في خطوةٍ ربما تكون مفاجئة بالنسبة لما هو معلنٌ في الأخبار، ولكنها كانت متوقعةً بشكلٍ أو بآخر بالنسبة للمحيطين بدوائر صناعة القرار في القاهرة وبعض العواصم العربية، وصل وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط وبرفقته وزير البترول والثروة المعدنية سامح فهمي إلى العاصمة العراقية بغداد، في زيارةٍ هي الأولى من نوعها لمسئولين مصريين على هذا المستوى سياسيًّا واقتصاديًّا إلى العراق منذ الغزو الأنجلو- أمريكي لهذا البلد العربي المسلم في ربيع العام 2003م.

 

التفاصيل المتوفرة عن هذه الزيارة شحيحة، وهو ما يُشير إلى أنَّ أبعادها أكثر عمقًا مما نقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية المصرية (أ. ش. أ)، من أنَّ الوزيرَيْن سوف يُجريان محادثات مع بعض المسئولين حول "دعم التعاون بين البلدين، خاصةً في مجالات البترول والطاقة"، و"بحث إعادة افتتاح السفارة المصرية في بغداد".

 

الأبعد من ذلك ما طرحوه في بغداد من أنَّ الزيارة تستهدف إعادة تفعيل العلاقات الرسمية بين الدولتَيْن على مختلف المستويات، بعد سنواتٍ من الحذر المصري في الاستجابة للمطالب العراقية- والأمريكية في واقع الأمر- في هذا السياق، بعد حادثة اغتيال السفير المصري في بغداد إيهاب الشريف في العام 2005م؛ حيث كانت فاجعةً أمنيةً ودبلوماسية مصرية، مع كون الشريف أول محاولة عربية لتطبيع الوضع السياسي في العراق في مرحلة ما بعد الاحتلال.

 

وكان اغتيال الشريف قاسيًا لكلٍّ من القاهرة وواشنطن؛ فبالنسبة للأولى كان وجود عصا صهيونية أو إيرانية- بحسب مصادر في المخابرات العراقية- في موضوع اغتيال الشريف يعني هزيمةً مفاجئةً للقاهرة أمام خصومها التقليديين في المنطقة، وضربةً للدور المصري الجديد في العراق الذي كانت القاهرة تسعى من خلاله إلى تدعيم دورها الإقليمي المفقود، ومحاولة إلقاء نظرةٍ عن قربٍ على ملف جماعات العنف المسلحة التي ترتبط بملف الإرهاب في مصر، والتي نشطت في عراق ما بعد صدام حسين.

 

أما بالنسبة لواشنطن فقد كان اغتيال الشريف ضربةَ إجهاضٍ مبكرةً لمحاولاتها لجرِّ العرب إلى الاعتراف بالوضع القائم الذي خلقته في العراق بعد الغزو، بما في ذلك الاعتراف بالحكومة التي نصَّبتها واشنطن في بغداد وأربيل.

 

والأكثر إثارةً في ملف الشريف أنَّه لم يُعثَر على جثته حتى الآن؛ ولذلك فإنَّ القاهرة لم تأخذ خطوتها الأخيرة إلا بعد أنْ أنهت بعثة مصرية أمنية في منتصف شهر أغسطس الماضي زيارةً إلى العاصمة العراقية بغداد لدراسة الوضع الأمني على الأرض وإمكانية إعادة فتح السفارة المصرية هناك.

 

ما الجديد؟

قد تكون زيارة وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إلى بغداد خبرًا مفاجئًا، وإنْ لم تأتِ بجديدٍ في السياسة المصرية والعربية؛ فوزير الخارجية المصري لا يعتبر أكثر من مجرد واجهة تنفيذية للسياسة المصرية التي دأبت في عقودها الأخيرة على تبني مواقف "الحليف" الأمريكي، وخدمة مصالحه في المنطقة العربية والشرق أوسطية.

 

كما أنَّه لا يعتبر بمثابة أمر جديد في السياسة العربية إزاء العراق في الفترة الأخيرة، بل إنَّ التحرك المصري يعتبر متأخرًا في هذا الإطار؛ حيث يجيء بعد زياراتٍ عديدةٍ قام بها مسئولون عرب كبار؛ من بينهم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين، ورئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، بجانب إقدام عددٍ من البلدان العربية على تسمية سفرائها في بغداد، بما فيها سوريا.

 

 الصورة غير متاحة

 أحمد أبو الغيط خلال لقائه مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي

حيث أعلنت الإمارات تسمية سفيرها الجديد في العراق عبد الله إبراهيم العبد الله، وأعلنت الكويت تسمية الفريق المتقاعد علي المؤمن سفيرًا لها في العراق، وكذلك أعلنت البحرين تسمية صلاح المالكي سفيرًا لها، بينما أوكلت سوريا هذه المهمة إلى محافظ القنيرة نواف فارس، فيما وعدت الرياض بتسمية سفيرٍ لها في بغداد.

 

كما أنَّ جامعة الدول العربية بصدد إعادة تفعيل وجودها في العراق عن طريق تسليم ممثلها هناك مهام منصبه اعتبارًا من يوم الإثنين 6/10/2008م.

 

وهو ما يعني أنَّ الإجراء المصري الأخير يعتبر متأخرًا نسبيًّا عن غيره من المواقف العربية المثيلة التي تمَّ تبنيها في الفترة الأخيرة.

 

المعلَن في هذا هو أنَّ النظام الإقليمي العربي بدأ يدرك "أنَّه قد أخطأ عندما ترك العراق وحيدًا"، وأنَّ هذا الوضع يعني ترك العراق في مهبِّ الريح الأمريكية والصهيونية بعيدًا عن محيطه العربي، وأنَّه آن الأوان لتصويب مثل هذا الخطأ.

 

إلا أنَّ الأمر أكثر عمقًا بطبيعة الحال، ويتجاوز ذلك كثيرًا، ومن بين أبعاده المتعددة هو أنَّ النظام الإقليمي العربي بما فيه مظلته المؤسسية الأكبر، وهي جامعة الدول العربية، باتت تعمل في خدمة السياسة الأمريكية في العراق.

 

الوضع الآن أنَّ الإدارة الأمريكية المهزومة في العراق وأفغانستان والمضروبة في اقتصادها، والتي لم تستطع تحقيق نصر إستراتيجي واضح في المعركة ضد ما يوصف بـ"الإرهاب" باتت ترغب في تصفية الملف العراقي قبل رحيل إدارة الجمهوريين الجدد في البيت الأبيض بعد أسابيع قليلة، لتحقيق مجموعةٍ من الأهداف؛ من بينها:

 

- التجهيز لما قد يحدث مع إيران؛ حيث إنَّ القوات الأمريكية في العراق ستكون رهينةً سهلةً في أيدي الإيرانيين حال اندلاع حربٍ جديدةٍ في الخليج، كما أنَّ الجيش الأمريكي لا يستطيع خوض حربٍ ضد طهران وهو غارقٌ في مستنقع العراق وأفغانستان؛ لذا هو يفاوض طالبان الآن لتهدئة الوضع في أفغانستان، ويرتب للخروج من العراق.

 

- تحقيق أي موقفٍ يمكن أنْ يُطلق عليه "نصرًا إستراتيجيًّا" في العراق، يُمكن أن يُستغَل إعلاميًّا لحفظ ماء وجه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن وإدارته، وتدعيم مرشح الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية التي تدق الأبواب في الولايات المتحدة حاليًّا؛ الثنائي جون ماكين وسارة بالين.

 

وفي هذا الإطار تتسارع وتيرة المساعي الأمريكية إلى تحسين الوضع السياسي والأمني في العراق لترتيب خروج مشرف للأمريكيين من هناك؛ لذا يتم حاليًّا تسليم الأمن في العراق للقوات الحكومية في العديد من محافظات الوسط السُّني والجنوب الشيعي، مع محاولة علاج ملف قوات الصحوات السنية والبشمرجة الكردية بأيِّ ثمنٍ سياسيٍّ.

 

كما تم تكثيف إجراءات المصالحة السياسية بين الأطياف العراقية، وغلق الملف الطائفي، مع تثبيت أركانه الرئيسية؛ القاعدة وجيش المهدي إلى الجدار، ضمانًا لتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والطائفي في البلاد؛ وذلك لتثبيت أركان حكومة رئيس الوزراء الضعيف نوري المالكي بما يسمح بالآتي:

 

- التوقيع على الاتفاقية الأمنية بين الجانبَيْن، والتي تؤطِّر للوجود العسكري والأمني الأمريكي في العراق مرحلةَ ما بعد خروج قوات الاحتلال الرئيسية.


- تطبيع الأوضاع في العراق بما يسمح بخروجٍ سريعٍ وآمن للأمريكيين من هناك.
وهو أمرٌ شديدُ الإلحاح بالنسبة للأمريكيين على مخلتف المستويات؛ الأمنية والسياسية والعسكرية؛ فلم يَبْقَ من البلدان التي شاركت في التحالف الدولي الذي نظمته واشنطن سوى بريطانيا وجورجيا وبضع قوات أخرى قليلة العدد، وبعضها مثل القوات اليابانية لا يحارب، بل يكتفي بأداء الواجب الإنساني فقط في جنوب البلاد؛ وذلك بعد انسحاب معظم البلدان الرئيسية في التحالف، مثل إسبانيا وأستراليا وبولندا، وهو يزيد من موقف واشنطن المعزول في العراق سياسيًّا.

 

أما عسكريًّا وأمنيًّا فإنَّ ذلك يزيد من وطأة الثمن الذي تدفعه القوات الأمريكية في العراق وأعبائها القتالية والأمنيَّة.

 

ومن هنا يمكن فهم حقيقة الزيارة التي قام بها جون نيجروبونتي مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية إلى العراق أمس؛ حيث كان في مهمةٍ تتفق مع تاريخه ومنصبه القديم، مسئول مجلس المخابرات القومي الأمريكي، وهو يدلنا على الأهمية التي تضعها واشنطن بالنسبة لمسألة التوقيع على الاتفاقية الأمنية مع بغداد، لترتيب أوضاع مستقرة ودائمة في العراق تُنهي الوجود الاحتلالي الأمريكي هناك الذي يجب أن ينتهيَ لكي يمكن القول إنَّ الولايات المتحدة قد أغلقت ملف حرب الخليج الثالثة.

 

كما يمكن أيضًا فَهْم تصريحات وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر لصحيفة (هاآرتس) الصهيونية التي طالب فيها الكيان الصهيوني "بتجنب أي عمل عسكري ضد إيران"، وإقراره أنَّ الكيان الصهيوني "يفكر جديًّا" في ضرب منشآت طهران النووية قبل اكتمال محاولاتها المزعومة لامتلاك القنبلة النووية!!، من هذا الحديث لأحد أبرز الحلفاء الغربيين لواشنطن في الوقت الحالي يمكننا أنْ ندرك لماذا ترغب الولايات المتحدة في الخروج من العراق، ولماذا أبو الغيط والعرب الآن في بغداد!!.