاذ قرار فيما يخص التفاوض على القدس، ورغم أنَّها كانت رئيسة وفد المفاوضات مع الفلسطينيين في حكومة أولمرت، إلا أنَّ وضعيتها كرئيسةٍ للوزراء ستكون مختلفةٌ؛ حيث ستكون مسئولةٌ عن قراراتٍ مصيريةٍ، قد لا يسمح لها بها أحد؛ حتى داخل حزبها، بجانب معارضة المؤسسة العسكرية والأمنية المهيمنة على القرار الصهيوني لها.
فهل من المنتظر أنْ يوافق شاؤول موفاز- وهو من كاديما نفسه، وغالبية كاديما من الأصل ذات اتجاه يميني متطرف باعتبار أنَّهم أصلاً من الليكود- على التفاوض على القدس أو مغتصبات الضفة الغربية، وهو أصلاً أكثر من يدرك أهميتها الدفاعية بالنسبة للكيان الصهيوني، أو هل يمكن لها أنْ تتخذ قراراتٍ فيما يخص الجدار العازل الذي يسير في أكثر من 85% من مساره داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967م، ويدخل فيها بعمقٍ يصل إلى 22 كم، كما الحال في منطقة إصبع أرئيل.
وهو ما يخبر الزملاء في رام الله بأنَّهم لا ينبغي عليهم الإفراط في التفاؤل إذن فيما يخص المفاوضات مع الكيان الصهيوني، فرئيس الوزراء الأسبق الهالك إسحق رابين عندما حاول الخروج عن النص مع سوريا، ومس احتياجات الكيان الصهيوني المائية في بحيرة طبرية، قاموا بقتله.
على الجانب الآخر ليس من المنتظر كبير تغييرٍ في سياسات الكيان الصهيوني إزاء الملف النووي الإيراني في عهد ليفني، لأنَّ التهديد الإيراني بالنسبة للصهاينة هو تهديد قومي لا يخضع للاعتبارات الحزبية، وتصريحات ومواقف القيادات السياسية في طهران لا تترك مجالاً لإمكانية التفاؤل داخل الكيان الصهيوني في حلٍّ دبلوماسيٍّ للأزمة، وفي دوائر المخابرات والجيش يدركون ذلك، ولا يتركون للمدنيين في رئاسة الوزراء كثير من ممكنات الحركة.
سوريا بطبيعة الحال ستكون الخاسر الأكبر في هذه اللعبة، فهي بدأت مفاوضات مع الكيان الصهيوني أدت لخسارتها للكثير من شرائح الرأي العام التي تؤيدها، وحشد الجيش السوري لقواته على الحدود مع لبنان مؤخرًا دعم مواقف معارضي سوريا في العالم العربي، وفي داخل الكيان الصهيوني- في المقابل- لن تجد أحدًا يفكر في دمشق في وقت هذه المعمعة السياسية؛ حيث الكل مشغول بمعركة الحكم.
وفي النهاية يمكن القول إنَّ مستقبل ليفني السياسي لن يكون طويلاً في عمقه الزمنيِّ، فبدون الليكود أو شاس، وفي ظل طبيعة التي تولت الحكم في البلاد، فإنَّ أقصى ما يمكن قوله هو نجاحها في تشكيل ائتلافٍ حاكمٍ هشٍّ قد يستمر حتى موعد الانتخابات العامة القادمة فقط، ما لم ينهَر مبكرًا ويذهب الكيان الصهيوني لانتخاباتٍ مبكرةٍ سيكون لحزب الله و"التهديد" الإيراني فيها دوره في توجيه دفة التصويت نحو صقور الليكود في الكيان الصهيوني.