عاد رئيس المجلس التنفيذي للمحاكم الإسلامية الصومالية ورئيس تحالف إعادة تحرير الصومال شيخ شريف شيخ أحمد إلى الصومال بعد عامين تقريبًا من الخروج منها بعد أن أنهت قوات الاحتلال الإثيوبي في مطلع العام 2007م تجربة المحاكم في الحكم في الصومال.

 

وكانت المحاكم قد حققت العديدَ من الإنجازات على المستويين السياسي والأمني، وبالتالي الإنساني في الفترة الوجيزة التي سيطرت فيها على الصومال بعد سلسلةٍ من المعارك الدامية مع أمراء الحرب الصوماليين وزعماء القبائل الذين كانوا مرتبطين بالمشروع الأمريكي في القرن الأفريقي.

 

وبعد سيطرة المحاكم على العاصمة الصومالية مقديشو، في 6 يونيو من العام 2006م، بدأت الولايات المتحدة في التعاطي مع الملف الصومالي بأطرٍ أخرى؛ حيث دخل في إطار الحرب الأمريكية على ما يُعرف باسم "الإرهاب".

 

ومن هنا كان استخدام الجيش الإثيوبي لإسقاط "المحاكم" من مقديشو، بعد اتهام واشنطن لها بالتهمة المعتادة الجاهزة لأي جماعةٍ إسلامية، وهي الإرهاب، وكانت البداية بعد أيامٍ قليلةٍ من سيطرة المحاكم على مقديشو؛ حيث دخلت القوات الإثيوبية مدينة بور هكبة الحدودية، ثم دينسور، وتقدمت بعد ذلك نحو جوهر ومقديشو بدعم معلوماتي ولوجستي مباشر من الولايات المتحدة، وبعض زعماء الحرب الموالين لها ممن هزمتهم قوات المحاكم في الصومال.

 

عاد شيخ شريف بعد نحو عامين من هذه الأحداث الدامية التي أودت بحياة ما يقرب من عشرة آلاف شخص منذ بداية عام 2007م، وأجبرت أكثر من مليون آخرين على مغادرة منازلهم طبقًا لإحصائيات الأمم المتحدة، التي تواجه اتهامات بالتقصير والإهمال في التعامل مع الأزمة الإنسانية في الصومال.

 

وجاءت عودته تلك بدعوةٍ وجهتها رابطة علماء الصومال لقيادة المحاكم الإسلامية في الخارج، للعودة إلى البلاد "لحل الخلافات بينهم" بحسب نص الدعوة، وفي حينه قال شيخ نور بارود الناطق باسم رابطة العلماء التي تمَّ تكليفها بحل الخلافات من جانب القيادة الداخلية للمحاكم في الصومال، إن جميع قيادات المحاكم في الخارج مدعوون إلى مؤتمرٍ عام يعقد في الصومال قريبًا، وهدد باتخاذ إجراءات ضد كل مَن يمتنع عن حضور هذا المؤتمر، ولكنه لم يحدد طبيعة هذه الإجراءات.

 

مصالحة

في النصف الثاني من أغسطس الماضي، وتحديدًا في 18 منه أعلنت كلٌّ من الحكومة الصومالية برئاسة نور حسن حسين، والمعارضة الصومالية، (جناح جيبوتي) بقيادة شيخ أحمد إلى اتفاق مصالحة نهائي، نصَّ الاتفاق على خروجِ القوات الإثيوبية من داخل الأحياء السكنية في البلاد خلال 15 يومًا من تاريخ توقيع الاتفاقية، ووقف إطلاق النار، وتشكيل حكومة وحدة وطنية وجيش موحد، وعودة النازحين إلى منازلهم، ووقف ما وصفه الاتفاق بـ"كل ما من شأنه أن يُعيق سير العملية التصالحية من كلا الطرفين".

 

وفيما يخص انسحاب القوات الإثيوبية، فقد جدولها الاتفاق على مرحلتين، تبدأ أولاهما في 21 نوفمبر المقبل، بينما تتم الثانية بحلول العام 2009م.

 

واستكمل ذلك الاتفاقية التمهيدية الأولى التي وقَّع عليها الطرفان في 9 يونيو الماضي بوساطةٍ من الأمم المتحدة واستضافة ورعاية جيبوتية وأفريقية، ورقابة من جانب جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومصر.

الصورة غير متاحة

جانب من اجتماع لأطراف الأزمة الصومالية

 

وقد عاد شيخ أحمد إلى الصومال لإقناع المعارضة بالاتفاق الذي وقَّعه مع الحكومة الصومالية المحمية بالقوات الإثيوبية، ووجهة نظره هو وكثير من قيادات المحاكم في الداخل وفي جيبوتي، وحتى القيادات الموجودة في العاصمة الإريترية أسمرا، تنحصر في أن المقاومةَ الصوماليةَ قد حققت أهدافها، وأن المصالحة يجب أن تحتل الآن الأولوية على أجندة كافة القوى السياسية سواء تلك التي تعتمد على العمل السياسي أو على العمل المسلح ضد الإثيوبيين لتحقيق أهدافها.

 

وركَّز على مسألة الجانب الإنساني في الأزمة؛ حيث وصلت الأمور في الصومال لكي تصبح أسوأ مكانٍ على وجه الأرض فيما يخص الوضع الإنساني والمعيشي.

 

وهو مبدأ عام التزمه شريف في تصريحاته ومواقفه منذ وصوله لمدينة جوهر الصومالية يوم السبت الماضي، فقال شريف في تصريحٍ لـ"رويترز" فور وصوله: "بالنظر إلى معاناة شعبنا في الوقت الحالي، فإننا في المعارضة قررنا أن نشارك في حكومة وحدة وطنية تنهي عقدين من الاضطرابات المدنية"، وأضاف: "إن القتال الذي دخلناه كنا مجبرين عليه، وندعو كل المسلحين إلى التصالح، وهناك مصالحة جارية بيننا وبين الحكومة الانتقالية لحل الأزمة التي تمر بها البلاد".

 

الأهم من ذلك أن شيخ أحمد أشار إلى أنَّ مسألة خروج القوات الإثيوبية أساس في موقف المعارضة، هذا فيما يخص ترتيبات ما بعد الاتفاق، فقد قال: "كنا نسعى ونجاهد لتحرير البلد، وهذا تحقق بعد الاتفاق، وبعد أن أعلنت إثيوبيا صراحةً أنها ستسحب قواتها من الصومال، حسب ما ينص اتفاق جيبوتي".

 

وهو ما يعني ربط المحاكم وقف العمل العسكري في الصومال بخروج المحتل الإثيوبي، وهو ما كان داعمًا كبيرًا له في مواجهة مَن عارضوه في خطوته هذه.

 

فرابطة العلماء أيَّدت، بل بدأت في دعوة مختلف الفرقاء الصوماليين إلى العودة للبلاد؛ تمهيدًا لعقد مؤتمر مصالحة شامل مزمع على النحو الذي سبقت الإشارة إليه.

 

كما أنَّ حركةَ الإصلاح في الصومال أعلنت ما وصفته في بيانٍ لها صدر بعد الإعلان عن الاتفاق بـ"تأييدها القوي" للاتفاق، وطالبت في بيانها مختلف ألوان الطيف السياسي والشعبي الصومالي بتأييده وتقديم ما يلزم لتطبيقه على أرض الواقع.

 

وركَّزت الحركة في بيانها على موضوع المصالحة؛ حيث دعت أطرافَ الفرقاء الصوماليين إلى تجاوز خلافاتهم وتقديم المصالح العليا للشعب الصومالي على مصالحهم الخاصة، إلا أنَّ الحركةَ بدورها ربطت كل ذلك بوقف إطلاق النار، و"التنفيذ الفوري لجدولة انسحاب القوات الإثيوبية من جميع الأراضي الصومالية".

 

مصاعب

وعلى تفاؤل الأطراف المعنية بالأزمة في الصومال بالوضع الراهن الذي تمخَّض عنه اتفاق جيبوتي، إلا أنه في حقيقة الأمر هناك العديد من المصاعب التي يجب تذليلها قبل الحديث عن نجاحٍ ما في الوضع في الصومال.

الصورة غير متاحة

عناصر من أفراد المليشيات المسلحة في الصومال

 

المشكلة الأولى هي طبيعة الواقع السياسي في الصومال؛ حيث يسيطر العديد من أمراء الحرب والمنتفعين على مناطق واسعة من البلاد، وهؤلاء موقفهم، غير معروف كما أنَّ سوابق المصالحة في هذا البلد الذي سقط في هاوية الفوضى بعد سقوط نظام الرئيس الصومالي محمد سياد بري في العام 1991م، لا تبشر بالخير، فقبل اتفاق جيبوتي جرت عشرات المحاولات دون جدوى لإرساء السلام في الصومال، الذي قتل فيه نحو 300 ألف شخصٍ بسبب الحرب.

 

كما أنَّ الصومال فعليًّا شهد محاولتَيْن انفصاليَّتَيْن، الأولى في الشمال، والثانية في الجنوب؛ حيث أعلن ما يُعرف باسم "بلاد بونت" في الشمال، و"جمهورية أرض الصومال" في الجنوب استقلاله الاسمي عن الصومال الأم في سنوات الأزمة الماضية.

 

ومحاولة جمع كل هذه "الأشلاء" يستغرق وقتًا وجهدًا بالتأكيد، كما أنَّ الملف الإنساني سيكون عبئًا اقتصاديًّا على أيَّةِ حكومةٍ سوف تتولى زمام الأمور في هذا البلد العربي المسلم، مع ضعف الوجود الأممي ودور الدول المانحة في الجانب الإنساني في الصومال.

 

بجانب ذلك لا يمكن تجاهل موقف جماعات المقاومة المسلحة في الداخل الصومالي وتلك الموجودة في أسمرا، والتي رفضت الاتفاق، ومن أبرز الشخصيات التي رفضت الاتفاق الشيخ حسن طاهر أويس رئيس "تحالف إعادة تحرير الصومال- جناح أسمرا" ورئيس مجلس شورى المحاكم، وكذلك الشيخ يوسف إنطعدي مسئول الأمن العسكري في تحالف إعادة تحرير الصومال- جناح أسمرا، وكان كلٌّ من أويس وإنطعدي يرغب في بدء التفاوض والتوقيع على الاتفاق مع حكومة نور حسين بعد خروج الإثيوبيين وليس قبله.

 

كما رفضت كلٌّ من الجبهة الإسلامية الصومالية، الجناح المسلح لحركة الاعتصام بالكتاب والسنة، وحركة شباب المجاهدين، التي رفضت الاتفاق على لسان أبو المنصور مختار ربو الناطق الرسمي للحركة، كما رفض الشيخ عبد القادر علي عمر رفيق شيخ شريف شيخ أحمد في إنشاء المحاكم الإسلامية الاتفاق.

 

والملاحظ أن غالبيةَ هذه الفصائل رفضت بسبب اعتبار وجود الإثيوبيين في البلاد، ورغم أن الاتفاق يجدول الانسحاب، فإنَّ الأمرَ يبقى غير مضمون، ففي أكتوبر الماضي قال رئيس الوزراء الإثيوبي ميلس زيناوي: إن القوات الإثيوبية ستنسحب من الصومال "سريعًا"، هكذا فقط دون ذكر مواعيد رغم تأييد إثيوبيا للاتفاق رسميًّا، كما قال إن قوات بلاده ستظل موجودةً في الصومال "حتى انتشار قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي بشكلٍ كامل"، وهو أيضًا أمرٌ دونه الكثير من المصاعب السياسية والمادية والأمنية، قد تعيق خروج الإثيوبيين من البلاد "سريعًا" كما قال زيناوي.

 

كما أن الانقسام في الصومال بشأن الاتفاق وصل إلى داخل اتحاد المحاكم بين جناح جيبوتي بزعامة شريف وجناح أسمرا بزعامة أويس، وهنا لن يكون التوفيق بينهما سهلاً؛ لأنَّ الخلافات العميقة ما بين إثيوبيا وإريتريا سوف تلعب دورها في هذا الأمر.

 

كذلك فإن الموقف الأمريكي غير واضح، فلا يوجد ما يمكن الركون إليه لتأييد الولايات المتحدة لمصالحة تضع الإسلاميين في الحكم، مهما قيل عن كون شيخ شريف شيخ أحمد مصنفًا على أنه شخصية معتدلة.

 

الآن مصير الملايين في الصومال وما حوله معلقٌ على هذا الاتفاق، كيف سيكون الوضع، وكيف سيكون المستقبل.. الله وحده يعلم، والأيام هي التي سوف تُجيب على هذا السؤال.