بدأت نهاية المشروع الحضاري الغربي في العالم، وبدأت نهاية الهيمنة الأمريكية على مقاليد السياسة الدولية.. هذه النتيجة المروعة بالنسبة للأمريكيين والقوى الغربية كانت خلاصة التقرير الأخير الذي نشره مجلس المخابرات القومي الأمريكي بعنوان "تقرير الاتجاهات العالمية في 2025م".
التقدير الذي يتم إجراؤه كل أربعة أعوام لوضعه أمام الرئيس الأمريكي الجديد، سيتم عرضه على الرئيس المنتخب باراك أوباما، وهو هذا العام مختلف تمامًا عن ذلك الذي تمَّ وضعه في العام 2004م عن صورة العالم المتوقعة في العام 2020م، وتمَّ وضعه أمام الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جورج بوش الابن، في بداية فترة ولايته الرئاسية الثانية.
![]() |
|
باراك أوباما |
وحذَّر التقرير من أن المنظمات الدولية كالأمم المتحدة سوف تعجز عن ملء الفراغ الذي سيتركه تضاؤل النفوذ الأمريكي، في وقتٍ سيواجه العالم فيه العديد من الأزمات، مثل الأزمات المناخية وشُحِّ مصادر الطاقة والمياه والغذاء.
وقال التقرير أيضًا إنَّ قوة الاتحاد الأوروبي سوف تأخذ منحى هابطًا بسبب الأزمة الاقتصادية، وأشار إلى أن القوى الأقل في سلم القوى الإقليمية والدولية- مثل إيران وتركيا وإندونيسيا- سوف تكتسب قوة جديدة بحيث قد تحل محل الأوروبيين في سلم القوى العالمية.
اتجاهات عامة
التقرير الذي استغرق إعدادُه عامًا كاملاً، قال إن اتجاهات التطور الحاصل في الحالة الدولية يشير إلى أن الوضع لن يكون في صالح الولايات المتحدة والتحالف الغربي في العام 2025م فيما يخص الوضع الاقتصادي العالمي، بما في ذلك ملف النفط، وكذلك الوضع الأمني.
فالتقرير أشار إلى أن الأزمة المالية العالمية الراهنة ستكون المخاض العسير لمولد نظام عالمي جديد، متعدد الأقطاب، وهو ما سوف يكون له تأثير كبير في النفوذ السياسي للولايات المتحدة، بل سيمتد إلى الجوانب الثقافية؛ حيث إنه لن يكون بمقدور الغرب مواصلة محاولاته لفرض النمط الليبرالي الغربي للديمقراطية والعلمانية والرأسمالية التي سوف تفقد بريقها العالمي.
واهتم التقرير بحالة الأمن والطاقة والغذاء في العالم، باعتبار أنَّ هذه الملفات الثلاث هي صلب قضايا السلم العالمي.
فعلى الصعيد الأمني قال التقرير إن وفرة السلاح في أيدي المنظمات والأفراد، مع النقص البادية بوادره في مصادر الغذاء والمياه والطاقة، سوف يجعل العالم في الفترة القادمة- وتحديدًا في العقدَيْن المقبلَيْن- "مكانًا أكثر خطورة".
وعلى مستوى الدول توقَّع التقرير أنْ تكون الدول الكبرى والصغرى على حدٍّ سواءٍ أكثر نزوعًا إلى الدخول في سباقات للتسلح والتوسع الإقليمي على غرار ما حدث في القرن التاسع عشر، محذرًا التقرير من سيطرة ما وصفه بـ"الجماعات الإرهابية" على بعض دول العالم، مثل الصومال وباكستان.
وفيما يخص ملف الطاقة وما يرتبط به من قضايا في الشأن البيئي، قال تقرير العام 2008م لمجلس المخابرات القومي الأمريكي إن ظاهرة الاحتباس الحراري ستتسبَّب بشكل مباشر في شُحِّ المياه والغذاء والطاقة، وطالب التقرير بأن يبديَ العالمُ المزيدَ من الاهتمام المباشر بمصادر الطاقة المتجددة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، لتفادي احتمالات تلاشي الاحتياطات النفطية العالمية.
وهو ما قال التقرير إنه سيسبِّب مشكلات كبيرة لكبار المنتجين الذين يعتمدون على النفط في مواردهم المالية، مثل بلدان الخليج العربي وروسيا، وهو ما قال التقرير إنه سيؤدي إلى بعض المشكلات في هذه الدول، وتنبَّأ التقرير بأن التحول عن مصادر الطاقة الأحفورية، مثل النفط، سيكتمل بحلول عام 2025م؛ حيث سيتم التوصل إلى تقنيات أفضل للطاقة المتجددة.
سلاح نووي وإرهاب
وحول الشرق الأوسط، قال محللو المخابرات الأمريكية إنه سوف يعرف سباقًا في مجال التسلح النووي، كذلك حذَّر التقرير من أن ما وصفه بـ"الإرهاب" قد يكون "عاملاً مؤثرًا" في العام 2025م في بلدان العالم العربي والإسلامي.
غير أن التقرير قال إن تنظيم القاعدة "سيضعف، وربما ينتهي بحلول ذلك التاريخ"، ولكن ليس بسبب القوة الأمريكية، ولكن "بسبب الفشل في تحقيق الإستراتيجيات، وعدم القدرة على جذب الدعم الخارجي وأفعاله الذاتية المدمرة".
واللافت أن التقرير كان شديد التشاؤم فيما يتعلَّق بالحروب الخاسرة التي تخوضها الولايات المتحدة في كلٍّ من العراق وأفغانستان وفي مناطق القبائل الحدودية داخل باكستان؛ حيث لم يُشِرْ التقرير أية إشارةٍ تتعلق بـ"نصرٍ" أمريكيٍّ هناك.
فكل ما قاله أن العراق سيكون محل تنازع حزبي في العام 2025م، بينما سيكون على أفغانستان أن تستمر في مواجهة ذات الصراعات القبلية، التي لن تحدد مستقبل أفغانستان فحسب، بل وجارتها الكبيرة الباكستانية.
هزيمة حضارية
العبارات والتقديرات التي حفل بها التقرير الجديد، ذات طابع تاريخي في صداها؛ حيث تتعارض تمامًا مع مختلف التنظيرات التي ظهرت في الكتابات السياسية والأدبيات الإعلامية الغربية في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، مثل "نهاية التاريخ" والانتصار الحضاري للقيم الغربية الليبرالية، كما كتب فرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنجتون وسواهما من رموز الإعلام الأمريكي في التسعينيات الماضية.
واليوم تعيش الولايات المتحدة على ذات الوقع الذي عاشه العالم بعد السقوط السوفيتي الكبير في مطلع التسعينيات الماضية، ولكن من أمام المدفع هذه المرة، وليس من خلفه كما اعتاد الأمريكيون.
وبات ما كان وساوس قوة إمبريالية توسعية عظمى لدى إدارة المحافظين الجدد الراحلة في البيت الأبيض، قبل أربع سنواتٍ.. بات علامةً على وضعٍ ضعيفٍ تردَّت فيه الإمبراطورية الأنجلو- ساكسونية بعد مجموعةٍ من السياسات التي تبنَّتها إدارة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة قادت العالم إلى حالةٍ غير مسبوقةٍ من انعدام الأمن والتردي الاقتصادي والبيئي.
![]() |
|
جورج بوش |
هذه الهزيمة الحضارية مردُّها الرئيسي مجموعة من الأسباب؛ يأتي على رأسها حماقة السياسات الأمريكية، وتصرُّف إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بشكلٍ قد يبدو قليل الخبرة، ولم يراعِ أي اعتبارات تتعلق بخصوصيات المجتمعات، ولم يراعِ أيضًا طبيعة رد الفعل؛ حيث كانت ثقافة "رعاة البقر" هي الحاكمة للسلوك الأمريكي الدولي.
وتم التعامل بهذه الطريقة مع ملفاتٍ خطرةٍ، مثل الأوضاع في الشرق الأوسط، والنظم الحاكمة فيه، وقضية الإصلاح السياسي في المنطقة، وكذلك قضية الدين والتدين في العالم الإسلامي، بالإضافة إلى التعامل بصورةٍ مهينةٍ مع قوى دوليةٍ كبرى، مثل روسيا، كما في الدرع الصاروخي الأمريكي في شرق أوروبا.
وتم التطبيق الحرفي لأجندة المصالح القومية الأمريكية دون النظر إلى مصالح الآخرين، والتي وصلت إلى حد التهديد للأمن القومي لهؤلاء الآخرين، مثلما جرى في العراق ويحدث مع السودان وسوريا وفنزويلا، وغيرها من البلدان والقوى.
هذه السياسات التي تلبَّست رداء الدين أدَّت إلى ردة فعل قوية لم يحسب الأمريكيون لها حسابًا؛ ليس بسبب سوء في التخطيط أو التقدير، ولكن بالأساس بسبب ثقافة "رعاة البقر" التي لا تضع للآخرين أي اعتبار، أو بعبارةٍ أقرب للفهم بسبب ثقافة "البلطجي" الذي لا يجد من يردعه.
ولكن العالم خلال السنوات القريبة الماضية، وتحديدًا بعد احتلال العراق وأفغانستان، شهد انطلاق حركة ممانعة شعبية ورسمية دولية مناهضة للسياسات الأمريكية شملت أقاليم العالم المختلفة تقريبًا، وكان الاتجاه أو المنطلق الرئيسي لها هو العالم العربي والإسلامي.
هذه الحركة كانت في البداية متناثرة وفردية، ولكنها لم تلبث أن عرفت تنظيمًا عندما تلاقت مصالح وأهداف العديد من البلدان والجماعات التي أجادت تنظيم نفسها ضد التحالف الأمريكي الصهيوني العالمي، واستطاعت في غضون سنواتٍ قليلةٍ أنْ تضرب المصالح الأمريكية في مقتل، وتعرقل المشروع الصهيوني الأمريكي في الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي.
ومن هنا نجد أنَّ تيار المصالح والأهداف قد جمع مثلاً ما بين روسيا في أقصى شرق العالم وفنزويلا وعدد آخرٍ من بلدان أمريكا الجنوبية في أقصى بقاع العالم الغربية؛ حيث بدأت القوات الروسية في العودة إلى موانئ ومطارات فنزويلا وكوبا على مرمى حجرٍ من الحدود الجنوبية الأمريكية، دون أنْ تملك واشنطن هذه المرة القدرة على الاعتراض كما فعلت في أزمة الصواريخ الكوبية في الستينيات الماضية.
كما أنَّ روسيا بدأت تتحرك بنشاطٍ في الشرق الأوسط، فبدأت في تطويق المصالح الأمريكية في المشرق العربي والعراق عن طريق اتفاقيات للسلاح مع السوريين، وتجرى مفاوضات حاليًّا لأجل الحصول على مرابض للسفن العسكرية الروسية في ميناء اللاذقية السوري، ونشر صواريخ "إسكندر- آي" الباليستية، ومنظومات "إس. إس 300" على الأراضي السورية، مع دعم إيران على الجانب الآخر من الإقليم فيما يخص برنامجها النووي والصاروخي.
واستغلَّت روسيا في ذلك تحالفات إقليمية موجودة بالفعل، وظهرت نتيجةٌ للسياسات الأمريكية في أمريكا اللاتينية، والأمريكية- الصهيونية في الشرق الأوسط، فبدأت في التواصل مع البلدان المنتجة للطاقة في هذه الأقاليم؛ حيث أسَّست تحالفًا مع قطر وإيران للسيطرة على أسواق الغاز الطبيعي، ونسَّقت مع فنزويلا وإيران فيما يخص ملف النفط داخل أوبك التي لا عضوية لروسيا فيها.
كما خاضت روسيا حربًا صريحةً ضد حلفاء واشنطن والغرب في القوقاز؛ حيث تمَّ تطويق نظام الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي، ورئيس الوزراء الأوكراني الموالي للغرب فيكتور يوتشينكا، وتهديد بولندا بالخيار النووي حال نشر صواريخ دفاعية أمريكية على أراضيها، واتجهت إلى نشر صواريخ "اسكندر- آي" في جيب كالينينجراد القريب إلى حدٍّ مخيفٍ من أوروبا الغربية.
كما ظهر تحالفٌ آخر في العالم العربي والإسلامي أكثر خطورةً على المصالح الأمريكية والصهيونية، وهو تحالف جماعات المقاومة الإسلامية المسلَّحة التي تُعارض الخطط الأمريكية والصهيونية في الشرق الأوسط.
هذه الجماعات، مثل حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية والمقاتلين الذين يعملون في العراق والصومال وأفغانستان، خلقت وضعًا أمنيًّا أغرق القوات الأمريكية في الوحل، وفرض على الأمريكيين تبعات سياسية عديدة؛ أبرزها تدهور صورة الولايات المتحدة وتراجع هيبتها كقوةٍ عظمى.
وقد انتقلت عدوى ذلك إلى الحليف الأوروبي الوفي؛ حيث بدأت فرنسا وألمانيا، اللتان تمثلان قاطرة قيادة الاتحاد الأوروبي في استغلال أزمتي القوقاز والدرع الصاروخي، والأزمة المالية العالمية في محاولة الحصول على دورٍ في عالم ما بعد الجمهوريين الجدد، كذلك "تشجَّعت" قيادات بلدان حلف الناتو، بوضعية التمرُّغ الأمريكي في التراب العربي والإسلامي، ورفضت صراحةً مطالب وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس لتغيير إستراتيجية العمل في أفغانستان خلال اجتماعٍ فاشل عقده جيتس مع سبعة من وزراء دفاع الناتو في كندا قبل يومين.
الطرف الوحيد الغائب في هذه اللعبة هو الأنظمة السياسية الحاكمة في العالم العربي، كيف يفكرون؟ وفيم يخططون؟.. لا يمكن القول بشيءٍ محددٍ، ولكن لعل العزاء الوحيد للمواطن العربي في هذا أنَّ حركات المقاومة الشعبية باتت فاعلاً رئيسيًّا في تحريك مسارات السياسة العالمية من خلال أجندة دقيقة ومنظمة!!.

