قام وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند بزيارةٍ إلى العاصمة السورية دمشق، هي الأولى من نوعها منذ سبعة أعوامٍ لمسئولٍ بريطانيٍّ رفيعٍ يزور سوريا، منذ لقاء رئيس الوزراء السابق توني بلير للرئيس السوري بشار الأسد في أكتوبر من العام 2001م.
الزيارة حفلت بالعديد من المفاجآت أبرزها بطبيعة الحال الكشف عن الاتجاه إلى تجديد التعاون الاستخباري بين الجانبين، والذي كان قد بدأ في فترةٍ ما غير محددة في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر.
الزيارة لا يمكن وضعها في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين، كما قالت وسائل الإعلام السورية، ولا حتى في إطارها الإقليمي فقط المتعلق بالملف الفلسطيني والتسوية مع الكيان الصهيوني والأوضاع في العراق والعلاقات مع إيران، بل إن الزيارة التي قام بها ميليباند إلى سوريا لها العديد من الأبعاد الدولية التي تمس شكل العالم والسياسة الدولية في مرحلة ما بعد حكم الجمهوريين الجدد في البيت الأبيض.
وفي حقيقةِ الأمر فإن الفترة الماضية حفلت بالعديد من الإشارات التي توضح أن الحليف الأوروبي بات يفكر جديًّا في الخروج من فلك العم سام بعد عقودٍ طويلةٍ من فرض الحماية الأمريكية على أوروبا والقرار الأوروبي.
البريطانيون عندما ذهبوا إلى دمشق كانوا يرغبون في فتح مجالٍ جديد لعلاقاتهم الدولية، والملاحظ أن زيارة ميليباند لدمشق جاءت بعد أيامٍ قليلةٍ من جولةٍ خليجيةٍ قام بها رئيس الحكومة البريطانية جوردون براون؛ حيث كان ملف الدعم المالي الخليجي للغرب استجابةً لتداعيات الأزمة المالية العالمية.
كما كان لفرنسا وألمانيا العديد من الإشارات والمواقف التي توضح وجود رغبة أوروبية حقيقية في تحقيق عنصر الاستقلالية في القرار الدولي، والبحث عن موضع قدم كقوةٍ عظمى في مرحلة ما بعد الجمهوريين الجدد في البيت الأبيض.
أسباب
ولعل المرجع الرئيسي لذلك التوجه الأوروبي هو "توريط" الأمريكيين لأوروبا في "مغامرات" واشنطن الخارجية، فحلف الناتو دفع ثمن السياسات الأمريكية في الحرب الباردة في أفغانستان، وها هو يلعق التراب في صحاري وجبال أفغانستان استجابةً لاتفاقية تأسيس الحلف التي تنص على ضرورة تدخله في حال تعرض أي دولةٍ عضوٍ فيه لـ"اعتداءٍ خارجيٍّ"، وهو التوصيف الأمريكي لأحداث سبتمبر، والتي أعلنت على إثرها أنَّ البلاد في حالة حربٍ.
كما أنَّ فترة حكم الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته شهدت واحدةً من أسوأ حالات التدخل الدولي العسكري بدون قرارٍ من الأمم المتحدة، وهي حرب العراق، وهي سابقةٌ كانت الأولى من نوعها تقريبًا في العالم في مرحلة ما بعد تأسيس المنظمة الدولية.
ودفعت أوروبا ثمن السياسات الأمريكية من أمنها واقتصادها، فيكفي هنا الإشارة إلى تفجيرات مدريد في العام 2004م التي راح ضحيتها 191 قتيلاً و1800 جريح، وتفجيرات لندن في 2005م والتي راح ضحيتها 57 قتيلاً ومثلهم أو أكثر قليلاً من الجرحى، وكذلك خسائر المصارف والبورصات الأوروبية بسبب تصرفات أصحاب رءوس الأموال الأمريكيين في مجال الائتمان والرهون العقارية؛ حيث كانت مليارات الدولارات يتم صرفها دون ضماناتٍ أو مشروعاتٍ حقيقيةٍ، وتراكم تأثير ذلك حتى انفجرت فقاعة مصرف ليمان براذرز الأمريكي في سبتمبر الماضي.
التقييمات الأوروبية تشير إلى أنَّ إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما أيضًا أكثر ميلاً إلى إدارة ملفات السياسة الدولية بشكلٍ تعاونيٍّ، دون الانفراد بالقرار الدولي، ولعل تصريح أوباما الأخير في شأن ملف الانبعاثات الحرارية الشديد الأهمية بالنسبة للأوروبيين هو أبرز دليل على ذلك.
بجانب أنَّ طبيعة باراك أوباما ذاته وخلفياته العرقية والدينية ستكون دافعةً له لتبني مفاهيم "المواطن العالمي" التي طرحها المفكر الغربي جولد سميث قبل سنواتٍ طويلةٍ في كتابه الذي يحمل ذات الاسم.
كما أنَّ أوروبا من جهةٍ أخرى وصلت إلى مرحلةٍ من التنظيم والقوة الاقتصادية بما يسمح لها بأنْ تتطلع إلى أنْ تلعب دور الدولة العظمى، وليس الدولة الكبرى فحسب، فأوروبا تملك قوتَّيْن نوويَّتَيْن، هما فرنسا وبريطانيا، وتملك اقتصادًا يوازي حجم الاقتصاد الأمريكي، وعلى مستوى عناصر القوة الشاملة الأخرى، فإنَّ أوروبا تقترب من الولايات المتحدة في مجالات التصنيع العسكري والبحث العلمي، لا سيما في مجال الفيزياء وصناعات الفضاء وطباعة الكتب وعدد الجامعات الأفضل على مستوى العالم، بينما تفوَّقت بعض البلدان الأوروبية مثل الدنمارك والنرويج وفرنسا وبريطانيا والسويد الولايات المتحدة في معايير الشفافية والنزاهة.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ هذا التوجه الأوروبي ليس جديدًا جدًّا، بل هو في ذهنية صانع القرار الأوروبي في كلٍّ من فرنسا وألمانيا منذ التسعينيات الماضية، لذلك اتخذت أوروبا الإجراءات التالية على مدار السنوات الماضية:
- تشكيل قوة الرد السريع العسكرية المكونة من 60 ألف عنصرٍ، ويقع مقر قيادتها على الساحل الغربي الفرنسي، وهي نواةٌ لجيش أوروبي مستقل، إلا أنَّ الممانعات الأمريكية والبريطانية حالت دون أنْ تحل هذه القوة محلَّ حلف الناتو.
- استحداث منصب "المنسق الأعلى للسياسات الخارجية والأمن" في الاتحاد الأوروبي، وهو بمثابة وزير خارجية الاتحاد، ويتولاه منذ تأسيسه الدبلوماسي الإسباني المحنَّك خافيير سولانا.
سوريا
ساركوزي والأسد

سوريا عادت إلى بؤرة الاهتمام الأوروبي منذ تولي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للحكم في بلاده، وسعت بريطانيا وفرنسا أكثر من مرة إلى محاولة إخراج سوريا من عزلتها وإشراكها في ترتيبات الأمن الإقليمي والتسوية العربية- الصهيونية.
ولا تعتبر زيارة ميليباند إلى سوريا مفاجئة، فتفاصيل الزيارة توضح أنَّه قد تم الترتيب لها منذ أشهرٍ عديدةٍ، ففي عدد الأربعاء 19 نوفمبر نشرت صحيفة (التايمز) البريطانية تقريرًا مطوَّلاً عن زيارة ميليباند إلى دمشق، وكان تحت عنوان "بريطانيا تؤسس مجددًا لتعاون استخباراتي وثيق مع سوريا".
وقالت الصحيفة إن مليباند كان قد سأل نظيره السوري وليد المعلم خلال لقاءٍ لهما في نيويورك في وقتٍ سابقٍ من العام الحالي عما إذا كان بالإمكان التوصل إلى تحقيق "تعاون على مستوى عالٍ" بين البلدين في المجال الاستخباراتي، ووقتها بحسب الصحيفة البريطانية دعا المعلم مليباند إلى اصطحاب مسئولين استخباراتيين خلال زيارته لدمشق.
وقالت الصحيفة البريطانية أيضًا إنَّ هذه النوعية من التعاون بين الجانبَيْن سيكون "مفيدًا للغاية"؛ حيث إنَّ لسوريا واحدًا من أفضل نظم المخابرات في الشرق الأوسط، وخاصة في مجال تعقب الإسلاميين، سواءٌ في العراق أو في المنطقة بشكلٍ عامٍ.
الجانب السياسي الأهم من زيارة الوزير البريطاني إلى سوريا يتعلق بالأساس بجس نبض دمشق تجاه الغرب وخاصةً بعد تغير الإدارة الأمريكية التي كانت تصر على عزلة سوريا، بينما سوريا مفتاح مهم للاستقرار في المنطقة، ولذلك كانت عملية التسوية بين الفلسطينيين والسوريين من جهةٍ والكيان الصهيوني من جهةٍ أخرى على قائمة مباحثات مليباند مع الرئيس السوري ووزير خارجيته.
إلا أنَّ الزيارة لم تخلُ من تهديداتٍ مُبطنةٍ من جانب لندن؛ فوزير الخارجية البريطاني قال بالحرف الواحد: "على سوريا الاختيار في أي طريق ستسير"، وقال أيضًا إنه "ظل على مدى 18 شهرًا يتحدث مع وزير الخارجية السوري بشأن "مسئوليات" دمشق في المنطقة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والعراق، إضافة إلى سلام الشرق الأوسط".
وقال إنَّ على سوريا الإجابة عن بعض الأسئلة الكبيرة بشأن ما وصفه بـ"تدفق مقاتلين أجانب إلى العراق"، وبشأن الوضع في لبنان، وإسهام دمشق في تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.
إطار أوسع
![]() |
|
جوردن براون |
الزيارة البريطانية الكبيرة بأهدافها الطموحة للعاصمة السورية لا تعدُّ هي الموقف الأوروبي الوحيد الذي بدأ يغرِّد خارج السرب الأمريكي، فألمانيا قادت تحركًا أوروبيًّا للضغط على الولايات المتحدة لدفع مساهمتها في علاج الأزمة المالية العالمية التي نشبت بسبب الأخطاء التي اعترفت بها الإدارة الأمريكية ذاتها في نظامها المصرفي والائتماني.
وكان للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي ساركوزي مواقف ثابتة- خلال الاجتماعات الأوروبية التي عُقدت عقب تفجر الأزمة المالية العالمية- تشير إلى الآتي:
1- ضرورة تحمل الأمريكيين حصَّتهم من المسئولية عن الأزمة.
2- الدعوة خلال قمة العشرين الأخيرة في واشنطن إلى بناء نظام مالي عالمي جديد بديل.
وهي دعوة تبرز بوضوح نوايا الأوروبيين في المرحلة القادمة وتصوراتهم لعالمٍ لا يهيمن عليه الأمريكيون على المستوى الاقتصادي على الأقل.
بجانب ذلك فقد كان هناك موقف بارز للرئيس الفرنسي من مسألة الدرع الصاروخية الأمريكية، خلال القمة الروسية- الأوروبية التي عقدت في مدينة نيس الفرنسية الجمعة الماضية، فقد حمَّل ساركوزي خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مع نظيره الروسي ديمتري ميدفيديف الولايات المتحدة مسئولية الأزمة الراهنة مع روسيا بسبب إصرار واشنطن على نشر درعها الصاروخية في أوروبا الشرقية، وتحديدًا في بولندا والتشيك، ومحاولات واشنطن ضم بلدان تجاور روسيا لحلف الناتو مثل أوكرانيا وجورجيا.
وقبلها بيومٍ واحدٍ انتقد ساركوزي بشدة سياسات جورج بوش الابن إزاء أزمة القوقاز خلال الحرب الروسية- الجورجية؛ حيث قال خلال تسلمه في قصر الإليزيه بباريس "جائزة الشجاعة السياسية" للعام 2008م، والتي تقدمها مجلة "السياسة الدولية" الفرنسية: "أتذكر اتصال الرئيس الأمريكي الذي قال فيه عشية توجهنا إلى موسكو: لا تذهب إلى هناك، (الروس) يريدون الوصول إلى تبليسي، إنهم على بعد أربعين كم منها، لا تذهب.. تبنَّ موقفًا مندِّدًا، توجَّهنا إلى هناك مع (وزير الخارجية الفرنسي) برنار كوشنير، وفيما كنا هناك أعلن وقف إطلاق النار".
وفي هذا الإطار يمكن القول إنَّ هناك ملامح لنظامٍ عالميٍّ جديدٍ يتشكل، والعالم العربي في بؤرة الاهتمام منه، ولذلك هناك عدد من الأسئلة يجب الإجابة عليها في هذه المرحلة من جانب صناع القرار العرب، على رأسها: ما السياسة العربية التي تجمع النظام الإقليمي العربي بمراكزه وأطرافه؟ وهل سيحاول العرب من الأساس البحث عن إطارٍ يكونون فيه فاعلين؟ أم سيظلون هدفًا فقط للسياسة العالمية؟ لا أحد يعلم ذلك!.
