توجه صباح اليوم الأربعاء الناخب الأذربيجاني إلى صناديق الاقتراع لاختيار أو لإقرار رئيس أذربيجان للسنوات الخمسة القادمة، وسط مقاطعةٍ كبيرةٍ نادت بها المعارضة التي رفعت شعار "خليك في البيت".

 

ورغم مشاركة 6 مرشحين آخرين في هذه الانتخابات الرئاسية، إلا أن المراقبين أكدوا أن المسألة لا تعدو كونها مسرحيةً جديدةً بمشاركة ممثلين جدد في الأدوار الثانوية، في حين يظل دور البطولة مقصورًا على الرئيس الحالي إلهام علييف الذي حسم الانتخابات قبل إجرائها في انتظار فقط تحديد نسبة الفوز واعتمادها.

 

هذه الانتخابات المحسومة سلفًا قد تشهد مشاركة ضعيفة من قرابة 4.8 ملايين ناخب من أصل 8 ملايين نسمة هم تعداد سكان أذربيجان، إلا أنها سوف تُقِرُّ مستقبل هذا البلد الواقع بمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز، وهو أحد أكثر الأقاليم حساسيةً في العالم، وبالتالي سوف يتحدد مصير جانب مهم من اتجاهات السياسة العالمية، مع تنامي التنافس الأمريكي- الروسي هناك، خاصةُ بعد الحرب الأخيرة التي شنتها روسيا على جورجيا.

 

علييف يدخل هذه الانتخابات وسط أزمةٍ سياسيةٍ متصاعدةٍ بسبب سياساته المتعنتة تجاه المعارضة والتيار الإسلامي في البلاد، حتى إنه لم يحاول الالتفات إلى العوامل الموضوعية للأزمة، واستبقها بحظر الحزب الإسلامي الأكبر في البلاد، مع عدم الاستجابة لمطالب المعارضة بالإصلاح وتقليص مساحة القمع السياسي في أذربيجان.

 

ورغم كافة دعوات التقارب والمصالحة إلا أن الأساليب السوفيتية تبقى هي منهج الرئيس الأذربيجاني في التعامل مع الملف السياسي والديني في البلاد؛ حيث لجأ علييف إلى قراراتٍ شديدةِ الإجحاف، مثل الإعلان عن إغلاق عددٍ من المساجد التي لا تسير في سياساتها وخطها العام مع مواقف النظام الحاكم وطلباته، ومنع إقامة صلاة الجمعة في البعض الآخر منها!!، في خطواتٍ غير مسبوقةٍ لأي نظامٍ قمعيٍّ في العالم العربي والإسلامي.

 

إغلاق المساجد

سياسات علييف- الذي خَلَف والده الرئيس السابق بعد وفاة الأخير في ديسمبر 2003م عقب انتخاباتٍ صوريةٍ مماثلة- هي التي تسببت في الأزمة الراهنة مع المعارضة والإسلاميين؛ وذلك بعد تصديه بغباءٍ سياسيٍّ محض للصعود الراهن لحركة الإحياء الإسلامي، والتي بدأت نهضتها فور استقلال البلد عن الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991م.

 

 الصورة غير متاحة

 سيدة في إحدى اللجان الانتخابية

كما كان موقفه من التيارات الإسلامية المعتدلة هو ما سمح للتيارات المتطرفة بالنمو وشغل الفراغات الروحية والسياسية التي تركها تراجُع التيار المعتدل في أذربيجان، وبدأت الجماعات المتطرفة بالتحرك في قرى شمال البلاد حتى سيطرت عليها تمامًا في الوقت الراهن.

 

وقال المحلل السياسي راسم موساباييف لوكالة (رويترز) للأنباء إنَّ إقدام نظام إلهام علييف على حظر الحزب الإسلامي، وإغلاق بعض المساجد التي لا تسير وفق السياسة الرسمية، وحظْر صلاة الجمعة في البعض الآخر قد ضاعف من حدة الغضب السياسي والشعبي في الداخل ضد نظام علييف، ونفى أية إمكانية لتحجيم النهضة الإسلامية وعمليات الإحياء الإسلامي التي تشهدها البلاد منذ التسعينيات.

 

كما قال إلجار إبراهيموجلو، وهو إمام أحد المساجد التي أغلقتها السلطات، إنَّ الإجراءات الرسمية بحق المساجد والأحزاب ذات الاتجاه المعارض مماثلةٌ لما جرى في الحقبة السوفيتية، وحذَّر من تبعات ذلك، خاصةً مع تغييب الحكومة الأذربيجانية للتعليم الديني في البلاد، وقال إنَّ ذلك يسمح لما وصفها بـ"الجماعات الأصولية" بتنامي النفوذ في البلاد.

 

وما جرى في العاصمة باكو من تفجيرات في أغسطس الماضي يثبت صحة هذه التنبؤات؛ حيث انتقلت أعمال العنف من شمال البلاد وضواحي العاصمة إلى العاصمة نفسها؛ حيث قتل شخصان في هجومٍ بالقنابل على أحد المساجد في باكو.

 

كما أن اضطرابات بلدة نارداران التي اندلعت في أواخر عهد حيدر علييف مرشحة للتكرار على نطاقٍ أوسع بسبب سياسات علييف الابن التي لم تحاول حتى فَهْم أسباب هذه الاضطرابات التي تعني رفضَ مسلمي هذه البلدة التي تطبِّق أحكام الشريعة الإسلامية العودةَ إلى ممارسات الحقبة السوفيتية ضد الدين.

 

نزاعات خارجية

كذلك تواجه أذربيجان مشكلات عديدة بسبب ثرواتها من النفط والغاز التي جعلتها مطمعًا للقوى العظمى، وباتت كرةً تتلقفها كلٌّ من روسيا والولايات المتحدة، وهذا يعود إلى فشل سياسات علييف الابن؛ حيث كان تركيز والده على التوجه إلى تطوير علاقات إستراتيجية مع روسيا هي ضمانته الحقيقية لاستقرار البلاد، وصيانة مصالحها.

 

 الصورة غير متاحة

مؤيدون لإلهام علييف أمام إحدى اللجان الانتخابية

إلا أن إلهام علييف حاول اللعب على كلا الحبلَيْن؛ الأمريكي والروسي، ففقد حليفه الروسي القديم، ولم يحصل على ضماناتٍ حقيقية من الأمريكيين، ومن المعروف أن التبعية للولايات المتحدة ليست مضمونة، ولعل في النموذج الجورجي أبلغ دليل على ذلك.

 

التحدي الأكبر الذي يواجهه علييف في صدد كيفية التعامل مع الأزمة التاريخية القائمة بين بلاده وأرمينيا المجاورة حول إقليم ناجورنو قرة باغ الأذربيجاني، والتي هي من مخلفات حقبة الاتحاد السوفيتي السابق، وتسيطر عليه أرمينيا حاليًّا بعد حربٍ دموية في التسعينيات الماضية مع هذه الجمهورية التي تعتبر أحد أكبر حلفاء موسكو في القوقاز.

 

علييف بعد أن لعب على الحبل الأمريكي يرغب في التوجه إلى روسيا لمساعدته في هذا الأمر ضد حليف روسيا الأهم في المنطقة!، ويرغب إلهام في الاستفادة من اعتراف موسكو بكل من أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا اللتين أعلنتا الانفصال عن جورجيا في الأزمة الأخيرة للضغط على أرمينيا للتخلي عن احتلال ناجورنو كاراباخ، وهو أمرٌ من غير المتصور حدوثه على المدى المنظور.

 

وبرغم ضعف رهاناته الخارجية إلا أن الرئيس الأذربيجاني يتجاهل تمامًا عمقه الإسلامي في هذا الأمر؛ حيث لم يرغب في المشاركة في منظمة المؤتمر الإسلامي لحل الأزمة، على الرغم من الكمِّ المروِّع من اللاجئين الأذربيجانيين الذين تسببت الأزمة في نزوحهم.

 

وفي هذا الإطار فإن أذربيجان تواجه "أزمة مستقبل" حقيقية في ظل السياسات المتخبطة للرئيس إلهام علييف، ولعل الملاحظة الأبرز في هذا الإطار هي أنَّ علييف الابن قد تولَّى حكم البلاد خلفًا لوالده فجأةً في ظل غياب ترتيبات سليمة لنقل السلطة في البلاد، وكذلك ضعف الخبرة السياسية لبديل الحكم في أذربيجان نتيجة سياسات حيدر علييف الديكتاتورية التي منعت انتقال السلطة لذوي الخبرة السياسية بأذربيجان، مفضِّلاً توليَ نجله قليل الخبرة للحكم من بعده!.