"أمريكا هي أمريكا"، بلدٌ مغلقٌ على غزاته من البيض الأوروبيين وأحفادهم، ويبدو أنَّ البعض أراد أنْ يظلَّ مغلقًا حتى أمام أبنائه من غير البيض، هذا هو ما تثبته المحاولة الأخيرة التي كشفت عنها مصادر قضائية أمريكية لاغتيال المرشح الديمقراطي للرئاسة، السيناتور الأمريكي الأسود باراك أوباما، والتي تورط فيها اثنان من حليقي الرءوس، أو النازيين الجُدد.
هذا الاتهام المُوجَّه في الولايات المتحدة إلى النازيين الجُدد جاء ضمن إطارٍ إعلاميٍّ للتغطية على العنوان الأبسط والأسوأ في ذات الوقت لهذه الوقعة، وهي أنَّ هناك بعض البيض حاولوا اغتيال أحد السود؛ أيًّا ما كانت طبيعة هؤلاء البيض، وأيًّا ما كانت طبيعة هذا الأسود.
فما بين الكوكلاكس كلان والنازيين الجدد من جهةٍ، والمطرب الزنجي أو. جي. سيمبسون والثائر الأسود مارتن لوثر كينج والمحامي والسيناتور صاحب البشرة السمراء ذي الأصل الكيني باراك أوباما.. لا فارق؛ كلهم بيض يقتلون السُّود، ولا يرغبون في أنْ يروا أحدًا غيرهم في "أرض الله" الأمريكيَّة التي وُعِدُوها في العهدَيْن القديم والجديد.. كما يزعمون.
التفاصيل التي كشفت عنها جهات التحقيق الأمريكيَّة مقزِّزةٌ للغاية في هذا الأمر، ومثيرة للذهول، فالشَّابَان المتورطَان في الوقعة، دانيال كوارت (ويبلغ من العمر 20 عامًا) وبول شليسلمان (18 عامًا) اعترفا بأنهما خططا للسطو على متجر لبيع الأسلحة، والشروع في ارتكاب "موجة قتل" داخل مدرسة غالبية طلابها أمريكيون سود في مقاطعة كروكيت بولاية تينيسي.
وكانوا ينوون قتل 88 طالبًا رميًا بالرَّصاص، وذبح 14 آخرين، والأرقام 88 و14 تُعدُّ رمزًا لدى العنصريين البيض والنازيين الجُدد، ثم قتل أوباما بواسطة سيارة يقتربان بها منه في أحد تجمعاته الانتخابيَّة ثُمَّ يطلقون عليه النَّار.
وكان المتهمان قد التقيا عبر شبكة الإنترنت عبر صديق ثالثٍ مشتركٍ، واتهمتهما السلطات الأمريكية بحيازة أسلحة بشكل غير قانوني والتخطيط لسرقة متجر أسلحة وتهديد حياة مرشح رئاسي.
ووفق شهادة خطية لأحد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)؛ فإنَّ المتهمَيْن كانا ينويان ارتداء رداء رسمي أبيض اللون، ويعلو رأسيهما قبعتَان خلال تنفيذ عملية الاغتيال.
وأوضحت السلطات الأمريكية أن عملية اعتقال الشابَيْن حدثت في منطقة خارج مدينة "جاكسون"، على بُعد 75 ميلاً من شرق ممفيس في ولاية تينيسي الأسبوع الماضي، وخلال مغادرتهما هذه المنطقة قبل اعتقالهما أطلق كوارت النار على نافذة كنيسة وهما في طريقهما إلى منزل جده.
وهذه هي ثالث قضية تعتقل فيها السلطات أشخاصًا على خلفية توجيه تهديدات لأوباما في حال فوزه بانتخابات الرَّئاسة؛ أي أنَّ الأمر لم يعد استثناءً في المجتمع الأمريكي، أو وقعة منفردة؛ فعندما عُرض على وزير الخارجية الأمريكي الأسود الأسبق كولن باول منصب نائب الرئيس استشار زوجته إيلما، التي قالت له بألا يقبل ذلك الأمر؛ تفاديًا لاغتياله على أيدي العنصريين البيض في المجتمع الأمريكي، وهو ما كان؛ حيث رفض باول المنصب، واكتفى بأنْ يُصبِح وزيرًا للخارجيَّة.
ومن خلال بعض العرض التاريخي حول هذا الأمر نجد الكثير من أوجه التشابه ما بين المشروع الغربي الاستيطاني في أمريكا وبين المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين.
تاريخ من العنصرية
كان أول مراقب لواقع الولايات المتحدة هو وزير الخارجية الفرنسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر ألكسيس دوتوكفيل، الذي كشف عام 1840م في كتابه المهم "الديمقراطية في أمريكا"، الحتميات التي فرضت آليات بناء الدولة في الولايات المتحدة المكونة من المهاجرين في معظم سكانها.
وقال دوتوكفيل: "إنِّي لا أعرف شعبًا يحتل فيه حب المال حيزًا كبيرًا من قلوب الناس أكثر من هذا الشعب.. شعب يشكل تجمعًا من المغامرين والمضاربين".
فمن جهة العلاقة بالطبيعة، لم تأخذ كلمة "الحدود" بالنسبة للأمريكيين وعلى مدى قرن كامل، نفس المعنى الجغرافي الذي أخذته في أوروبا، كان الحيز المكاني بالنسبة للمغامرين والمضاربين بمثابة امتداد مفتوح، وبقي كذلك حتى نهاية القرن التاسع عشر؛ حيث بلغ التوسع مداه بالوصول إلى المحيط الهادئ، عندها فقط تمَّ ترسيم الحدود، وفي سبيل ذلك أبيد 80% من الهنود الحمر!!؛ حيث كانوا 10 ملايين، ثمَّ وصل عددهم إلى 200 ألف فقط.
وبذلك كانت الأرض الجديدة مفتوحة لكل أنواع السلب والإبادة.. إبادة الغابات والحيوان؛ ناهيك عن الموارد مثل الذهب والفضة والبترول.
ولم يكن البشر استثناءً في هذا الإطار، وإنْ اختلف التطبيق بحسب كل مرحلةٍ من مراحل تكوين الولايات المتحدة؛ ففي البداية كان اصطياد الهنود للاستيلاء على أراضيهم، دون أنْ يُترَك لهم خيار، فإمَا التَّصفية العرقية أو التصفية في "المحميات" وإرسال البطاطين الملوثة بالجدري والأمراض القاتلة لمساعدتهم في الشتاء!.
وكان معنى الحياة ملتبسًا؛ فقد تقلص فقط في البعد الكمي للثروة أو الأرض أو كنوزها، مع سيادة قانون الغاب أو الأقوى في الحرب الذي شنَّه الجميع ضد الجميع هناك، ولعبت البيوريتانية المسيحية البروتستانتية دورها في تبرير ذلك كله.
ويشكل العنف الأكثر دمويةً والذي رعاه نفاق دينيٌّ واضحٌ سمةً دائمةً في تاريخ الولايات المتحدة منذ تأسيسها؛ فقد حمل البيوريتانيون الأنجلو ساكسون الذين وصولوا إلى سواحل الأطلنطي الغربية معهم الاعتقاد الأشد فتكًا في تاريخ الإنسانية، وهو الاعتقاد بفكرة "الشعب المختار"، الذي أعطى الشرعية لعمليات استئصال السكان الأصليين واغتصاب أراضيهم، وكأنه "أمر إلهي"، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، واقتدوا في ذلك بالنموذج التوراتي، المعروف باسم نموذج يشوع؛ حيث أوكل "رب الجنود" لشعبه مهمة ذبح السكان الأصليين في بلاد كنعان والاستيلاء على أراضيهم!.
وتمامًا مثلما فعل الغزاة الإسبان الذين وصفوا تصفية هنود جنوب القارة أو أمريكا اللاتينية بأنها عملية "تنصير"؛ استلهم البيوريتانيون الإنجليز سفر يشوع في مطاردتهم للهنود، وسرقة أراضيهم، وعمليات "الاستئصال المقدسة"، على غرار ما ورد في التوراة.
وقد كتب أحدهم يقول: "من الجلي أنَّ الله دعا المستعمرين إلى الحرب؛ حيث يركن الهنود إلى عددهم وأسلحتهم، يتربصون الفرص لارتكاب الشر، مثلما فعلت قبائل الأماليين، والفلسطينيين الذين تحالفوا مع آخرين ضد إسرائيل".
ويشهد توكفيل على بربرية المستعمرين تجاه الهنود الذين استخدموا أسلحة لا يمكن مقارنتها بأي مقياس بأسلحة الغزاة، وقال: "إنَّ انتصار "الحرية"، عبر تلك المسيرة المظفرة للحضارة عبر الصحراء تمَّ في أواسط الشتاء؛ حيث كان البرد قارسًا جدًّا، وقام ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف من البيض بمطاردة الأعراق البدوية من الوطنيين الذين كانوا يفرون أمامهم، حاملين مرضاهم وجرحاهم، وأطفالاً ولدوا حديثًا، وشيوخًا على حافة الموت"، وتابع يقول: "إنَّ المشهد كان مثيرًا، ولم يُمحَ من ذاكرتي أبدًا".
ولنأخذ مثلاً على ذلك جورج واشنطن أبو أمريكا؛ الذي أعطى قبائل الإيروكواس الهندية درسها الأخير في الحياة، عندما كلف جيشه بتدمير مجتمعها وحضارتها، وهما مجتمع وحضارة متقدمان نسبيًّا بمقاييس عام 1779م.
كما تجلت "العنصرية" الأمريكية في الاحتفاظ بالرقيق الأسود قرنًا كاملاً بعد إعلان الاستقلال أو الحريات الأمريكي، واحتاج الأمر حربًا أهليةً استمرت أربع سنواتٍ سقط فيها 650 ألف أمريكي، بمعدلات قتل رهيبة لوضع نهاية لما كانوا يسمونه في ذلك الوقت بـ"المؤسسة الخاصة" التي هي "الرق" طبعًا.
ولكن العنصرية لم تخمُد بعد ذلك؛ حيث أصر البيض على إيجاد بديلٍ للرِّق، وهو القتل أو الطرد لغير البيض، فولد إرهاب الجمعيات السرية، مثل منظمة كوكلاكس كلان، مع سنِّ ما يُعرَف بـ"قوانين السود" المشينة التي حرمت العبيد القدامى من كل حقوقهم السياسية، كما أبعدهم التمييز العنصري عن المجتمع المدني.
فلم يكن لهم حق الترشيح أو التصويت، ولم يكن من حقهم دخول مدارس البيض أو مدنهم أو السير في شوارعهم أو ركوب مواصلاتهم، والمذهل أنَّ ذلك الوضع استمر حتى منتصف القرن العشرين وحتى الستينيات الماضية، فإلى أي شيءٍ كان يدعو الحقوقي الأمريكي الأسود مارتن لوثر كينج وهو يُضرب بالنار في الشوارع؟!، وقتها كان يحاول إلغاء هذه القوانين!.
هكذا السياسة الأمريكية الثابتة، منذ ذلك الحين، انطلاقًا من سحق الهنود واضطهاد وقتل الأرقاء السود، وتعبيرًا عن النفاق الأمريكي في هذا المقام، قال الثائر البوليفي سيمون بوليفار: "يبدو أنَّه كتب على الولايات المتحدة أن تقوم بتعذيب وإذلال القارة باسم الحرية".
دلالات
ما سبق، وصولاً إلى محاولة اغتيال أوباما، يثبت الآتي: أنَّه بالرَّغم من كل التَّطور التشريعي والثقافي والعلمي الذي وصلت إليه الولايات المتحدة؛ إلا أن المجتمع الأمريكي لم ينضج بعد نهائيًّا، لا على المستوى الاجتماعيِّ ولا على المستوى القيمي والأخلاقيِّ، ولا يزال على صورته البدائية.
فرغم مرور عقود على إلغاء "قوانين السود" ما زال الأمريكيون غير راغبين في أنْ يروا أسودًا يحكمهم، ولا تزال قيم العنصرية طاغية، ولا يزال النظام التربوي والتعليمي والاجتماعي الأمريكي يقوم بتفريخ أجيال لديها الفكر العنصري، ولديها القدرة على قتل 100 أو أكثر من الناس لمجرد خرافات عنصرية.