أيام قليلة تفصل العالم عن انتخابات الرئاسة الأمريكية التي سوف تؤدي إلى تغيير الوجوه القابعة في البيت الأبيض، كما ينتظر البعض أنْ تؤدي إلى تغييرٍ ما في السِّياسات الأمريكيَّة أيضًا، ولعل الاحتمال الأكبر لحدوث ذلك التغيير- ولو كان طفيفًا- في السياسات سيكون في حال وصول الديمقراطيين إلى سدة الحكم في واشنطن، ممثلين في المرشح الديمقراطي باراك أوباما.

 

وتأتي الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقرر إجراؤها يوم الثلاثاء المقبل في وقت يعاني فيه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، الذي سيغادر البيت الأبيض قريبًا، من تدنٍّ في الشعبية لم يسبق له مثيل في تاريخ الرئاسات الأمريكية أن حدث لرئيس أمريكي وهو في الحكم.

 

هذا التدني من وجهة نظر مراقبين يُثبت فشل الإدارة الأمريكية الراحلة التي شهدت التقاء اليمين الأمريكي بشقَّيْه: السياسي المعروف اصطلاحًا باليمين المحافظ الجديد (المحافظون الجدد) والدِّيني المعروف اصطلاحًا بـ(اليمين المسيحي الجديد).

 

وينتظر الرئيس الأمريكي الجديد العديد من التحديات الشرق الأوسط التي تُعدُّ مجالاً حيويًّا مهمًّا في السياسة الأمريكية، لموقعها الجيو سياسي الإستراتيجي الذي يُمَكِّنُ الولايات المتحدة- من خلال حزمة من الترتيبات الأمنية والعسكرية- من التحكم في الأحداث العالمية والتعامل مع الأحداث التي تَجري هنا أو هناك مع مرور الوقت.

 

بالإضافة إلى تمتع المنطقة بإمكاناتٍ اقتصاديةٍ ونفطيةٍ هائلةٍ، لا سيما مع بروز الولايات المتحدة كقوةٍ عظمى عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ فالنفط ليس مهمًّا فقط للحفاظ على المصالح الأمريكية والنمو الاقتصادي الأمريكي وضمان تفوقه، ولكن للأمن القومي الأمريكي ذاته.

 

ويؤثر مستقبل منطقة الشرق الأوسط على المصالح الأمريكية في المنطقة، التي تتنوع ما بين الطاقة والأمن والدفاع وتدعيم الحلفاء والأصدقاء، وكذلك على الصيَغِ الأمريكية لحل النزاعات التي تموج بها هذه المنطقة، فضلاً عن مساعدة الدول العربية لواشنطن في الحرب الأمريكية ضد ما يوصف بـ"التطرف والإرهاب".

 

معضلات!

ولعل أهم الملفات التي تنتظر الرئيس الأمريكي الجديد فيما يخص الوضع في الشرق الأوسط، هي:

- الصراع العربي الصهيوني، والتسوية الفلسطينية الصهيونية.

- الملف العراقي.

- الملف السوري اللبناني.

- الملف النووي الإيراني ودور إيران الإقليمي المتنامي.

- وضع مصادر الطاقة في الخليج العربي.

- الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان في الدول العربية.

وكثير من هذه القضايا ليست بمعزلٍ عن بعضها البعض؛ فعلى سبيل المثال ترتبط سوريا بأطراف الكثير من هذه الملفات، فهي جزءٌ من الملف الإيراني في المشرق العربي بعد تحوُّلها من التحالف التقليدي بينها وبين مصر والسعودية إلى التحالف مع إيران، بينما هي جزءٌ أصيلٌ من الملف اللبناني المرتبط بدوره بقضية القوس الشيعي الإيراني.

 

كما أن سوريا طرف في ملف الأمن في العراق، وكذلك جزءٌ لا يتجزأ من ملف الصراع العربي- الصهيوني والتسوية بين الفلسطينيين والصهاينة عبر قضايا مثل الجولان، وفي ظل استضافة دمشق لفصائل الرفض الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس.

 

وبالتالي فإن الرئيس الأمريكي القادم تنتظره عدة قضايا محزومة في ربطةٍ واحدةٍ اسمها الشرق الأوسط، وهو ما يزيد من صعوبة مهمته في حقيقة الأمر؛ حيث إن التعامل مع الارتباطات الإيرانية في ملف الأمن في العراق يمنح إيران مزايا لا تريدها واشنطن لطهران فيما يخص الدور الإقليمي لهذه الأخيرة، فكيف سيتم التوفيق في هذا الأمر؟!

 

كذلك الحال فيما يخص الحالة السورية؛ فواشنطن ترغب في دورٍ سوريٍّ في دفع التسوية الفلسطينية والعربية مع الكيان الصهيوني، وهو ما لن يتأتَّى سوى بمزايا إقليمية تحصل عليها دمشق، أو على الأقل تخفيف حدة اللهجة الأمريكية فيما يخص موضوع الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان والوضع في لبنان، وهو أيضًا عكس ما ترغبه واشنطن في هذا بالنسبة لدمشق.

 

معضلة الإصلاح

وفي ذات المنطق سيواجه الرئيس الأمريكي المقبل ذات المشكلة عند النظر إلى موضوع الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، وسيكون الأمر أكثر صعوبةً لو جاء المرشح الديمقراطي باراك أوباما إلى الحكم.

 

فكثير من النظم السياسية التي ترغب الولايات المتحدة في تفعيل الإصلاح السياسي ودعم أجندتها الخاصة بحقوق الإنسان فيها من حلفاء واشنطن في ترتيبات الأمن في الشرق الأوسط، ومن داعي برامج تل أبيب وواشنطن في شأن التطبيع والتسوية بين العرب والكيان الصهيوني.

 

وهذه المصالح- مكافحة ما يُعرف بالإرهاب وأمن الكيان الصهيوني والتسوية والتطبيع- كلها ذات أهمية بالنسبة للأمن القومي الأمريكي والسياسة الخارجية الأمريكية، ولا يمكن التضحية بها بسهولة، وهو ما قد يكون أمام جون ماكين مساحة للمناورة فيها، إلا أنَّ برنامج أوباما والديمقراطيين عمومًا حازمٌ في هذه المسألة؛ حيث سيضع مستوى تطور العلاقات بين واشنطن وأي دولةٍ أخرى في الشرق الأوسط على مقياس خاص بمدى تحقيق حكومات هذه الدول لتقدم على المستوى السياسي وفي مجال حقوق الإنسان؛ بل إن الديمقراطيين يربطون مستوى المعونات الممنوحة في برنامج المساعدات الخارجية الأمريكية بهذا الأمر.

 

وهنا ستواجه الإدارة الأمريكية الديمقراطية القادمة- لو نجح أوباما- أزمةً في إدارة علاقاتها مع الحلفاء العرب، وخاصةً في الرياض والقاهرة والرباط، فلن يكون من السهل إدارة السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط دون دعمٍ من هذه العواصم، إلا أنها في النهاية ذات ملفٍ أسود في مجال حقوق الإنسان والارتكاس على مشروعات ووعود الإصلاح التي سبق أن طرحتها في السنوات الخمسة الماضية؛ نتيجةً للضغوط الأمريكية في هذا المقام.

 

انقسامات

كما يواجه الرئيس الأمريكي المقبل مشكلةً خاصةً في العراق وفلسطين؛ حيث حالة الانقسام وعدم الإجماع الداخلي بشأن شكل مستقبل الأوضاع فيما يخص الملفات الخاصة بالحالة الفلسطينية والحالة العراقية؛ هذا سوف يمنع الأمريكيين من تثبيت أي وضعٍ في كلتا الحالتين؛ ففي العراق يكون من الصعب تثبيت ترتيبات الاتفاقية الأمنية المزمعة، وهي العنوان الأبرز لمستقبل العراق كما يراه الأمريكيون، وأداة تطويع الوضع هناك على الصورة التي ترغب فيها واشنطن.

 

ففي ظل رفض العرب السّنة بكامل ألوان طيفهم السياسي والعشائري وأطراف شيعية لها وزنها السياسي والجماهيري والتشريعي، مثل التيار الصدري، الاتفاقيةَ ستعجز الحكومةُ العراقيةُ من الأساس عن فرضها على العراقيين، وهنا لن يتمكن الأمريكيون من "تقنين" بقائهم في العراق، وهو ما سيكون له تبعات أمنية وسياسية كبيرة على الوجود الأمريكي في العراق، وسيزيد الثمن الفادح الذي سيدفعه الأمريكيون حال إقرار الاتفاقية في ظل معارضة الفصائل المسلحة لها مثل "جامع"، خاصةً أن العنف في العراق لم ينتهِ بشكلٍ كاملٍ، بل هو هَدَأ فقط، ومع خروج المائة والأربعين ألف جندي أمريكي من العراق في غضون السنوات الثلاثة القادمة لن يكون بمقدور أحد القول باطمئنان إن العراق سيشهد استقرارًا سياسيًّا أو أمنيًّا.

 

أما في الشأن الفلسطيني، فإن فرض تسوية ما على الفلسطينيين سيكون أمرًا مستحيلاً، حتى لو وقَّعت رام الله على اتفاق مع الحكومة الصهيونية الجديدة التي سوف تتمخَّض عنها انتخابات فبراير المقبل المبكرة؛ فالانتخابات من الأساس "رمت" ملف التسوية إلى ما بعد مطلع العام القادم، وهنا لن يكون بمقدور الرئيس الأمريكي الحالي تحقيق وعوده السابقة بالتوصل لتسوية بين الفلسطينيين والصهاينة قبل نهاية ولايته الرسمية في يناير القادم.

 

وستجيء الحكومة الصهيونية، القادمة غالبًا من اليمين، كما حتى لو لم تكُن من اليمين، فسوف تأتي في فترة المائة يوم الأولى التي يكون فيها البيت الأبيض منشغلاً بإعادة هيكلة دولاب العمل الإداري في واشنطن وباقي الولايات الأمريكية؛ حيث سيكون أمام الرئيس الأمريكي الجديد مهمة تعيين عشرة آلاف موظف فيدرالي جديد، فلن يكون متفرِّغًا للبت في الشأن الفلسطيني؛ طالما أنَّ التهدئة قائمة ولا يوجد ما يدعو للقلق بالنسبة للكيان الصهيوني.

 

وحتى لو تمخَّض ربيع العام القادم عن أي اتفاق؛ فإن فصائل المقاومة الفلسطينية التي تؤمن بأنَّ تحرير فلسطين من النهر إلى البحر هو هدفها النهائي لن تكون جزءًا منه، ولذلك سيكون من الصعب على رام الله وتل أبيب وواشنطن القول بأنه تمت تصفية ملف التسوية الفلسطينية الصهيونية للأبد.

 

وحتى لو تحدث البعض عن إمكانية جذب حماس والجهاد الإسلامي إلى حلبة التسوية، فإن الأمر لن يكون بهذه السهولة، فهي منظمات ذات صبغة إسلامية تؤمن بأن "فلسطين وقف إسلامي من النهر إلى البحر"، وحتى لو تخلَّت عن قناعاتها هذه- وهو أمر غير ممكن- فلن يكون بمقدورها تبرير ذلك أمام حلفائها في المنطقة من جبهة الرفض التي تضم طهران ودمشق أو أمام قواعدها الجماهيرية، وستفقد علة وجودها من الأصل؛ لذلك لا يمكن تصور إقدامها على خطوة أبعد من التهدئة الحالية التي ستنهار حتمًا إذا ما وصل اليمين المتطرف للحكم في الكيان الصهيوني.

 

ومن هنا ومن العرض الموجز السابق يكون بمقدور المراقبين والمتابعين للشأن العربي القول إنَّ الرئيس الأمريكي المقبل "لن يرتاح" مع حالة الشرق الأوسط!.