شهد الكيان الصهيوني صباح أمس الثلاثاء 11/11/2008 إجراء الانتخابات المحلية لبلديات فلسطين المحتلة عام 1948م، بالإضافة للمناطق التي ضمها الاحتلال إبان هزيمة 1967 وما بعدها، ومن بينها القدس الشريف المحتلة.

 

وتعتبر معركة الانتخابات البلدية في القدس المحتلة واحدةً من أشكال الصراع الممتد بين العرب والصهاينة؛ حيث تفاعلت في الفترة الأخيرة مجموعة من الأحداث التي أوضحت أن ملف القدس سيظل أحد الملفات الساخنة خلال سنوات الصراع القادمة.

 

وثمة ملاحظة واجبة في هذا الإطار قبل التعرض لملف الانتخابات البلدية الحالية في الكيان الصهيوني، وهي أنَّ ملف القدس مرتبط بملف آخر أوسع منه، وهو ملف الوجود العربي في فلسطين، والذي اتضح أنَّه بات على قائمة أولويات اهتمامات صانع القرار الصهيوني.

 

ويدلل المراقبون على ذلك بالاشتباكات الأخيرة التي جرت في مدينة عكا الساحلية، والتي اتضح من ملابساتها أنَّ الأمور تجري في الكيان الصهيوني نحو مخطط مرسومٍ له يتعلق بالوجود العربي والإسلامي في فلسطين، سواءٌ على مستوى البشر أو على مستوى الجغرافيا والتراث والمعالم.

 

ويقول مراقبون إن الانتخابات البلدية التي جرت أمس في الكيان الصهيوني بمثابة مؤشر على الانتخابات العامة الصهيونية في فبراير القادم 2009م؛ حيث إن التنافس على المقاعد البلدية في المدن الكبرى وبعض البلدات المتاخمة لقطاع غزة سيحمل مؤشرًا على مدى شعبية الأحزاب قبل الانتخابات العامة.

 

وقد تنافست في انتخابات القدس البلدية هذا العام ثلاث قوائم انتخابية؛ ترأَّس القائمة الأولى الحاخام مائير بوروش وهو متطرف يهودي، وترأَّس الثانية نير بركات الذي خدم في سلاح المظليين بالجيش الصهيوني، وهو رجل أعمال قومي متشدد، أما القائمة الثالثة فبزعامة الملياردير الروسي الأصل أركادي جايدماك، وتعتبر قائمة بركات الأوفر حظًّا في هذه الانتخابات؛ بحسب تأكيدات المتابعين لها.

 

ووفق النتائج الأولية فقد فاز بركات كما كان متوقَّعًا، بحسب ما أفادت به صحيفة الـ(جيروزاليم بوست) الصهيونية؛ حيث قالت إنه بعد فرز 380 من أصل 707 مراكز اقتراع؛ أعطت النتائج الأولية بركات فوزًا بنسبة 53% على أقرب منافسيه الحاخام مائير بوروش.

 

وكانت نسبة المشاركين في الانتخابات بمدينة القدس 41% مقارنةً بـ38% خلال الانتخابات الماضية التي جرت منذ 5 أعوام، وبفوز بركات تنتهي فترة ولاية اليميني المتطرف أوري لوبوليانسكي المتديِّن المتشدِّد في رئاسة بلدية القدس، وإنْ كانت التقديرات تشير إلى أنَّ المرشحين الثلاثة- بمن فيهم بركات- لم يختلفوا كثيرًا في برامجهم التي دعمت الاحتلال.

 

بلديات عربية

وبحسب الإحصائيات الرسمية الصهيونية؛ فإن عدد أصحاب حق الاقتراع في الانتخابات البلدية في عموم فلسطين المحتلة يتجاوز الملايين الأربعة، ويدلون بأصواتهم في 159 بلدة جرت فيها الانتخابات، منها نحو 50 بلدة ذات أغلبية عربية.

 

وقد جرت هذه الانتخابات على ظلال أزمات عدة؛ من بينها الاحتقان القائم ما بين العرب والصهاينة في الداخل، والأزمة المالية الحادة التي يعاني منها الحكم المحلي في البلدات العربية؛ حيث تعتبر الدورة المنتهية إحدى الفترات الأكثر قسوةً بالنسبة للبلدات العربية؛ بسبب العجز المالي الكبير الذي تعاني منه مجالسها؛ الأمر الذي جعل السكان في بعض البلدات يفتقرون إلى الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المياه النقية وجمع النفايات.

 

كما تم حل عدد من السلطات المحلية العربية من جانب السلطات الصهيونية بمبرر واحد، وهو "الفشل الإداري" بسبب الفساد، ووجود تجاوزات في إدارة الميزانيات والتوظيف؛ بحسب مصادر عرب 48، ويتم في العادة استبدال البلديات العربية المنتخبة من قِبَلِ وزارة الداخلية بلجنة مُعيَّنة لإدارة شئون البلدات العربية، وفي الغالب يكون على رأس هذه اللجان جنرالات وضباط متقاعدون من اليهود أو شخصيات شغلت مناصب أمنية في السابق.

 

 الصورة غير متاحة

لاجئون في أحد المخيمات عقب تهجيرهم من فلسطين عام 48

 وفيما يخص البلديات العربية: دبورية، طرعان، يركا، كفر مندا، الطيبة، وكفر كنا، طوبا الزنجرية، باقة الغربية، جت، زيمر.. لم تُجرَ الانتخابات هذا العام؛ بسبب حلِّ مجالسها المحلية وتعيين لجان معينة لإدارة مجالسها، ولذلك شكَّل الأهالي العرب في معظم هذه البلدات لجانًا شعبيةً من أجل التصدي لهذه اللجان التي عيَّنتها وزارة الداخلية الصهيونية، والمطالبة بإجراء انتخابات فيها.

 

وقد شهدت البلدات العربية نشاطاتٍ وحملاتٍ انتخابيةً مكثفةً للمرشحين الذين يتنافسون في قوائم رئاسة وعضوية البلديات، وشكِّلت هذه القوائم في معظمها بناءً على روابط عائلية، كما تحاول الأحزاب العربية أخذ دور فاعل في هذه الانتخابات.

 

ففي بعض البلدات العربية خاضت الأحزاب العربية الانتخابات في قوائم منفردة تتنافس فيما بينها؛ فمثلاً يخوض التجمع الوطني الديمقراطي الانتخابات في 22 بلدة عربية، وفي بعض البلدات تشكَّلت قوائم مشتركة لعدد من الأحزاب والقوى الوطنية، وخاصةً في المدن المختلطة التي باتت غالبية المواطنين فيها من اليهود، وفي الأغلب تكون قضية الحفاظ على الوجود العربي وحقوق المواطنين العرب في صلب البرامج الانتخابية.

 

وجرت الانتخابات في ظل إجراءات أمنٍ مشددةٍ؛ حيث أعلنت الشرطة الصهيونية حالة التأهب القصوى في صفوفها يوم الانتخابات واليوم الذي يليه؛ حيث تم نشر نحو 10 آلاف من أفراد الشرطة الصهيونية في مختلف المناطق.

 

احتقان

أجواء الاحتقان بلغت ذروتها في انتخابات القدس البلدية؛ ذلك أن القدس شهدت في الفترة الأخيرة مجموعةً من المواجهات والأحداث التي أوضحت أن الأمور فيها تتجه إلى الاشتعال بفعل سياسات سلطات الاحتلال الصهيوني، وكان آخر هذه الاحتقانات تلك الاشتباكات التي وقعت في كنيسة القيامة بين الروم الأرثوذكس والأرمن المدعومين من سلطات الاحتلال الصهيوني.

 

من قبلها خرج نحو 3 آلاف شخص من أهل القدس من مسلميها ومسيحييها إلى شوارع المدينة المحتلة؛ احتجاجًا على قرار المحكمة العليا الصهيونية الذي يسمح ببناء ما يسمَّى بـ"متحف التسامح" على رفات مقبرة "مأمن الله" التاريخية المدفون فيها عدد كبير من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم،  وذلك بخلاف الاقتحامات المتكررة من جانب قوات الأمن والمغتصبين الصهاينة للحرم القدسي الشريف والاعتداءات المستمرة على الفلسطينيين.

 

 الصورة غير متاحة

المواجهات بين العرب والصهاينة في القدس 1948م

 وفي حقيقة الأمر فإنَّ أوضاع المقدسيين شديدة السوء بسبب الممارسات الصهيونية فقد كشف تقرير للجبهة الإسلامية المسيحية للدفاع عن القدس والمقدسات عن ارتفاع نسبة الفقر في أوساط المقدسيين الفلسطينيين إلى أكثر من 68%، كما كشف عن أن أكثر من 9 آلاف طالب مقدسي من مختلف المراحل التعليمية وجدوا أنفسهم محرومين من التعليم في بداية العام الدراسي الحالي؛ نتيجةَ عدم قدرة المدارس العربية في المدينة على استيعابهم.

 

بالإضافة إلى معاناة فلسطينيي القدس من مشكلات عديدة نتيجة قانون أملاك الغائبين سيِّئ الصيت، والذي ينص على أن أملاك كل من يعيش في "أرض إسرائيل"- حسب نص القانون أو "فلسطين التاريخية" بالمسميات الصحيحة- ولا يعيش ضمن حدودها (أي انتقل للعيش في الضفة أو غزة) فإن أملاكه ستعتبر أملاك غائبين، وتكون تحت تصرف "حارس الأملاك" الذي ينقلها بدوره لأملاك الدولة، وكلها هيئات رسمية صهيونية.

 

وتم سنّ هذا القانون في العام 1950م، ويُعرّف الغائب على أنَّه من كان أثناء حرب 1948م يوجد خارج "الأراضي الإسرائيلية"؛ أي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبناءً عليه أقيمت مؤسسة "الوصي على أملاك الغائبين"، وتشمل أملاك الغائبين الأراضي والمباني والأوقاف، كما شملت حسابات البنوك والمعدات والآلات الزراعية.

 

مقاطعة وتطبيع

منذ هزيمة يونيو 67 اعتاد الفلسطينيون مقاطعة الانتخابات البلدية التي تتم في القدس المحتلة، باعتبار أنَّها غير شرعية؛ لكونها تُنظَّمها سلطات الاحتلال، إلا أنه في الفترة الأخيرة ظهرت بعض الأصوات العربية التي تدعو إلى المشاركة في هذه الانتخابات على أساس أن وضع البلدية خدمي وليس سياسيًّا، كما أنَّ المقاطعة تعني ألا يكون للعرب دورٌ في إدارة أمور بلديتهم، وابتعادهم عن مراكز صناعة القرار.

 

ومن بين هذه الأصوات حنا السنيورة، صاحب جريدة (الفجر) الفلسطينية سابقًا، وأحد الشخصيات المقدسية المصنَّفة سياسيًّا على أنها مستقلة، إلا أنَّ مستشار رئيس الوزراء الفلسطيني لشئون القدس حاتم عبد القادر فنَّد ذلك بالقول: "القضية ليست قضية خدمات.. القضية لها بعد سياسي بتكريس الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية"، كما أنه شكَّك في جدوى المشاركة في هذه الانتخابات من جانب المقدسيين الفلسطينيين من جهة مسألة ضرورة المشاركة في صناعة القرار؛ حيث لا تلتزم السلطات الصهيونية بقرارات البلديات العربية في داخل فلسطين 48، فكيف سيكون الحال في القدس؟!

 

كما أن قاضي قضاة فلسطين الشيخ تيسير التميمي أصدر فتوى بتحريم المشاركة في انتخابات بلدية القدس على مستويي الانتخاب أو الترشيح على حدٍّ سواء، على اعتبار أنَّ الانتخابات تتم تحت إدارة السلطات الصهيونية، ولاختيار أعضاء بلدية صهيونية رسميًّا، وهو ما يعني اعتراف المواطنين العرب في القدس لو شاركوا في هذه الانتخابات على مختلف المستويات السياسية والقانونية بشرعية الإجراءات الباطلة التي تتبنَّاها السلطات الصهيونية على الأرض من تهويدٍ واغتصابٍ.

 

وأصدر التميمي فتواه هذه في مؤتمر صحفي عقدته الجبهة الإسلامية المسيحية للدفاع عن القدس والمقدسات في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر الماضي، وقال فيه: "إن الموقف الديني والوطني يحرِّم المشاركة بالانتخابات، سواءٌ بالترشيح أو الانتخاب في بلدية القدس".

 

وقد عرض التميمي مقتطفاتٍ من البرنامج الانتخابي لبركات؛ باعتباره كان من الواضح أنه الأوفر حظًّا في هذه الانتخابات.. هذه المقتطفات تشير إلى أنَّه يهدف إلى تكريس المشروع الصهيوني في القدس؛ حيث سيقيم مثلاً مغتصبةً للأزواج الجدد في منطقة تقع بين عناتا ومخيم شعفاط، وينوي فتح نفق جديد يمتد حتى باب المغاربة في الحرم القدسي الشريف.

 

كما أن بركات أعلن بوضوح أنه سيصوِّت في انتخابات الكنيست المبكرة في فبراير القادم لصالح حزب الليكود وأحزاب أخرى متطرفة لا تعترف بحقوق الفلسطينيين في القدس، ولها برنامج أسود فيما يخص المسجد الأقصى!.