إذا كان الفشل هو العنوان الأهم لزيارة إيهود أولمرت رئيس الوزراء الصهيوني المنتهيةِ ولايته إلى العاصمة الروسية موسكو، إلا أن ثمة دلالات عديدة حملتها الزيارة نفسها تُنذر بتوتراتٍ شديدةٍ قد تقود في النهاية إلى حربٍ هي الأكبر بمنطقة الشرق الأوسط أو في شرقنا الإسلامي.

 

زيارة فاشلة

الزيارة التي قام بها أولمرت صباح الثلاثاء 8/10/2008م إلى روسيا كانت تحمل جدولَ أعمالٍ واضحًا وصريحًا؛ مفاده إقناع القيادة الروسية بعدم بيع أسلحة دفاع جوي وصواريخ أرض- أرض متقدمة لسوريا، ودعوة موسكو إلى تبني موقفٍ أقوى ضد إيران في مجلس الأمن الدولي.

 

والحقيقة أن الزيارةَ كانت فاشلةً من قبل أنْ تبدأ؛ لعوامل تتعلق بطرفيها كما سوف نرى، إلا أنَّ الأهم هي الاعتبارات الدعائية التي أحاطت بها؛ فالكيان الصهيوني أعلن عن هدف الزيارة، رغم أهميته وخطورته التي كانت تفرض وضعه على أعلى معايير درجات السرية؛ الأمر الذي أرجعه المحللون إلى رغبة الكيان الصهيوني في إيصال رسالة إلى الطرف السوري بأنه يتابع بقلقٍ وعن كثبٍ أية محاولات من جانب سوريا لتطوير قدراتها العسكرية، وأنه واصلٌ معها إلى أقصى مدى من الإجراءات السياسية والعسكرية للحيلولة دون محاولات دمشق لرأب الاختلال الشاسع في موازين القوى العسكرية بينها وبين الكيان الصهيوني.

 

ولذلك دأبت القوات الصهيونية وأجهزة الاستخبارات الصهيونية على توجيه بعض الضربات إلى بعض الأهداف الأمنية والعسكرية السورية من حينٍ لآخر، وكان من بينها ضرب موقع الكبار العسكري الصحراوي القريب من دير الزور في سبتمبر 2007م، مع وجود شبهاتٍ لأصابع صهيونية وراء اغتيال المنسق الأمني الرئاسي السوري العميد محمد سليمان، وتفجير دمشق الأخير.

 

كما أراد الكيان إيصال رسالة إلى الطرف الإيراني تحمل ذات الدلالة؛ حيث أكد أولمرت خلال الزيارة أنَّ الكيان الصهيوني لا يمكنه أن يسلِّم "بحالٍ من الأحوال" بفكرة انتقال إيران إلى قائمة الدول النووية.

 

فضيحة!

عوامل فشل الزيارة عديدة؛ أبرزها ما تعلق بعنصر التوقيت وكذلك أطراف هذه الزيارة؛ فلا يخفى على أحد أن أولمرت ذهب إلى موسكو وهو في أضعف حالاته على مختلف المستويات، سواءً كرئيس لوزراء الكيان الصهيوني أو على المستوى الشخصي؛ فهو حاليًّا رئيس وزراء مؤقت ومتهم في فضيحة تمس ذمته المالية والسياسية، كما أنَّ العلاقات الروسية- الصهيونية في أضعف حالاتها بسبب أزمة القوقاز التي ضربت الوفاق الروسي- الغربي/ الأمريكي في مقتلٍ، وكذلك بسبب ما تكشَّف من دَورٍ لتل أبيب في دعم الحكومة الجورجية عسكريًّا وأمنيًّا وسياسيًّا في الحرب الأخيرة.

 

أما على مستوى روسيا فإنَّ الزيارة جاءت في وقتٍ سيئٍ بالنسبة للصهاينة؛ فروسيا آخذة في الاستيقاظ، وراغبة في العمل فيما وراء البحار لإعادة نفوذها الدولي القديم، ولأخذ وضعيتها كدولةٍ كبرى؛ تمتلك أكبر احتياط غاز في العالم، وثاني أكبر منتجٍ للنفط، وثاني أكبر قوة نووية وفضائية في العالم.

 

كما أنَّ توقيت الزيارة جاء في وقتٍ ذهبت فيه روسيا إلى مدًى بعيدٍ وشديد الخطورة في أزمتها مع أوروبا والولايات المتحدة؛ حيث ذهبت بقاذفاتها الإستراتيجية وصواريخها إلى كوبا وفنزويلا على مرمى حجر "نووي" من الحدود الأمريكية، بينما إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الآفلة مشغولةٌ في كارثتها الاقتصادية وكوارثها السياسية والأمنية في العراق وأفغانستان، والتي منعتها من مجرد دعم حلفائها في القوقاز الذين التهمهم الدب الروسي.

 

أطماع روسية

وكان على تل أبيب أنْ تدرك أنَّ الذهاب إلى موسكو في هذا التوقيت أمر شديد الخطورة وسيكون فاشلاً؛ فموسكو لا تنسى أنَّ المعدات العسكرية والتجهيزات الأمنية الصهيونية قد قتلت جنودها في جورجيا، كما أنَّ صفقة الصواريخ من طراز "إسكندر- آي" ومنظومات الدفاع الجوي من طراز (S-300) التي تنوي روسيا بيعها إلى سوريا لا تأتي في إطار العلاقات الثنائية بين موسكو ودمشق، بل في إطار الإستراتيجية الروسية الجديدة في الشرق الأوسط والعالم.

 

فروسيا تسعى من وراء صفقات السلاح المتطور هذه إلى الدخول إلى سوق السلاح والسياسة في الشرق الأوسط مجددًا، وتهديد المصالح الأمريكية فيه، والضغط على حلفاء واشنطن الإستراتيجيين في المنطقة وعلى رأسهم الكيان الصهيوني؛ ولذلك فإن الموقف الروسي من الملف النووي الإيراني وتسليح سوريا لا يأتي في سياق العلاقات مع البلدين بقدر ما يأتي في إطار خدمة المصالح القومية الروسية في العالم.

 

وهو أمرٌ مرتبطٌ أيضًا بمساعي روسيا للحصول على قاعدة بحرية عسكرية في ميناء اللاذقية السوري، وهو أمرٌ شديد الحيوية للسياسة الروسية في البحر المتوسط.

 

هذه الاعتبارات تنطبق أيضًا على الملف النووي الإيراني؛ فهو أحد ملفات المساومة بين روسيا والغرب، ومن هنا فإنَّه لم يكن من المتصوَّر أنْ ينجح رئيس الوزراء الصهيوني الضعيف في حالته هذه في إقناع موسكو بالتخلي عن كل تلك المكاسب والخطط لأجل أي شيءٍ، خاصةً في ظل توتر العلاقات بين روسيا والغرب كله.

 

على الجانب الآخر فإنَّ صفقات السلاح الروسية لسوريا وكذلك الدعم الروسي لإيران في المجال النووي له جانبه الاقتصادي؛ فتكلفة المكونات الروسية في المشروع النووي الإيراني تزيد عن مليارَيْ دولار، وتقترب صفقات السلاح الروسي من نصف هذا الرقم تقريبًا، وفي ظل محاولات روسيا الحالية لتدعيم قوتها الاقتصادية كجزءٍ من عناصر قوتها الشاملة، سوف نجد أنَّه من الصعوبة بمكان الحديث عن تراجع روسي في هذه الأمور ما لم تحصل على مكاسب وتنازلات أمريكية كبيرة في مقابلها.

 

النووي الإيراني

تصريحات عديدة تلك التي يهدد فيها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بإزالة الكيان الصهيوني ويتنبأ فيها بنهايته، وإن كان البعض يرى فيها عنتريات انتهى عصرها إلا أن كافة وسائل التطمين الأمريكي والغربي وحتى العربي لم تنجح في تهدئة المخاوف الصهيونية؛ وذلك بسبب البرنامج النووي والصاروخي الذي يجعل من إيران الخطر الأكبر وأشد تهديد لحياة الكيان الصهيوني وعمره القصير.

 

وما جرى في حرب تموز صيف 2006م للكيان الصهيوني على يد حزب الله أشعر الصهاينة أنَّهم محاصرون، وأنَّه لو دخلت إيران الحرب لن تمر الأمور بسهولة، خاصةً أنَّ إيران لن تدخل حربًا مع الصهاينة دون أنْ يكون الكيان الصهيوني هو البادئ بالعدوان؛ مما سيُعطي إيران مبررًا أخلاقيًّا وسياسيًّا قويًّا وقتها لضرب العمق الصهيوني بقسوةٍ.

 

أمَّا بالنسبة للتسليح السوري فإنَّه يوجد في الكيان حالة من الذعر على التصاق الحدود والأراضي بين الطرفين؛ مما يضاعف إحداثيات التهديد السوري مع الخطر الإيراني في الوقت الراهن؛ حيث اعتبر المعلقون العسكريون الصهاينة أنَّ منع سوريا من الحصول على صفقة الصواريخ "سيجنب الكيان خطرًا بالغًا وبمقاييس إستراتيجيةٍ".

 

رعب صهيوني

وقال أمير أورون المعلِّق العسكري لصحيفة (هآرتس) العبرية: "إنَّ حصول السوريين على هذه الصواريخ (S-300) من شأنه أنْ يحوِّل كل المدن "الإسرائيلية" من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب إلى ساحة مواجهة؛ حيث إنها ستمكِّن الجيش السوري من استهداف أي مكان في الكيان الصهيوني دون أن يكون للجيش الصهيوني القدرة على إحباط الهجمات السورية.

 

على الجانب الإستراتيجي الخاص بالردع قال الجنرال يوسي بيليد قائد المنطقة الشمالية الأسبق في الجيش الصهيوني إن وضع بطاريات صواريخ (S-300) وصواريخ "اسكندر آي" في الأراضي السورية يعني أن منظومة الرادار الحديث التي نصبتها الولايات المتحدة في صحراء النقب لتقديم إنذارات مبكرة حول إطلاق الصواريخ باتجاه العمق الصهيوني لن يكون لها جدوى.

 

ومن هنا يمكن فهم تصريح سابق لأولمرت؛ هدد فيه بضرب هذه الصواريخ إذا ما تمَّ نشرها في سوريا وحول دمشق، وهو ما قد يعني لجوء الروس إلى إرسال فرق لنصب وإدارة بطاريات صواريخ (S-300) في سوريا لتحجيم أية نوايا صهيونية لضربها؛ وهو ما يعني عودة أجواء الحرب الباردة إلى العالم العربي مرةً أخرى.

 

أما روني دانييل- وهو المعلق العسكري في القناة الثانية في التليفزيون الصهيوني- فقد أشار إلى أنَّ حصول سوريا على هذه الصواريخ من شأنه أنْ يؤديَ إلى سقوط مئات بل آلاف القتلى في أول مواجهة مفتوحة بين الكيان الصهيوني وسوريا.

 

حرب على الأبواب

هناك العديد من المؤشرات التي تقول إنَّ هناك حربًا قريبةً قادمةً في الشرق الأوسط؛ فتصريحات وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير الأخيرة بشأن "النصائح" التي تمَّ توجيهها إلى تل أبيب؛ لعدم استباق الحوادث وتوجيه ضربة إلى إيران.

 

كما أنَّ التصعيد العسكري السوري على الحدود مع لبنان يشير إلى وجود بعض القلق لدى دمشق من استغلال الكيان الصهيوني لبعض الأطراف في لبنان لشن عملية عسكرية عبر الحدود الشرقية لسوريا مع لبنان، بينما الصهاينة يشعرون بقلقٍ بالغٍ من هذه المسألة: الحشود السورية على حدود لبنان، وهو ما دعا الكيان الصهيوني إلى استطلاع الأمر على الأرض بإرسال طائراتٍ مقاتلة إلى ابنان حلَّقت على ارتفاعات منخفضة على جبل لبنان.

 

كما أنه على الجانب الآخر نجد هرولة أمريكية سريعة للخروج من العراق، ومن خلال برامج وتصريحات مرشَّحَيْ الرئاسة الأمريكيين؛ الجمهوري جون ماكين والديمقراطي باراك أوباما، يمكن القول إنَّ إيران والقاعدة ستكونان هدف الإدارة الأمريكية القادمة.

 

غيبوبة

غموض الموقف العربي أو غيابه عن الحدث ليس جديدًا، وقد تندلع الحرب على بعد أمتار من عواصمنا الكبرى فلا يخرج من أراضيها سوى استنكار أو تنديد، والمبشرات متعددة، لا سيما مع الغيبوبة التي يغط فيها النظام العربي رغم ما يهدد أمنه القومي في عمقه، وهي الغيبوبة التي لا يستفيق منها سوى لتقديم دعم للحصار الصهيوني على غزة، أو لتأييد الاحتلال الأمريكي في العراق بإرسال السفراء وفتح العواصم العربية في بغداد، رغم أنَّ ذلك قد يكون تمهيدًا لضرب سوريا وإيران بعد خروج مرتزقة الجيش الأمريكي أولاً من المستنقع العراقي!!.