بدأت حركة شباب المجاهدين الصوماليين في فرض نفسها على الساحة السياسية المحلية والإقليمية مع سيطرتها على مساحة تزيد قليلاً عن ثلاثة أرباع البلاد، باعتراف الرئيس الصومالي الانتقالي عبد الله يوسف أحمد قبل يومَيْن.

 

المفاجأة لم تكن في الاعتراف، على ما يحمله من غرابة؛ لأنَّه من المفترض ألا يقول الرئيس الصومالي: إنَّ المشروع الإثيوبي العسكري والسياسي الذي جاءَ به إلى منصبه قد فشل، أو على الأقل يعترف بفشله وهزيمته أمام مجموعاتٍ صغيرةٍ مسلحةٍ أجادت تغطية وتنظيم نفسها، بقدر ما يحمل في طياته مفاجأة إستراتيجية تتعلق باستطاعة شباب المجاهدين في أنْ يقلبوا طاولة الوضع العسكري في البلاد بعد الاحتلال الإثيوبي الذي أطاح بحكم المحاكم الإسلامية في مطلع العام 2007م.

 

الرئيس الصومالي أكد أنَّ سبب ذلك الأساسي يعود إلى ضعف الحكومة الحالية وفشل مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وهي الحكومة التي كان من المقرر لها أنْ تشرف على تنفيذ اتفاق جيبوتي الأخير للمصالحة، ولعل ما لم يقله الرئيس الصومالي في هذا هو أن المماحكات السياسية بينه وبين رئيس الوزراء نور حسن.

 

رئيس الصومالي اليائس قال ذلك خلال اجتماعٍ له مع بعض نوابه في العاصمة الكينية نيروبي، وهو ما له دلالاتٌ خطيرةٌ في شأنِ حقيقة الوضع في بلاده، سياسيًّا وأمنيًّا، ذلك الوضع على أبسط تقديرٍ منعه من الاجتماع مع نوابه في الصومال!!

 

الوضع الميداني

وكانت الصومال قد شهدت في الأسابيع الأخيرة مجموعةً من التطورات الميدانية المفاجئة في حقيقة الأمر، وكانت البداية تتمثل في فرض مسلحي الشباب لـ"حظر تجوال" على مطار مقديشو الدولي، ثم توالت التطورات بعد ذلك؛ حيث استولت قوات الشباب على ميناء مركا الإستراتيجي الذي يضم ميناء ومهبطًا للطائرات.

 

ثم استولت قوات الشباب الخميس الماضي على بلدة إيلاشا التي تبعد كيلومترين فقط من مدينة سينكا طير الإستراتيجية التي يتمركز فيها جنود إثيوبيون، وتقع سينكا طير على بُعد 15 كيلومترًا جنوب غربي العاصمة الصومالية مقديشو.

 

 الصورة غير متاحة

عرض عسكري لمجموعة من شباب المجاهدين

ثم انتهت الأمور مؤقتًا بسيطرة شباب المجاهدين على مدينة باراو الواقعة على بعد 180 كيلومترًا جنوب غرب العاصمة مقديشو، بينما فرَّت القوات الحكومية من المدينة قبل وصول مسلحي شباب المجاهدين إليها.

 

كما أنَّ تقارير إعلامية تحدثت عن قيام حركة شباب المجاهدين حاليًّا بإجراء تدريبات عسكرية في العاصمة، رغم كون مقديشو تحت سيطرة الحكومة والإثيوبيين اسميًّا.

 

وسيطر أيضًا مسلحو حركة الشباب على بعض المدن في إقليمي شبيلي السفلي وباي، دون خوض اشتباكاتٍ مع القوات الحكومية أو الإثيوبية، كما سيطرت على مخيمات النازحين والغابات المحيطة بالعاصمة مقديشو، كما سيطروا على بعض الأحياء في محافظة ياقشيد شمالي العاصمة مقديشو.

 

وقد قامت حركة الشباب بتطبيق الشريعة الإسلامية في المناطق التي سيطرت عليها؛ حيث طبقتها في مركا وإيلاشا وبعض المدن الأخرى التي سيطرت عليها في جنوب الصومال وغربه.

 

تاريخ من الكفاح

وتعود أصول تنظيم "حركة شباب المجاهدين الصوماليين" إلى تنظيمٍ آخر أُم؛ كان اسمه "الاتحاد الإسلامي"، وبحسب الخبير الصومالي في شئون القرن الإفريقي علي حِلِّني، فإن الاتحاد كان هو التنظيم الإسلامي الوحيد الذي كان له جناح عسكري يقاتل على الأرض بعد انهيار الحكم المركزي في الصومال واندلاع الحرب الأهلية بعد الإطاحةِ بنظام الرئيس الصومالي محمد سياد بري في العام 1991م.

 

ودخل هذا التنظيم في حربٍ مع عددٍ من أمراء الحرب الصوماليِّين، ثم تحوَّل اسم التنظيم إلى "جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة" بعد اندماجها مع تنظيمات إسلامية صومالية أخرى في العام 1996م.

 

وعندما قررت جماعة الاعتصام إلقاء السلاح من تلقاء نفسها والدخول في العمل الدعوي وتفكيك المعسكرات، في العام 2006م، وقامت بتسريح مقاتليها، فإنَّ مجموعةً كبيرةً من مقاتلي الحركة رفضوا ذلك، وكونوا تنظيمًا خاصًّا بهم تحت اسم "الشباب المجاهدين"، وتم فصلهم من جماعة الاعتصام.

 

وبعد إنشاء اتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال كان تنظيم الشباب جزءًا رئيسيًّا منه، إلا أنَّه احتفظ بأطره التنظيمية، واختلف مع المحاكم الإسلامية بعد إنشاء "التحالف من أجل تحرير الصومال" في العاصمة الإريترية أسمرا، بقيادة الشيخ شريف شيخ أحمد في سبتمبر عام 2007م.

 

واعتبرت حركة "شباب المجاهدين" هذه الخطوة "غير متوافقة" مع مبادئهم، ورفضوا ما أسموه الانضمام إلى "رايةٍ غير إسلامية".

 

وردًّا على قيام وزارة الخارجية الأمريكية بإدراج "الشباب" في قائمة ما يُعرف باسم "المنظمات الإرهابية الأجنبية" في 28 فبراير 2008م، بتهمة الارتباط بتنظيم القاعدة، أعلن قادة التنظيم أنَّه ليست بينه وبين تنظيم القاعدة صلات تنظيمية، لكن أدبيات حركة شباب المجاهدين تُشابه أدبيات تنظيم القاعدة، وكذلك فإن المتحدث باسم التنظيم الشيخ مختار روبو اعتبر أنَّ القاعدة هم "إخوتنا في الجهاد"، بيد أنَّه لم يؤكد وجود علاقةٍ تنظيميةٍ بين الطرفين.

 

وتقاتل عناصر عربية وإسلامية في صفوف حركة شباب المجاهدين، من مصر ولبنان والسعودية وباكستان، واستدل الخبراء على ذلك من تصريحاتٍ للشيخ ربو قال فيها أكثر من مرة إنهم "يفتخرون بانضمام مجاهدين مهاجرين" إلى صفوف الحركة، وقد تمَّ رصد استشهاد بعض المقاتلين الأجانب في معارك بين مقاتلي الشباب والقوات الإثيوبية التي تحتل البلاد.

 

ويرمي الشباب إلى حكم الصومال بالشريعة الإسلامية، ولكن الخبراء يشيرون إلى أنَّ هذا الهدف صعب في الصومال، خاصةً مع انقسامه ووضعه على الأجندة الأمريكية لمكافحة ما يُسمى بـ"الإرهاب"، ولكن في حالة تحالفهم مع تنظيمات إسلامية أخرى مثل المحاكم الإسلامية، فإن ذلك قد يتحقق كما حدث في العام 2006م.

 

فشل

المعلومات الواردة من القرن الإفريقي تشير إلى فشل المشروعات الدولية التي تقودها الولايات المتحدة، والتي تحالفت مع مشروعاتٍ إقليمية مسيحية أخرى تقودها إثيوبيا في إسقاط المشروع الإسلامي الآخذ في التنامي في الصومال والقرن الإفريقي.

 

ولعل أول دلالات ما يحدث في الصومال هو أنَّ- كالعادة في مثل هذه المشكلات- هناك عدمَ جدية أو مشروعًا بديلاً للمحتل الأمريكي، وأدواته بالوكالة (إثيوبيا في هذه الحالة)، فكل ما يهم الأمريكيين هو إسقاط الأنظمة المعادية لهم، ولكنهم يكذبون فيما يتعلق بمزاعمهم بشأن تحقيق الحرية والتطور للشعوب التي يحتلونها.

 

 الصورة غير متاحة

واشطن فشلت في تقديم بديل لنظام صدام حسين

وهو ما حدث في العراق وأفغانستان وفي الصومال؛ حيث لم تُقدِّم الإدارة الأمريكية بديلاً للحكم لحركة طالبان في أفغانستان أو لنظام صدام حسين في العراق، وكذلك في الصومال بعد إسقاط المحاكم في 2007م.

 

وأبرز دليل على ذلك هو الأوضاع السياسية والأمنية في البلدان الثلاثة، وتعثر عمليات إعادة الإعمار في كلٍّ من العراق وأفغانستان، وكذلك ما تشير إليه دائمًا تقارير الأمم المتحدة في شأن أنَّ الأوضاع في هذه البلدان المنكوبة بالاحتلال الأمريكي وحكوماته العميلة الضعيفة كانت أفضل حالاً إبَّان حكم الأنظمة التي أسقطتها في أفغانستان والعراق على سبيل المثال، حتى فيما يخص تجارة المخدرات في أفغانستان التي كانت طالبان قد قضت على 90% منها عادت وازدهرت في سنوات حكم حلف الناتو لأفغانستان.

 

كل ما يهم الأمريكيين هو القضاء على الأنظمة "العدوة"، حتى ولو ترتب على ذلك فناء الدولة في هذه البلدان.

 

ولذلك تستغل التنظيمات المسلحة التي تحارب من أجل طرد الاحتلال وإسقاط الحكومات العميلة التي نصَّبها هناك، حالة الفراغ الإداري والسياسي والأمني الناشئ، وتقوم بالتمدُّد والتوسع في هذا الإطار.

 

صراع دولي

بكل تأكيدٍ لا يمكن فصل التطورات الراهنة في الصومال عن الوضع الراهن في منطقة القرن الإفريقي والصراع الإقليمي والدولي القائم فيها.

 

جغرافيًّا، تقع منطقة القرن الإفريقي في شرق القارة السمراء، وتضم الصومال، وجيبوتي، وإريتريا، وإثيوبيا، أما التعريف الجيوسياسي لها فيضم إلى هذه الدول الأربع دولاً أخرى مثل: السودان، وكينيا، وأوغندا، وتنزانيا وغيرها التي هي على ارتباطٍ وثيقٍ في أمنها وسياساتها بما يجري في البلدان الأربع.

 

وفي دراسةٍ مهمة لسامي السيد أحمد محمد المدرس المساعد بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة، قال فيها: إنَّ المشكلات التي تعاني منها منطقة القرن الإفريقي يرجع بعضها إلى مرحلة الحرب الباردة، وظهرت آثارها خلال فترة ما بعد الحرب الباردة، بينما يعود البعض الآخر منها إلى طبيعة هذه البلدان وتقسيماتها القبلية والسياسية والدينية.

 

وتوجد داخل منطقة القرن الإفريقي ديانتَان كبيرتَان، الإسلام السُّنِّي والمسيحية الأرثوذكسية، فهناك دول ذات غالبيةٍ ساحقةٍ من المسلمين مثل جيبوتي؛ حيث 99% من سكانها مسلمون، والصومال (100%)، ودول أخرى ذات أغلبية كبيرة من المسيحيين مثل أوغندا (85%) وكينيا (66%)، بينما توجد دول أخرى مختلطة، لا توجد بها غالبية كبيرة لأيٍّ من الديانتَيْن على حسابِ الأخرى أخرى مثل إريتريا، وإثيوبيا وتنزانيا.

 

ولقد أخذ عددٌ من الصراعات التي شهدتها المنطقة بُعدًا دينيًّا، ولكنه لم يكن بالطبع البعد الوحيد للصراع؛ حيث كانت هناك أبعاد أخرى، مثل الصراع في السودان، والصراع في أوغندا.

 

وتعاني المنطقة من مشكلاتٍ أبرزها:

- الصراعات الداخلية بين القبائل والمجموعات العرقية والدينية المختلفة.

- الصراعات الدولية على النفط والموارد والأمن، وما ترتب عليها من مشكلاتٍ تتعلق باللاجئين والنازحين، ومشكلات الأمن الغذائي.

- مشكلات ذات طابعٍ تنمويٍّ واجتماعيٍّ مثل الفقر، والأمراض المتوطنة، وغيرها.

 

وقد زاد من إلحاحية الوضع في هذه المنطقة بالنسبة للقوى الكبرى أمران، الأول هو ظهور النفط بكثافةٍ في بعض مناطق القرن الإفريقي الجيوسياسي، وثانيًا ارتباط هذه المنطقة ببعض الحركات الإسلامية التي ينظر لها الغرب بعين الريبة.

 

 الصورة غير متاحة

 ناقلة نفط سعودية تم اختطافها أمام سواحل الصومال

وقد ارتبط الصومال في هذا الإطار بملفٍّ أمنيٍّ آخر هو القرصنة؛ حيث زادت مساحة حركة الفرق التي تقوم باختطاف السفن هناك والحصول على فديةٍ لإطلاق سراحها، وهناك أكثر من 30 حالةً تم رصدها في هذا الإطار، كان آخرها سفينة شحن مواد كيماوية يابانية، تمَّ الإفراج عنها بفدية بلغت 1.1 مليون دولار قبل يومَيْن.

 

وتتنافس في هذه المنطقة ثلاث قوى كبرى وثلاث أخرى إقليمية، القوى الكبرى الثلاث هي الولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبي، ومنه يتفرع الوجود الفرنسي التقليدي في القرن الإفريقي، أما القوى الإقليمية المهتمة فهي إثيوبيا التي تعمل من خلال قواتها المسلحة، وكينيا التي تعمل من خلال أدواتها الدبلوماسية، ومصر التي تعمل عن طريق جهاز المخابرات العامة، اعتبارًا لملفَّيْن أساسيَّيْن، هما المياه وملف الجماعات الإسلاميَّة، وتضاف إلى ذلك أوغندا بشكلٍ أقل؛ حيث يعمل الأوغنديون من خلال الاتحاد الإفريقي.

 

ومع تنامي أعمال القرصنة في تلك المنطقة بدأت كل من القوى الكبرى والإقليمية بالاهتمام بإرسال قوات أمن وعسكر إلى هناك لمراقبة الوضع، وهو ما أقدمت عليه فرنسا ومصر والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، خاصةً مع صدور قرارٍ دوليٍّ حول هذه المسألة من مجلس الأمن الدولي في سبتمبر الماضي، ويقضي القرار بالسماح باستخدام القوة المسلحة للتصدي لأعمال القرصنة هناك.

 

وللولايات المتحدة السبق في الوجود العسكري والأمني هناك بعد مصر؛ حيث إنَّه في إطار الحرب على ما يعرف بـ"الإرهاب"، أنشأت الولايات المتحدة قاعدةً عسكريةً في جيبوتي، يبلغ حجم القوات المرابطة فيها نحو 1800 جندي.

 

وبجانب ملف الأمن ومكافحة "الإرهاب" يحتل ملف النفط مكانةً مُتميزةً في تفكير القوى الكبرى هناك، وتحديدًا الصين والولايات المتحدة، فالصين تحصل على 25% من إجمالي وارداتها النفطية من إفريقيا السوداء جنوب الصحراء، وبعد اكتشاف النفط داخل السودان دخلت الصين في مجال الاستخراج والإنتاج.

 

ففي العام 1996م حصلت شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC) على 40% من أسهم شركة بترول النيل الأعظم السودانية (GNPOC)، وفي العام 1997م، حصلت نفس الشركة الصينية على امتياز مشروع إنتاج ونقل البترول لمدة عشرين عامًا في غرب كردفان في ثلاث مناطق في حوض موجلد، ووصل إنتاج هذه المناطق الثلاث في يناير عام 2005م إلى 325 ألف برميل يوميًّا.

 

أما بالنسبة للولايات المتحدة في هذا الملف، فتشير التوقعات إلى زيادة نسبة واردات البترول الأمريكية من إفريقيا جنوب الصحراء لتصل إلى 25% من إجمالي واردات الولايات المتحدة من النفط، بحلول العام 2015م؛ ولذلك تحاول الآن شركات النفط الأمريكية العودة إلى مصادر النفط السودانية، وبالأساس شركة شيفرون التي اكتشفت النفط في السودان قبل أكثر من ثلاثة عقودٍ، قبل أنْ تنسحب من هناك بحلول العام 1982م، عندما اندلعت الحرب الأهلية هناك.

 

وفي هذا الإطار، يتأكد أن الأزمةَ في الصومال، وتطوراتها تتصل بصراعٍ دوليٍّ وأقليميٍّ في القرن الإفريقي، يمس ملفَّيْن هما الأهم في حياة الأمم وشعوب العالم في الوقت الراهن، وهما: النفط والأمن؛ ولذلك فمن المنتظر المزيد من سخونة الأحداث في الفترة القريبة القادمة.