لا تمر أبدًا زيارات وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس إلى المنطقة دون خسائر، فمتى شوهدت الوزيرة الأمريكية الشَّوهاء في رام الله أو بغداد أو بيروت أو القاهرة، أو في أية عاصمةٍ أخرى، فإنَّه على الجميع أنْ يتوقعوا متاعب عديدة.
قامت رايس بزيارةٍ إلى الكيان الصهيوني والضفة الغربية الفلسطينية المحتلة ومصر، وعلى إثرها تسارعت الأحداث حتى أعلنت حركة حماس وثلاث فصائل فلسطينية أخرى من دمشق مقاطعتها لحوار الفصائل الذي كان من المقرر أن يبدأ اليوم الأحد في العاصمة المصرية القاهرة.
ومن ثَمَّ أعلنت القاهرة عن تأجيل الحوار، وهو ما جاء لحفظ ماء الوجه فقط، فالحوار أُجْهِضَ من قبل أنْ يبدأ، وجاء التأجيل، أو "الإلغاء المقنع" هذا كمحاولة لإيجاد الفرصة الأخيرة من جانب القاهرة، ربما على أمل في أنْ يتم تجاوز الأسباب التي دعت إلى ذلك في غضون الفترة القليلة المقبلة.
ولعل السبب الأساسي في الأزمة هو التنسيق الأمني القائم ما بين السلطة الفلسطينية في رام الله والكيان الصهيوني، والذي يتم بتنسيقٍ ورعايةٍ أمريكيةٍ، عن طريق الجنرال سيئ الذكر والصيت كيث دايتون الذي يحتل منصب المنسق الأمني الأمريكي في الأراضي الفلسطينية.
ويقوم عمل دايتون على أساس مراقبة مدى التزام سلطة المقاطعة في رام الله ببنود وثائق وملاحق اتفاقيات أوسلو في جانبها الأمني، من جهة مدى سيطرة أجهزة الرئاسة الفلسطينية على الوضع الأمني في الأراضي الفلسطينية، ومنع انطلاق أي عمليات مقاومة مسلحة ضد الكيان الصهيوني من قطاع غزة- قبل الحسم العسكري لحماس فيها يونيو 2007م- أو الضفة الغربية.
ومع الأزمة السياسية التي اندلعت بين حماس وفتح بعد فوز الأولى في انتخابات 2006م التشريعية، والأزمة لها أصول وخلفيات أمريكية وصهيونية، حيث تحوَّلت مهمة أجهزة أوسلو من الضبط الأمني إلى القمع السياسي، لتحقيق أجندات سياسية ضيقة ذات طابع شخصي، لا ترقى حتى لأنْ تكون ضمن ترتيبات عملية التسوية بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني مهما كان الرأي منها.
أسباب معلنة
هذه الخلفيات كانت مسيطرة على ذهنية صانع القرار في الفصائل الفلسطينية في دمشق، ولذلك اجتمع أمس السبت، ممثلون عن حركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين والجبهة الشعبية- القيادة العامة وتنظيم الصاعقة، في العاصمة السورية دمشق.
ورفعت خلاله الفصائل ثلاثة مطالب للوسيط المصري، وهي الإفراج عن جميع معتقلي حركة حماس في سجون السلطة الفلسطينية، والتعامل مع كل الفصائل المعارضة لاتفاق أوسلو على قدم المساواة، وأن يبقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس مشاركًا في جميع مراحل الحوار وليس فقط في جلسة الافتتاح؛ حيث تعتبره الفصائل أحد أطراف الأزمة؛ لأنه رئيس حركة فتح، وليس راعيًا للحوار كرئيسٍ للسلطة الفلسطينية كما ترغب منظمة التحرير.
وأبلغت الفصائل الفلسطينية الأربعة القاهرة أنها لن تحضر الحوار ما لم تأخذ القاهرة بعين الاعتبار ملاحظات الفصائل وتحفظاتها على الورقة المصرية الخاصة بالمصالحة الداخلية، والتي تركَّزت على ملف المعتقلين السياسيين لدى السلطة الفلسطينية، والترتيبات الإدارية للحوار على النحو السابق ذكره فيما يخص عباس.
خطاب التخوين
ولم تكتف بعض الأطراف في حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بما يتم على الأرض؛ يوجد ما بين 450 إلى 600 معتقل سياسي فلسطيني من حماس والفصائل في سجون السلطة في الضفة الغربية، تمَّ اعتقالهم ضمن سياقات التنسيق الأمني الفلسطيني- الصهيوني.
![]() |
|
ياسر عبد ربه |
حيث لجأ البعض في فتح والمنظمة إلى خطاب التخوين البغيض ردًّا على موقف حماس والفصائل، فقط اتهم أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه حركة حماس والفصائل الفلسطينية التي قررت مقاطعة اجتماع القاهرة بالعمل على تنفيذ أجندة "بعض القوى الإقليمية"، في إشارةٍ واضحةٍ إلى إيران.
واتهم عبد ربه هذه القوى بأنها لا تريد إنجاح المسعى المصري لتحقيق المصالحة ما بين الفلسطينيين بحسب تصريحاته أمس السبت للصحفيين في رام الله.
والسؤال الآن الموجه إلى السيد عبد ربه هو، بفرض صحة ما قاله، فهل سلطة رام الله ومنظمة التحرير الفلسطينية تتحرك بوحي من ضميرها أو من واقع أجندةٍ ذاتيَّةٍ؟!، وإذا كان الرَّد على هذا السؤال بنعم، فالسؤال الأهم هو: ماذا يفعل كيث دايتون في الضفة الغربية؟!، وماذا تعني الاجتماعات الأمنية الفلسطينية- الصهيونية، وهي الاجتماعات الوحيدة التي ظلَّت مستمرةً طيلة السنوات الماضية التي شهدت جمودًا في مسارات أوسلو ومفاوضات التسوية الفلسطينية/ العربية- الصهيونية؟!.
وأخيرًا، ماذا تفعل رايس في رام الله سوى ممارسة المزيد من الضغوط على السلطة الفلسطينية لتمارس بدورها دور "الحارس الخاص" أو "البودي جارد" للكيان الصهيوني ضد المقاومة الفلسطينية، وضد الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني الذي تمثل في انتخاب ممثلي حركة حماس، أحد أضلاع مشروع المقاومة الفلسطيني الأساسي لحكمه؟.
وسؤال آخر لمَن يروجون هذا الكلام، هل من الأفضل تبني أجندة الأمريكيين والصهاينة أم تبني أجندة قوى الممانعة للمشروع الأمريكي- الصهيوني التوسعي في الشرق الأوسط؟، وعلى فرضية أن المشروع الإيراني في العالم العربي له محاذيره، إلا أن الأولوية بكل تأكيد ستكون لمحاربة مشروع يحاول طمس هوية الأمة، والاستيلاء على خيراتها، والتوسع على حساب أرضها وحقوق أهلها.
تنسيق أمني
كان آخر حلقة من حلقات التنسيق الأمني الفلسطيني- الصهيوني الذي يرعاه الجنرال دايتون، هو نشر 550 عنصرًا من عناصر الأمن التابعين للسلطة الفلسطينية في أنحاء مدينة الخليل، وكانت الأهداف المعلنة من وراء تلك الخطوة هي "السعي لفرض النظام"، و"جمع السلاح من أيدي الجماعات المسلحة غير الشرعية" بحسب مسئولي السلطة.
وبطبيعة الحال يندرج تحت هذا البند حظر أنشطة المقاومة ونزع سلاح عناصرها في الضفة، تحت ضغط التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني، وتحت وطأة المخاوف من تكرار تجربة الحسم العسكري الذي تمَّ في غزة ضد فساد منظمة التحرير وحركة فتح، في الضفة الغربية.
واختيار مدينة الخليل لنشر هذه القوة من بين المدن والمناطق الواقعة تحت السيطرة الأمنية للسلطة الفلسطينية ذاته له دلالة توضح أنَّ ما سبق قوله لا يوجد فيه تجنِّنٍ على أحد، فالمدينة باتت مؤخرًا أحد المحاور الساخنة للصراع المفتوح بين فتح وحماس، مع كونها تدين بالولاء النيابي الكامل لحماس بينما تخضع في نفس الوقت إداريًّا للسلطة الفلسطينية.
ونشر القوة الأمنية الجديدة القادمة من الأردن بتدريبٍ أردنيٍّ وتعمل بدعمٍ لوجستيٍّ ومعلوماتيٍّ أمريكيٍّ وصهيونيٍّ هو قرار خاطئ، واستفزازي بطبيعة الحال لأنَّه- على الأقل- يُفاقم الأجواء المحتقنة أساسًا في المدينة في المدينة.
![]() |
|
فوزي برهوم |
وهو ما أكد عليه فوزي برهوم أحد المتحدثين باسم حركة حماس؛ حيث قال: "نشر قوات أمن السلطة في الخليل يأتي تطبيقًا لخطة دايتون الخطيرة في إطار التنسيق الأمني مع المحتل الصهيوني، وأيضًا مكافأةً لها على ما قامت به من تصفيةٍ لقوى الممانعة الفلسطينية وإنهاء المقاومة وحماية المغتصبين الصهاينة وجنود الاحتلال الصهيوني".
ونص خطة دايتون على حزمةٍ من الإجراءات الأمنية، التي تتم بالتنسيق بين السلطة الفلسطينية وتل أبيب لوقف هجمات المقاومة ضد الكيان الصهيوني، غير أن تعثرها في غزة نتيجة سيطرة حماس على القطاع حول الأنظار إلى الضفة وسط دعوات صهيونية وغربية أمريكية لإحكام قبضة الرئاسة الفلسطينية عليها منعًا لسيطرة الحركة عليها هي الأخرى.
وبطبيعة الحال كان لكلِّ ذلك تأثير على خطوات المصالحة الفلسطينية، والطريف أنَّ إعلان فشل حوار القاهرة بسبب الممارسات الأمنية لسلطة المقاطعة في رام الله جاء في ذات توقيت مشاركة السلطة في اجتماعٍ للجنة الرباعية الدولية في مدينة شرم الشيخ، اللجنة الرباعية التي لم تفعل شيئًا إلى الآن للقضية الفلسطينية سوى التسويف والمماطلة بينما آلة الحرب الصهيونية تعمل عملها الدموي في الضفة وغزة، وخناجر المغتصبين الصهاينة في الضفة الغربية تُدمي الجسد الفلسطيني الجريح.

