احتشد ميناء غزة منذ ساعات الأولى من صباح اليوم بالمواطنين والمسئولين الفلسطينيين في انتظار وصول سفينة "الأمل" الدولية لكسر الحصار الجائر؛ حيث دأب عدد كبير منهم على التشبث بالسفن الصغيرة المصطفة على شاطئ غزة، والتي انطلقت رغم الشتاء والمطر الشديد المصحوب بالأجواء القارصة البرد لاستقبال المتضامنين الأجانب في عرض البحر.
السفينة القادمة من ميناء "لارنكا" بقبرص، والتي تعتبر الثالثة منذ فرض الحصار، تحمل على متنها 27 متضامنًا من 12 دولةً إلى جانب مساعدات طبية اخترقت الحصار البحري المفروض على غزة للمرة الثانية بعدما رست بالقرب من مرفأ غزة وسط استقبال شعبي وتفاعلٍ عاطفي مميز؛ حيث استُقبلت بفِرَق الكشافة والخيالة وسط ترحيبٍ شعبي ورسمي كبيرين، وإشادة بخطوة المتضامنين الثانية خلال عدة أسابيع.
وتُعَد هذه المبادرة ثانيَ اختراق للحصار المفروض على القطاع منذ أكثر من عامين، بعدما تمكَّنت سفينتان نهاية أغسطس الماضي من الوصول إلى غزة في أول اختراقٍ للحصار المفروض منذ عامين.
ومن المقرر أن يبقى المتضامنون القادمون على متن السفينة في القطاع لمدة 4 أيام؛ يزورون خلالها عدة مرافق متضررة من جرَّاء الحصار، إلى جانب تقديم مساعدات طبية للمراكز الصحية، وسيأخذون معهم في رحلة العودة 10 فلسطينيين من مرضى وطلاب يحملون الأوراق الثبوتية القبرصية.
وينتمي المتضامنون إلى 12 دولةً؛ هي: اليونان، هولندا، اسكتلندا، أيرلندا، أستراليا، أمريكا، إنجلترا، إيطاليا، ألمانيا، لبنان، السودان، فلسطين، إضافةً إلى متضامن صهيوني رافض للحصار، فيما يقود الرحلة نفس الربان الذي قاد السفينة السابقة.
وجاء المتضامنون على متن سفينة "الأمل" وقد رفعوا أعلام دولهم بجانب العلم الفلسطيني؛ يحملون لافتات ورسالة مفادها: "اكسروا الحصار الواقع على غزة".
فرح ودموع
وفور وصول السفينة إلى ميناء غزة البحري ترجَّل المتضامنون من على متن السفينة وسط مزيجٍ من المشاعر بالفرح والدموع؛ لنجاح رحلة كسر الحصار، وامتزجت هذه المشاعر مع مشاعر مئات الفلسطينيين الذين تجمَّعوا قبالة الميناء لاستقبال المتضامنين.
![]() |
|
سفينة الأمل لحظة إبحارها من قبرص |
وبمجرد أن وطأت أقدام المشاركين في الحملة تراب غزة لم تتوقف ألسنتهم عن المناداة بـ"غزة حرة" (FREE GAZA).
ووسط عاطفة جياشة وبكاء بعض القادمين التقى (إخوان أون لاين) عددًا من المتضامنين الأجانب ذوي الجنسيات المختلفة، فتقول "ماريد ماجوبر" إحدى المتضامنات والحاصلة على جائزة نوبل عام 1976م: "جميعنا جاء لدعم غزة المنكوبة، والتي تعاني من عقاب مشدد".
وشددت ماجوير القادمة من أيرلندا على أنهم سيحملون رسائل إلى المجتمع الدولي وإلى هيئة الأمم المتحدة عن معاناة الشعب الفلسطيني، مؤكدةً أنهم سيطالبون في رسائلهم برفع الحصار عن قطاع غزة وتوفير الدعم اللازم والمنشود لسكان القطاع، مشيرةً إلى أن الصمت العالمي عما يحدث للقطاع بات غير مبرَّر وغير مقبول.
وطالبت ماجوبر السلطات المصرية بفتح معبر رفح قائلةً: "السياسيون هم الذين يبنون الحدود والأحرار هم الذين يهدمونها، ونحن نطالب جامعة الدول العربية ومصر بهدم هذه الحدود وإنهاء حصار غزة الظالم، وأن تقف عند مسئولياتها إزاء ما يتعرَّض له الشعب الفلسطيني".
ووسط تجمع المتضامنين والصحفيين في فندق "الديرة" الواقع على شاطئ البحر غرب مدينة غزة، قالت ماجوبر: "لم أَجِئ إلى غزة كي أقيم في مكان الأغنياء.. جئنا لنلتقيَ بالبسطاء في المخيمات لنقول لهم: نحبكم في الله".
وكانت دولة الكيان الصهيوني قد أعلنت أنها ستمنع المتضامنين الأجانب المتوجِّهين إلى مدينة غزة على متن السفينة، واستبق هؤلاء المتضامون بدء رحلتهم بالإعلان عن أنها تأتي في إطار النضال غير العنيف من أجل التضامن مع الفلسطينيين، وقد حملوا معهم معدات طبية وأدوية لازمة للقطاع الذي سيغادر منه عددٌ من الطلاب والمرضى على متن السفينة في طريق عودتها إلى قبرص.
شعب صامد ودود
الطبيب الاسكتلندي جوك ماكدونالدي قال في أول تعليق له عقب وصوله إلى ميناء غزة: "شعب غزة شعب ودود صامد.. شعرنا بالسعادة عندما التقيناه"، مضيفًا: "لسنا نحن الأبطال لأننا تحدينا التهديد الصهيوني، ولكنكم أنتم الأبطال لأنكم صمدتم وصبرتم على أذى العدوان".
وأشار إلى أنهم سيمكثون عدة أيام في غزة للتعرف على حجم المعاناة التي تتعرَّض لها على يد الاحتلال من جرَّاء الحصار الدولي الظالم، ومضى قائلاً: "سنزور المزارعين والمستشفيات وذوي الأسرى والجرحى والشهداء".
وأكد ماكدونالدي أن ما يرونه على التلفاز عن معاناة الشعب الفلسطيني، لا سيما الاجتياحات الصهيونية يولِّد لديهم تساؤلاً عن حقيقة ما يجري، مستنكرًا بشدة السياسة والعدوان الصهيوني تجاه غزة، مستغربًا من الصمت الدولي والعربي، واصفًا إياه بـ"المخجل".
ووصف الرحلة بالطويلة والشاقة، مضيفًا أنهم واجهوا بحارًا هائجة وأجواءً قارصة عند مغادرة قبرص، مستدركًا أن "الرحلة تستحق العناء".
العرب "نايمين"
ووجَّهت كوينا بترلي المتضامنة الأيرلندية رسالةً إلى العالم بأن عليهم الاستيقاظ والتحرك ضد الحصار، وقالت بلغة عربية متقطعة: "لكن الأجانب والعرب نايمين".
ورأت بترلي أن قدومها على متن سفينة "الأمل" هو أقل شيء من الممكن أن تفعله للشعب الفلسطيني، وقد شعرت بالفرح الممزوج بالحزن لحظة وصولها إلى القطاع.
![]() |
|
15 ساعة إبحارًا قضتها سفينة الحصار |
يُشار إلى أن بترلي عضو اللجنة التنسيقية مع اللجان النشطة في غزة لوصول سفينة "الأمل"، وتنشط في التضامن مع الفلسطينيين، وأمضت عامًا ونصف العام في مخيم جنين عندما تعرَّض للاجتياح الكبير قبل عدة سنوات.
أما لبنى مصاروة (من كفر قرع وتعمل بالقدس) فقد أكدت أنها تحمل رسالة وحدة وتضامن إلى الشعب الفلسطيني، كما أنها تعمل كناشطة سياسية، واصفةً فلسطين بأنها أكبر بلد متروك سياسيًّا ومهجور من قِبل المجتمع الدولي.
وقالت مصاروة: "إن كانت الحكومات والأنظمة الحربية ظالمة ولا تتحرك، فيجب علينا نحن التحرك؛ حتى نُحبط مساعي الاحتلال إلى عزل غزة عن العالم".
من جهته أكد الدكتور إبراهيم حمامي الكاتب والباحث الفلسطيني الذي وصل على ظهر السفينة، أن هذه الرحلة تحمل دلالات وأبعاد كثيرة، مبينًا أن من أهم الدلالات أنها تسجِّل بادرةً جديدةً أن الخط البحري مفتوح، بالإضافة إلى كون الرحلة حملت على متنها فلسطينيين من هذه البلاد من عرب 48 والقدس والضفة.
وأضاف د. حمامي أن سفينة كسر الحصار وصلت بعد 15 ساعة من الإبحار في عرض البحر ليؤكد المتضامنون على متنها أنهم لن يقبلوا بأن يجوع مليون ونصف المليون فلسطيني بسبب تمسكهم بالشرعية، موضحًا أن هذه الرحلات ستستمر إلى أن يكسر الحصار نهائيًّا.
ومن بين الذين شاركوا في هذه الرحلة التي تهدف إلى تسليط الضوء على سوء الأحوال المعيشية في قطاع غزة الدكتور مصطفى البرغوثي النائب في المجلس التشريعي بالضفة الغربية، قائلاً أنه تمكَّن من الوصول إلى غزة بعد أن منعته قوات العدو الصهيوني من دخول القطاع أكثر من مرة وعلى مدى عامين، موضحًا أن سبب نجاح المتضامنين في دخول القطاع يعود إلى تسلحهم بالإرادة.
وأضاف: "معنا أخوة من الضفة والقدس والداخل من عرب 48، وهو ما يدل على توحدنا وتلاحم الشعب الفلسطيني"، مبينًا أن السفينة أكبر رسالة لدعم وحدة الشعب الفلسطيني.
وقال: "رأينا مدى قوة التضامن الدولي من أجل الشعب الفلسطيني؛ حيث أبحروا بقارب غير مجهز لرحلات طويلة".
وأشار إلى أنه سيلتقي قادة الفصائل في قطاع غزة، لا سيما فتح وحماس، وأن هذه السفينة تؤرخ لبداية نهاية الحصار على القطاع، داعيًا إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني وتقوية المقاومة الشعبية في وجه الاحتلال.
واستقبل المتضامنين حشدٌ من مسئولي الفعاليات الشعبية والأهلية في قطاع غزة ووزراء ومسئولين في الحكومة الفلسطينية، إلى جانب استقبال شعبي حافل للتعبير عن الابتهاج بوصول السفينة ومبادرتها إلى كسر الحصار الصهيوني الخانق.
وأعرب الدكتور محمد عوض الأمين العام لمجلس الوزراء في حكومة غزة في مؤتمر صحفي عُقد بالقرب من مرفأ غزة البحري، عن تثمين الحكومةِ مبادرةَ المتضامنين ومخاطرتهم من أجل الاحتجاج على الحصار الصهيوني ومعاناة مليون ونصف المليون فلسطيني يعانون ويلاته منذ 17 شهرًا على التوالي.
وشدد د. عوض على أن رسالة هؤلاء المتضامنين والحكومة والشعب الفلسطيني تبقى المطالبة بكسر الحصار وضرورة مبادرة الدول العربية الإسلامية إلى إغاثة ودعم إخوانهم الفلسطينيين بفتح معبر رفح البري ورفض هذا الحصار.
![]() |
|
جمال الخضري |
من جهته رحَّب النائب جمال الخضري رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار بمن حضر على متن سفينة كسر الحصار وهم يحملون المساعدات الطبية لسكان غزة ويواجهون الخطر الصهيوني.
وثمَّن الخضري الصمود من قِبل المتضامنين- وعددهم 27 من 12 دولة بينهم برلماني وكاتب فلسطينيان- مشددًا على أن مطلب هؤلاء هو مطلب الشعب الفلسطيني، وهو كسر الحصار عن غزة وإنقاذ مليون ونصف المليون إنسان في غزة.
ودعا رئيس اللجنة أحرار العالم إلى تنظيم الفعاليات والأنشطة وتسيير الرحلات التي تكسر الحصار بشكلٍ نهائي عن غزة، والضغط على الكيان الصهيوني كقوة احتلال لإنهاء الحصار.
من جهتها أعربت حركة المقاومة الإسلامية حماس عن تقديرها للجهد الكبير الذي بذله المتضامنون العرب والأجانب على ظهر سفينة الأمل لكسر حصار غزة، مطالبةً مصر بفتح معبر رفح وإنهاء معاناة وحصار غزة.
وقالت حماس في بيانٍ وصل لـ(إخوان أون لاين) إن وصول السفينة يؤكد أن أمام العزيمة والإرادة والتحدي لم يعد هناك مستحيل، وأنه بالإمكان إنهاء حصار غزة لو توفَّرت الإرادة العربية الرسمية والفعلية لإنهائه.
وأضافت: "ولم يعد مبررًا حتى هذه اللحظة إبقاء هذا الحصار دون اتخاذ قرار عربي رسمي وفعلي يتجاوب ويتوازى مع معاناة أهلنا في غزة، وتحديدًا بعد وصول هؤلاء المتضامنين على اختلاف جنسياتهم للمرة الثانية عبر هذا الخط البحري".
وطالبت مصر بفتح معبر رفح، وإنهاء معاناة وحصار غزة، مؤكدةً أن هذا واجبها الإنساني والأخلاقي والقومي، معتبرةً استمرار منعِ مصر المتضامنين المصريين والعرب والأوروبيين من الوصول إلى غزة عبر أراضيها لا يعبِّر عن أية استجابة لمعاناة مليون ونصف المليون فلسطيني محاصرين فيها، ولا بد أيضًا من موقف عربي رسمي يؤكد ضرورة هذه الاستجابة.


