لم يمنع كبر السن والبرد الشديد الحاج محمود الشيخ من حمل الشمعة وسط المتظاهرين ليشارك عشرات الأطفال والمواطنين الفلسطينيين الذي تجمهروا وسط غزة في مسيرة شموع حاشدة تحديًا لانقطاع الكهرباء وحصار غزة.

 

وتغرق أجزاء كبيرة من مدينة غزة، منذ عدة أيام في ظلام دامس، بعد توقف محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع عن العمل بسبب قطع الكيان الصهيوني لإمدادات الوقود كجزء من العقوبات التي تفرضها على سكان قطاع غزة.

 

وكانت شركة الكهرباء الفلسطينية قد عانت مؤخرًا من نفاد السولار الصناعي اللازم لتوليد الكهرباء؛ الأمر الذي أثر على وصول التيار للمواطنين.

 

وقال الحاج الستيني الذي رسمت التجاعيد ملامح وجهه وهو يرفع كفيه إلى السماء فيما يحبس دموع عينيه التي يوجهها صوب الأطفال المتجمعين حوله: "هذا قدرنا ولن يضيرنا الله"، موضحًا أن قطع الكهرباء يؤثر في كافة أعمال ومحلات أبنائه، مستدركًا أن امتلاكه مولد كهرباء لن يحُول دون ذلك مع انقطاع المحروقات أيضًا.

 

ووجَّه الشيخ رسالةً لأبناء شعبه قائلاً: "اصبروا.. وكلما زاد الحصار اقترب الفرج وزدتم قوة"، مخاطبًا الرئيس عباس وحكومته: "حسبنا الله ونعم الوكيل".

 

وجاب مئات المواطنين والمسئولون- حاملين الشموع- شوارع مدينة غزة المكحلة بالظلام والتي خلت بعضها من المشاة والمركبات؛ وسط هاجس يراود الغزيِّين من كارثة إنسانية وبيئية قد تلحق بهم.

 

علامات القلق والحيرة بدَت على وجوه المحتشدين، والذين ردَّدوا شعارات مندِّدة بالصمت العربي والدولي إزاء ما يحدث في القطاع، وهتفوا "لا لحصار غزة"، "ستنتصر غزة وينكسر الحصار"، "الحصار من خلفكم والبحر من أمامكم"، "نريد أن نعيش مثل أطفال العالم".

 

المواطنون الذين شاركوا في المسيرة التي تقدمها رئيس اللجنة الشعبية النائب جمال الخضري وأعضاء اللجنة والعديد من الشخصيات، حملوا شموعًا صغيرةً تعبيرًا عن رفضهم للحصار وقطع الكهرباء وتحديهم في الوقت ذاته كافة الإجراءات الصهيونية بكل الوسائل.

 

وشارك في المسيرة جميع شرائح الشعب الفلسطيني من مختلف الأعمار، حاملين العلَم الفلسطيني والرايات والشعارات الرافضة للحصار وظلم الاحتلال وعدوانه، ومطالبين بتدخل دولي وعربي وإسلامي فوري لإنهاء هذه المعاناة.

 

وسارت مسيرة الشموع من ساحة الجندي المجهول غرب مدينة غزة حتى مفترق السرايا وهي تهتف ضد الحصار وشعارات عديدة؛ منها "سينتهي الحصار وتنتصر غزة.. لا لحصار غزة.. افتحوا المعابر المغلقة".

 

وبدأت معالم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة تتجلى مع استمرار إغلاق المعابر لليوم الـ13، بتوقف المخابز بشكل متتابع، وانقطاع التيار الكهربائي في أغلب المناطق، إضافة إلى الآثار الكارثية لتوقف الأنوروا عن تقديم خدماتها لأهالي القطاع.

 

وحذرت مؤسسات دولية ومحلية من التداعيات الخطيرة لأزمة الوقود على الأوضاع المتفاقمة في قطاع غزة، معتبرةً أن سكانه يتعرضون لإبادة جماعية حقيقية، قد تُدخل المنطقة في كوارث مع وجود دلالات لانتهاء التهدئة بسبب خروقات الاحتلال لها بعملياته التي أوقعت 17 شهيدًا خلال الأسبوعين الماضيين.

 

الطفل يوسف أحمد (9 سنوات) قال ببراءة الطفولة عن سبب وجوده بين الجموع في أجواء الصقيع: "أريد أن يفك الحصار"، واصفًا أجواء غزة وهو يحمل شمعةً بيده بأنها ليست جيدة بعد انقطاع الكهرباء، مضيفًا بحسِّه الطفولي: "نعيش في معاناة والمرضى سيموتون إذا استمر انقطاع التيار الكهربائي".

 

 الصورة غير متاحة

أسرة غزاوية تتناول عشاءها على ضوء الشموع

أما الطفل سامح (13 عامًا) قال: "الله موجود"، مشيرًا إلى أنه كان يقضي سنويًّا إجازته الصيفية مع عائلته في مصر غير أن إغلاق المعابر منعهم هذا العام.

 

وانتظر الطفل "براء" ذو الخمسة أعوام أن يطفئ من حوله- وخاصةً الأطفال- الشموع، وتضيء المنطقة بالكهرباء بعد أن غرقت في الظلام الدامس، دون أن يدري أن إشعال الشموع ليس من باب الفرح أو ألعاب الأطفال، وإنما لإضاءة النور بعد أن غرق في الظلام الدامس جرَّاء توقف محطة الكهرباء.

 

الطفل "براء" خرج من بيته القريب من مفترق السرايا وسط مدينة غزة، ليشارك عشرات الأطفال الذين تجمهروا قرب المفترق بدعوة من اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار في مسيرة شموع تحديًا لانقطاع الكهرباء وحصار غزة.

 

لكن الطفل "طارق" بدا أكثر وعيًا من غيره حين قال: "غزة عتمة.. ولا نرى شيئًا في البيت.. أمي منعتنا من الخروج للشارع خوفًا علينا".

 

وأضاف وقد انعكس شعاع ضوء الشمعة على وجهه: "لماذا يعاملوننا في غزة هكذا؟.. إننا نرى في التلفزيون أطفال العالم يعيشون حياة غير التي نعيشها!.. متى سنصبح مثل أطفال العالم؟".

 

من جهته أشاد النائب جمال الخضري رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار بصمود وصبر الشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده، وخاصةً في قطاع غزة الذي يتعرض لحرب صهيونية على مختلف النواحي.

 

ووجه الخضري رسالة عاجلة لأحرار العالم والأمتين العربية والإسلامية للخروج بمسيرات عاجلة وفورية؛ نصرةً للشعب المحاصر وبذل الجهود لإنهاء مأساته في ظل ما يعيشه من احتلال وحصار وعدوان.

 

ودعا الخضري لجهود رسمية على الصعيد الداخلي والخارجي للضغط على الاحتلال الصهيوني لإنهاء الأزمة الحالية وأزمة الحصار بشكل عام.

 

 الصورة غير متاحة

جمال الخضري

وشدَّد رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار على أن اللجنة ستصعِّد فعالياتها خلال الأيام القادمة لتسليط الضوء على هذه الأزمة الجديدة، وإنهاء حصار غزة بشكل كامل.

 

ومع انقطاع إمدادات البترول والوقود؛ أغلقت العديد من المحطات أبوابها أمام المواطنين فيما بقي بعضها مفتوحًا؛ حيث غُصَّت بالحركة واصطف السائقون في طوابير أمامها؛ أملاً في الحصول على لترات من السولار والبنزين.

 

ويخشى الغزيون أن يؤدي قطع الكهرباء مع انعدام الوقود إلى التسبب بكارثة إنسانية وصحية وبيئية في القطاع الذي يعيش سكانه منذ عام ونصف العام حصارًا سياسيًّا واقتصاديًّا.

 

وقال أحمد حمد (40 عامًا) الذي يمتلك متجرًا للمواد الغذائية شاكيًا: "الطعام المثلج من لحوم وخضروات مجمدة والألبان والأجبان ستفسد إذا استمرت أزمة انقطاع الكهرباء على هذا الشكل".

 

وقال حمد: "لم أرَ تواطؤًا عربيًّا ودوليًّا وفلسطينيًّا على غزة بهذا الشكل، ولا أرى جدوى من مناشدة العالم.. هي مؤامرة لتركيع أهالي غزة".

 

وحذَّر رئيس سلطة الطاقة في قطاع غزة م. كنعان عبيد من انهيار شبكة الكهرباء في قطاع غزة بشكل كامل مع انتهاء كميات الوقود المتبقية، مشيرًا إلى أن سلطات الاحتلال فصلت معظم الخطوط الرئيسية المغذية للقطاع.

 

وقال عبيد إن 70% من المنازل في محافظات قطاع غزة لا يصل إليها الكهرباء منذ يومين؛ بسبب انقطاع هذه الخطوط وعدم وجود محولات، موضحًا أن المحطة الرئيسية لم تعد تتحمل التعويض الناقص لها في ظل الاستهلاك الهائل للمواطنين.

 

ولفت عبيد إلى أن سلطة الطاقة وكافة الجهات المعنية لا تمتلك القدرة على التدخل لحل الخلل الذي تتعرض له المحطة لعدم وجود قطع غيار أو محولات بديلة، محذِّرًا من توقف مضخات المياه وتشكيلها كارثة خطيرة نتيجة أزمة الكهرباء.