الكيان الصهيوني يتجه لانتخابات مبكرة، هذا هو ملخص الوضع السياسي العام في الكيان في الوقت الراهن بعد رفض حزب شاس اليميني الصهيوني الانضمام إلى التشكيل الحكومي الجديد الذي سعت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني المكلفة بتشكيل الحكومة الجديدة في الكيان الصهيوني.

 

رفض شاس وانسحابه من مفاوضات تشكيل الحكومة المزمعة في الكيان قضى على فرص ليفني في الحصول على الغالبية النيابية اللازمة لموافقة الكنيست على تشكيلها الحكومي، فالكنيست مكون من 120 عضوًا كان يلزم لليفني الحصول منها على موافقة 60 عضوًا منها على تشكيلها الحكومي، ولكن كل ما استطاعت ليفني الحصول عليه هو تأييد 48 فقط من نواب الكنيست، بعد نجاحها في المفاوضات مع حزب العمل برئاسة وزير العمل إيهود باراك.

 

وكانت موافقة شاس تمنح ليفني الحد الأدنى من الأصوات المطلوبة لكي تجتاز امتحان التشكيل الحكومي الصعب.

 

كما استكملت ليفني أركان الفشل عندما أعلن حزب "يهودوت هاتوراه" الصهيوني السبت 25 أكتوبر عن رفضه الانضمام لحكومة ليفني.

 

وبذلك أعلنت عميلة الموساد الصهيوني أنَّها بصدد إعادة خطاب التكليف الذي وجهه لها الرئيس الصهيوني شمعون بيريز، والتوصية بإجراء انتخابات مبكرة تُجرى في الفترة ما بين يناير إلى فبراير القادمين، وتجيء هذه الخطوة نتيجة تعهد قطعته ليفني على نفسها بأن تقوم يوم الأحد 26 أكتوبر إما بتقديم التشكيل المقترح لحكومتها، أو الاعتذار والدعوة لانتخابات مبكرة، وهو ما جرى، إلا أن ليفني كان من الممكن أن تنتظر حتى الثالث من نوفمبر المقبل، الموعد الدستوري لانتهاء المهلة الممنوحة لها للإعلان عن تشكيلتها الحكومية الجديدة.

 

قذارة سياسية

المساومات السياسية بمعنى أدق كانت وراء هزيمة ليفني في معركتها السياسية التي كانت سوف تجعلها تكرر تجربة جولدا مائير في تولي رئاسة وزراء العدو الصهيوني.

 

فالعوامل التي وقفت خلف هذه الهزيمة السياسية لليفني جاءت بسبب اعتبارات سياسية حزبية وشخصية ضيقة.

 

فالعامل الأول زاد من مشكلات ليفني والصعوبات التي واجهتها هو فشل الاتفاق مع شاس، وهذا الفشل أرجعه رئيس حزب "شاس"، إيلي يشاي، الذي يشغل منصب وزير الصناعة والتجارة في الحكومة المستقيلة، إلى رفض ليفني طلبات الحزب المتعلقة بضمان عدم تفاوض الحكومة المقبلة مع الفلسطينيين بشأن القدس الشرقية، والالتزام برفع قيمة ميزانية الخدمات الاجتماعية للأسر والمؤسسات الدينية والتعليمية التي تنتمي لليمين الديني إلى مليار شيكل.

 

 الصورة غير متاحة

إيهود أولمرت

وهي أسباب قال المراقبون إن شاس غير جاد فيها، فالحزب يعلم أن ليفني تشددت في ملف القدس إبان رئاستها لفريق التفاوض مع الفلسطينيين وعارضت سياسات رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت في هذا الإطار، كما يعرف تشددها العام خلال جولات المفاوضات المحدودة التي جرت.

 

وكل ما في الأمر أن ليفني رأت أن تضمين برنامج حكومتها بندًا ينص صراحةً على عدم طرح القدس على مائدة التفاوض، قد يظهر الكيان الصهيوني بمظهر غير الجاد في المفاوضات.

 

أما فيما يخص موضوع الالتزامات المالية التي يطالب بها شاس، فإن ليفني بالفعل وافقت على دفع 950  مليون شيكل للمؤسسات التي يهتم بها شاس.

 

لذلك فالسبب الرئيسي وراء انهيار مفاوضات ليفني- شاس تعود إلى تفضيل شاس لخيار الانتخابات المبكرة باعتبار أن فرص وحظوظ حزب الليكود اليميني المتطرف بزعامة رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نيتانياهو أفضل في هذه الانتخابات، وطبعًا يفضل شاس الانضمام لحكومة ائتلافية بقيادة الليكود وليس بقيادة كاديما شبه العلماني.

 

كما أن يشاي رفض انضمام حزبه لحكومة ليفني المفترضة، لرغبته في تدعيم موقفه السياسي داخل الحزب، وهو ما سوف يتحقق إذا ما دخل شاس الانتخابات المبكرة بقيادته.

 

رفض للعرب!!

السبب الثاني يعود إلى أوضاع كاديما الداخلية، فالحزب منقسم بشدة بين جبهتَيْن أساسيَّتَيْن، الأولى بقيادة ليفني والثانية بقيادة وزير الحرب الأسبق شاؤول موفاز، ومشكلة الانقسام هذه طرحها مراقبون بعد انتخابات رئاسة الحزب في سبتمبر الماضي كأحد أهم الملفات المطروحة أمام زعيمة كاديما الجديدة.

 

هذه الانقسامات دفعت موفاز وجبهته إلى تعطيل الخيار الثاني الوحيد الذي كان مطروحًا أمام ليفني لتشكيل حكومتها بدون اللجوء إلى خيار الانتخابات المبكرة، وهو التحالف مع حركة ميريتس اليسارية- لديها في الكنيست 5 أماكن- وبعض الأحزاب العربية ضعيفة التمثيل في البرلمان؛ حيث رفض التيار اليميني الذي يقوده موفاز داخل كاديما التحالف مع العرب واليساريين.

 

وهو موقف مستغرب، لأنَّ أبرز حلفاء كاديما الآن في الائتلاف الحاكم المستقيل هو العمل، وهو حزب يساري؛ ولذلك الأقرب للصواب أن موفاز ومتطرفيه في كاديما لا يرغبون في خيار يجعلهم يتحالفون مع الأحزاب العربية.

 

تسوية ضائعة

الجانب الآخر من الصورة الخاصة بالوضع السياسي العام في الكيان الصهيوني هو ذلك المتعلق بمستقبل عملية التسوية بين رام الله وتل أبيب.

 

 الصورة غير متاحة

جورج بوش

فخيار الانتخابات المبكرة سيُبْعد أي احتمال لإمكان التوصل لـ"اتفاق ما" بين الفلسطينيين والصهاينة قبل رحيل الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عن البيت الأبيض رسميًّا في يناير المقبل، فعلى الأقل لا يملك رئيس الوزراء الصهيوني المستقيل إيهود أولمرت أية إمكانية خلال الأشهر الثلاثة المتبقية على الانتخابات العامة الصهيونية لفعل ذلك.

 

فأولمرت المتورط في فضائح فساد قد يتم سؤاله عنها قضائيًّا، ووضعه كرئيس وزراء مستقيل على هذا الإثر، لن يكون بمقدوره فرض أي اتفاق يتوصل إليه مع رام الله على الداخل الصهيوني.

 

دلالات

وهناك العديد من الدلالات فيما حدث، تتمحور حول نقطتين، الأولى هي اتجاه المتطرفين اليمينيين والمتدينين إلى السيطرة الكاملة على السياسة الصهيونية، بعد سنواتٍ من حكوماتٍ وسط معتدلة نسبيًّا، فهؤلاء هم من أفشلوا مفاوضات تشكيل حكومة وحدة وطنية ذات يسار- وسط مع مشاركة أحزاب دينية فيها، سواءً في شاس أو في يهودوت هاتوراه، بينما أفشل المتطرفون في كاديما ذاته محاولات التقارب مع الأحزاب العربية.

 

هذا الأمر سيكون له انعكاس على المفاوضات بين العرب والصهاينة؛ حيث إن الحكومة القادمة التي سوف يتم تشكيلها بعد الانتخابات المبكرة، ستكون غالبًا مكونة من مختلف أحزاب اليمين الديني والقومي المتطرف في الكيان الصهيوني، وهؤلاء لن يمنحوا العرب سنتيمترًا واحدًا من القدس أو الجولان أو أي من مطالب العرب المشروعة فيما يخص اللاجئين أو الأرض أو المياه.

 

وهو ما يطرح تساؤلاً شديد الأهمية على الحكومة الفلسطينية في رام الله بشأن جدوى المباحثات السرمدية التي تجري من آنٍ لآخر مع تل أبيب، وكذلك عن الأسباب الحقيقية لما تفعله مع قوى المقاومة السياسية والعسكرية من مناورات.

 

فهذه المناورات تُفسَّر أو تبرَّر على أنها استجابة لاعتبارات العلاقات مع الكيان الصهيوني، ومتطلبات "خدمة المصالح الفلسطينية العليا" لـ"الحصول على الحقوق الفلسطينية بالتفاوض"، ومن خلال تطورات السنوات القليلة لا يمكن الزعم مطلقًا بأنَّ هناك شخصًا واحدًا عاقلاً في السلطة الوطنية الفلسطينية يمكنه القول إن هناك جدوى للتفاوض مع الكيان الصهيوني، وبخاصة وهو يتجه لمزيدٍ من التطرف.

 

وهو ما يطرح تفسير المصلحة السياسية الضيقة لبعض الدوائر العليا في السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية بأنها هي فقط التي تحكم سياسات رام الله تجاه حركة حماس ومن نحا نحوها من الفصائل الفلسطينية.

 

وتبعًا للصورة الماضية، فإنَّه من المتوقع انهيار التهدئة الفلسطينية- الصهيونية بعد الانتخابات القادمة، ودخول الفلسطينيين وفصائل المقاومة في مواجهة مفتوحةٍ مع الكيان الصهيوني، وهو ما يعيد بقوة السؤال الخاص بمستقبل مواقف رام الله والوسطاء في القاهرة في هذا الإطار، فهل سيتم مواصلة الضغط على حماس وحصار قطاع غزة لصالح مشروع تسوية وهمي؟!، المستقبل وحده هو الذي سيجيب عن هذا التساؤل المهم!!.