بدأت تتضح معالم إدارة الرئيس الأمريكي المنتخَب باراك أوباما تدريجيًّا، ولَئِنَ كان هناك ملمحٌ بارزٌ لها، فهو سيطرة عناصر يهودية أو جمهورية شديدة الولاء للكيان الصهيوني، وتُعتبر محسوبةً على تيار جديد ظهر في السياسة الأمريكية، وهو تيار الواقعيين الجدد، المرتبط بالديمقراطيين بالأساس، وظهر هذا الاتجاه كردِّ فعلٍ أساسيٍّ على ظهور تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، والذي حكم البلاد طيلة سنوات إدارتَيْ الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جورج بوش الابن.

 

التشكيلة المحتملة لإدارة أوباما لا تعني سوى أمرَيْن: الأول هو أنَّ الاتجاه العام لسياسات أوباما على المستوى التنفيذي الخارجي لن تكون على قدر طموحات برنامجه الانتخابي، ولا على قدر طموحات "حرافيش" أمريكا والعالم الثالث ممَّن تحمسوا لأنْ يكون أوباما هو ممثلهم الشرعي في البيت الأبيض، والذين رأوا فيه "علي الزيبق"- بطل شعبي مصري حارب الفساد والظلم في أحد عصور المماليك في مصر- الأمريكي.

 

أما الأمر الثاني فهو أنَّ السياسات الأمريكية خلال المرحلة القادمة لن نقول إنَّها سوف تتشابه مع إدارة الرئيس "الغبي" بوش الابن- حسب وصف شعبه له- ولن نقول أيضًا إنَّها سوف تكون ضد المصالح العربية والإسلامية على طول الخط.

 

نقول إنَّها ستكون متسمةً بِسِمَتَيْن أساسيَّتَيْن: الأولى هي انحصارها في إطار مراعاة المصالح الأمريكية القومية فقط كما يرغب أصحاب تيار الواقعيين الجدد، والثانية هي التناقض الذي سينشأ بين برنامج أوباما الطموح للتغيير وتأثيرات عناصر إدارته المفتاحيين الجديدة.

 

وفي البداية.. بعد الانتخابات حاول الفريق الانتقالي لأوباما التخفيف من وطأة خيبة الأمل التي بدأت تظهر في الولايات المتحدة والعالم بعد مؤتمره الصحفي الأول، وتصريحاته الأولية بعد فوزه؛ حيث أعلن فريق أوباما الذي يقوده جون بوديستا أن أوباما سيضع ما وصفوه بـ"قواعد أخلاقية صارمة" للحد من تأثير جماعات الضغط على الإدارة الأمريكية المقبلة.

 

وقال بوديستا في تصريحاتٍ نقلتها صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية يوم الثلاثاء الماضي إن هناك تعليمات جديدة للرئيس المنتخَب: "لن تسمح لجماعات الضغط وممثِّليهم بالعمل مع الفريق المختص بتأمين انتقال السلطة"، إلا أنَّ الشاهد في الترشيحات والتعيينات الجديدة أنَّ ذلك لم يحدث.

 

ضغوط

وفي هذا يشير الدكتور طارق الكحلاوي أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة "روتجرز" الأمريكية إلى أنَّ أوباما كان في بداية حملته حريصًا على إحاطة نفسه بنمطٍ من المستشارين التقليديين للمرشحين الديمقراطيين، مثل مارك ليبرت مستشاره الشاب للشئون الخارجية في ربيع عام 2007م، وكان يعمل تحت إشراف "واقعي تقليدي" مثل ريتشارد هولبروك الذي سوف نعرض بعض ملامح شخصيته في موضعٍ لاحقٍ.

 

إلا أنَّه بعد ذلك ظهر داخل وحول الحزب الديمقراطي تيار جديد أطلق عليه الكحلاوي اسم "الواقعيين الجدد" الذين كانوا يحاولون التمايز عن تيار "المحافظين الجدد" في الحزب الجمهوري، وعن "الواقعيين التقليديين" في الحزب الديمقراطي.

 

التيار الجديد الذي يحكم الحزب الديمقراطي الآن يركِّز على صياغة التحالفات؛ ليس على أساس ثوابت إستراتيجية ذات خلفيات أيديولوجية أو عقدية، كما يقول المحافظون الجدد، ولكن على أساسٍ آخر يستهدف قبل كل شيء خصوصية ما يطلقون عليه اسم "المصلحة القومية الأمريكية".

 

هذا التيار ارتبط بالأساس بمجموعةٍ من الأشخاص ذوي الهوى الصهيوني، ورأوا في بداية حملة أوباما أنَّه يثير القلق بأطروحاته للتغيير، وكذلك بمن يحيط نفسه بهم من مستشارين داخل الحليف الصهيوني الأول للولايات المتحدة؛ لذلك ظهرت تحولات خطاب أوباما، واصطبغت تحالفاته وتعييناته الجديدة أيضًا بهذه الضغوط.

 

اتجه أوباما إلى إعادة تشكيل خطابه الانتخابي بشكل يُطمئِن اللوبي الصهيوني داخل الديمقراطيين وداخل الولايات المتحدة، وقبل الانتخابات بأشهرٍ قليلةٍ قام أوباما بضم رموز تقليدية من داخل الحزب الديمقراطي من العاملين في شئون الشرق الأوسط، خاصةً من المساعدين السابقين للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، إلى قائمة مستشاريه.

 

واستمرَّت الأوضاع على ما هي عليه حتى نهاية شهر أكتوبر الماضي؛ حيث بدأت تتسرَّب الأنباء عن أسماء المرشَّحين لمناصب في إدارة أوباما، بما في ذلك مناصب السياسة الخارجية، وجمعت بين وجوه إدارة كلينتون وبعض اليهود، والجمهوريين التقليديين الذين عارضوا الحرب على العراق مثل السيناتور تشاك هاجل.

 

صهيوني كبيرًا للموظفين!!

كانت بداية مخاض ذلك النهائي بعد الانتخابات مع قرار أوباما باختيار عضو الكونجرس الديمقراطي عن ولاية إلينوي رام إيمانويل، لمنصب كبير موظفي البيت الأبيض، وإيمانويل يهودي كان قد خدم في إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، ومعروفٌ بولائه للكيان الصهيوني بطبيعة انتمائه وأصوله.

 

فهو من عائلة تحمل جنسية الكيان الصهيوني، ووالده بنيامين إيمانويل صهيوني رسميًّا، وكان ينتمي إلى منظمة "إيتسيل" التي يعرفها أهل فلسطين والعرب باسمٍ آخر هي "الأرجون زفاي ليئومي" الصهيونية الإرهابية التي خاضت حرب عصابات ضد العرب في فلسطين، وكان لها دور بارز في الإعلان عن قيام دولة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين في عام 1948م، وكانت مسئولةً مع عصابات أبراهام شتيرن عن مجزرة دير ياسين الشهيرة التي قال عنها زعيم الأرجون الإرهابي الهالك مناحيم بيجين إنَّها كانت أحد أهم المحطات التي قادت إلى قيام الكيان.

 

ولعل أبرز تعليق قيل بعد اختيار إيمانويل هو ما قاله الخبير بالشأن الأمريكي باسم خفاجي، وهو تصريحٌ بسيطٌ وفي ذات الوقت يُعبِّر عن حقيقة الموقف؛ حيث أشار إلى أنَّه في حال اختيار أوباما يهوديًّا آخر لمنصب وزير الخارجية الأمريكية بعد اختياره إيمانويل في منصب كبير موظفي البيت الأبيض- وهو أهم منصب في الإدارة الأمريكية بعد الرئيس؛ فهو المستشار الأول للرئيس- "فإن ذلك سيكشف بوضوح عن أن السياسة الأمريكية في عهد الرئيس المقبل ستكون كاملة الانحياز لـ"إسرائيل"، ولن تختلف عن سياسة الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش الابن".

 

ولـ"جون بوهنر" زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب الأمريكي، تعليق طريف على ذلك الاختيار؛ حيث أصدر بيانًا قال فيه: "هذا خيار يُثير الاستغراب من الرئيس المنتخَب الذي وعد بالتغيير في واشنطن، وأن يجعل السياسة أكثر تحضرًا".

 

وزارة الخارجية

والآن لنطالع ترشيحات وزارة الخارجية ذاتها؛ الترشيحات التي أوردها معهد الأمن العالمي وبعض وسائل الإعلام العربية والأمريكية، تقول إنَّ هذا المنصب إما سوف يذهب إلى يهودي أو إلى جمهوري أو من يدين بالولاء للكيان الصهيوني، ويعادي العرب.

 

فمبدئيًّا.. كلَّف أوباما وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت والسيناتور الجمهوري السابق جيم ليتش بلقاء الوفود الأجنبية التي ستشارك في القمة المالية العالمية التي ستستضيفها واشنطن الأسبوع الحالي.

 

 الصورة غير متاحة

أولبرايت هي من برَّر مصرع نصف المليون طفل عراقي نتيجة الحصار في التسعينيات، باعتبارات المصالح الأمريكية؛ فعندما سألها الصحفيون في واشنطن عما إذا كان الثمن الإنساني للحصار على العراق يستحق ذلك، أجابت: "نعم.. إنَّه يستحق"!!.

 

وعودةً إلى الوجوه المرشَّحة لمنصب وزارة الخارجية، فمن أبرز الأسماء المرشحة اليهودي سام نان، وهو سيناتور سابق عن جورجيا، ورأس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ.

 

يليه في الترشيحات المندوب الأمريكي السابق لدى الأمم المتحدة ريتشارد هولبروك، وهو رئيسٌ فخريٌّ لمنظمة يهودية تسمى "العدالة ليهود الدول العربية"، وأُنشئت بهدف المطالبة والمساعدة على حصول اليهود الذين هاجروا من الدول العربية على تعويضاتٍ من هذه الدول عن أملاك مزعومة صودرت.

 

والهدف- بطبيعة الحال- من وراء تأسيس مثل هذه المنظمة هو "خلق" ملف لا وجود له بعنوان "اللاجئين اليهود المطرودين من الدول العربية"، والقول إنهم يملكون حق العودة والتعويض، في محاولةٍ لمقايضة ذلك بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي طُردوا منها في الحروب العربية الصهيونية.

 

وعلى القائمة أنتوني ليك مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون (1992-2000)، وهو يؤمن بحصار إيران وعزلها، وقد اعتنق الديانة اليهودية مؤخرًا، وهناك دانيال كيرتزر، السفير الأمريكي السابق بالقاهرة، وهو يهودي أرثوذكسي، ولا يُستبعَد أن تضم القائمة أيضًا يهوديًّا مثل روبرت مالي خبير شئون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي في عهد كلينتون.

 

الأهم من ذلك أنَّه من بين المرشَّحين لمناصب في وزارة الخارجية اليهودي الجمهوري دينس روس الذي عمل في إدارة كلينتون الديمقراطية، وكان يعمل مبعوثًا أمريكيًّا إلى الشرق الأوسط ومنسقًا لما يُعرف بعملية السلام في الشرق الأوسط، ويعمل حاليًّا مستشارًا في معهد سياسات الشرق الأدنى في واشنطن، وهو أحد الوجوه الأكاديمية للمخابرات المركزية الأمريكية.

 

وكان روس أحد مستشاري حملة أوباما الانتخابية لشئون الشرق الأوسط، وله تصريح طريف عن القضية الفلسطينية والسياسة الأمريكية إزاءها في عهد أوباما؛ حيث قال إنَّها لن تتقيَّد بجداول زمنية مثل خطة خريطة الطريق التي طرحها بوش الابن.

 

وبنى روس الجمهوري دعمه لأوباما الديمقراطي على أساس أن أوباما يفهم علاقة الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني، ويعتبر الالتزام الأمريكي تجاهه هو التزامًا بالعقل والقلب، بحسب تصريحاته التي أوردتها جريدة الـ(هآرتس) الصهيونية في عددها الصادر في 25 أكتوبر الماضي، خلال مقابلةٍ جرت مع روس.

 

كما جاء على قائمة ترشيحات أوباما لهذا المنصب مجموعة من الجمهوريين غير اليهود، وهو ما فُسِّر على أنه محاولة من أوباما "لاسترضاء الجمهوريين"، ومن بينهم السيناتور تشاك هاجل، وهو عضو بارز في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، وقد رافق أوباما في جولته الشرق أوسطية التي قام بها في يوليو الماضي، وشملت العراق والكيان الصهيوني.

 

وهناك السيناتور الجمهوري ريتشارد لوجار، الذي يدل سلوكه التصويتي والمواقف السياسية التي طرحها خلال فترة رئاسته للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، على الكثير من التشدد إزاء ملف العلاقات العربية الأمريكية، وبخاصةٍ مصر؛ حيث هو أحد أبرز وجوه الكونجرس التي تدعو إلى تخفيض المعونة الأمريكية لمصر، ودعم ملف الأقليات فيها.

 

وشملت الترشيحات الأخرى لمنصب وزير الخارجية كلاًّ من السيناتور جون كيري المرشح الديمقراطي في انتخابات الرئاسة عام 2004 على قائمة الترشيحات، وهو أحد قدامى مقاتلي حرب فيتنام، وانتُخب لأول مرة لعضوية مجلس الشيوخ في عام 1984م، وبيل ريتشاردسون الحاكم الديمقراطي لولاية نيو مكسيكو الذي كان سفيرًا لبلاده في الأمم المتحدة.

 

وزارة الدفاع

 الصورة غير متاحة

 روبرت جيتس

الطريف أنَّ ترشيحات وزارة الدفاع تشمل الوزير الحالي روبرت جيتس (!!) الذي يخدم في إدارة المحافظين الجدد الحالية، والذي استطاع بعد توليه هذا المنصب في ديسمبر 2006م محل المتطرف دونالد رامسفيلد أنْ يحل الملف الأمني في العراق سياسيًّا عن طريق خبرته الأخرى كمديرٍ لوكالة المخابرات المركزية في الفترة من العام 1991م حتى العام 1993م، وبجانب جيتس هناك ريتشارد دانزيج، وهو مستشار عسكري لأوباما، وعمل وزيرًا للبحرية في عهد كلينتون، كما كان وكيلاً لوزارة البحرية من الفترة من العام 1993م وحتى العام 1997م.

 

إدارة كلينتون!!

أمَّا عن الترشيحات للوزارات الأخرى، فتشير الترشيحات إلى أنَّ الأمر لن يكون مختلفًا عن فترة حكم بيل كلينتون، وهو ما يخالف مبدأ التغيير العام الذي دعت إليه حملة أوباما.

 

فبالنسبة للمرشَّحين لوزارة العدل هناك إيريك هولدر الذي عمل نائبًا للوزير في عهد كلينتون، وكان أحد كبار المستشارين القانونيين لحملة أوباما؛ تليه على قائمة الترشيحات حاكمة أريزونا جانيت نابوليتانو التي انتُخبَت لأول مرة عام 2002م، وأعيد انتخابها في 2006م، وهي مدعية أمريكية سابقة، ومؤيدة لقطاع الأعمال الأمريكي، وهو ما يخالف برنامج أوباما الاقتصادي الذي أعلى من شأن أصحاب الطبقة الوسطى، وأعطاهم وعودًا كثيرة.

 

أمَّا بالنسبة لوزارة الخزانة فهناك لورنس سمرز الذي تولَّى ذات المنصب في عهد كلينتون، وكان رئيسًا سابقًا لجامعة هارفارد، وأحد كبار مستشاري أوباما في حملته الانتخابية، وبجانب سمرز هناك تيموثي جيثنر، وهو رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وكان وكيلاً لوزارة الخزانة للشئون الدولية خلال إدارة كلينتون الثانية.

 

أمَّا المرشحون لمنصب مدير مكتب الإدارة والميزانية فيأتي على رأسهم بيتر أورزاج الذي يترأَّس مكتب ميزانية الكونجرس غير الحزبي منذ يناير 2007م، وكان مستشارًا اقتصاديًّا لكلينتون، وشغل لفترةٍ منصب الممثل التجاري الأمريكي، يليه دان تارولو الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة جورج تاون، وهو متخصِّص في التجارة والاقتصاد الدولي، وعمل كمساعدٍ في البيت الأبيض لكلينتون في مجال التحضير لاجتماعات مجموعة الدول الصناعية السبع.

 

وأخيرًا.. فيما يخص وزارة الزراعة- وهي إحدى أهم وزارات الاقتصاد في الإدارة الأمريكية، وكثيرًا ما أثارت سياسات الدعم الذي تقدِّمه للمزارعين الأمريكيين سخط الحلفاء الأوروبيين- فقد جاء على رأس الترشيحات تشارلز شتينهولم، وهو عضو ديمقراطي سابق بالكونجرس من تكساس، وكان مُنتِجًا للقطن قبل ترشيح نفسه للكونجرس؛ يليه توم فيلساك، وهو حاكم سابق لولاية آيوا، وفي 2006م أعلن ترشيح نفسه للرئاسة، وسرعان ما انسحب وأيَّد في وقت لاحق سيناتور نيويورك هيلاري كلينتون، وهو محامٍ تخصَّص في الحفاظ على الطاقة والطاقة المتجددة وتنمية المشروعات الزراعية، وله برنامج جيد في مجال التخلي عن النفط العربي لحساب مصادر الطاقة الأخرى، وأخيرًا هناك حاكمة كنساس كاثلين سيبيليوس التي أعيد انتخابها لفترة ثانية في 2006م.