على مدار اليومين الماضيَيْن شهدت العاصمة السورية دمشق أعمال المؤتمر العربي الدولي لحقِّ العودة، وصدر عنه بيان ختامي بعنوان "إعلان دمشق العالمي للدفاع عن حق العودة الفلسطيني"، وقد أكد المؤتمر والمشاركون فيه مجموعةً من الثوابت المتعلِّقة بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقِّهم في العودة إلى ديارهم التي شُرِّدوا منها.

 

ومن بين هذه الثوابت أن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إنَّما هو حقٌّ غير قابلٍ للتصرُّف أو التنازل عنه أو المساومة عليه أو الانتقاص منه، وهو حقٌّ شرعي وطبيعي، فردي وجماعي، تكفله الأديان والمواثيق والقوانين الدولية، ولا يسقط بالتقادم، كما أنَّه حق مطلق؛ لا تملك أية جهة فردية كانت أو جماعية؛ شعبية كانت أو رسمية، الحقَّ في التنازل عنه، كما لا يجوز الاستغناء عنه.

 

هذا المؤتمر هو أحد أوجه الجهود الشعبية والرسمية العربية والإسلامية التي تقام من آنٍ لآخر لتأكيد بعض الحقائق المتعلِّقة بقضية العرب والمسلمين الأولى (فلسطين)، وجاءت إقامته في إطار الذكرى الـ60 لنكبة فلسطين، وبالتزامن أيضًا مع اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، والذي يوافق التاسع والعشرين من شهر نوفمبر من كلِّ عامٍ.

 

وقد كان محور المؤتمر في هذا الإطار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (194) الذي يضمن حق العودة مع التعويض للاجئين الفلسطينيين.

 

حق أصيل

يُعتبر حق العودة أحد أبرز ملفات الصراع العربي- الصهيوني، وأحد أهم الملفات التي منعت التوصل إلى تسويةٍ نهائيةٍ بين الفلسطينيين والصهاينة، بالتوازي مع قضية الانسحاب الصهيوني من كافة الأراضي المحتلة في العام 1967م، بجانب ملفات الحدود والمياه.

 

حق العودة يعني قانونًا حقَّ كل فلسطيني طُرِدَ أو خرج من موطنه لأي سببٍ في الفترة التي سبقت حرب عام 1948م، أو أثناء الحرب أو في أي وقتٍ بعد ذلك، في العودة إلى الديار أو الأرض أو البيت الذي كان يعيش فيه حياةً اعتياديةً قبل العام 1948م، وهذا الحق ينطبق على كل فلسطيني، سواء كان رجلاً أو امرأةً، وينطبق كذلك على ذريَّة أيٍّ منهما، مهما بلغ عددها وأماكن وجودها ومكان ولادتها وظروفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

 

هذا هو التعريف القانوني والسياسي لحق العودة، وهو حقٌّ من حقوق الإنسان غير قابل للتصرُّف، والقانون الدوليُّ المُعتَرَفُ به عالميًّا وإنسانيًّا، فهو حقٌّ مكفولٌ:

 

- أولاً بمواد الشرعية العالمية لحقوق الإنسان التي صدرت في العاشر من ديسمبر من العام 1948م- المفارقة أنَّه ذات عام نكبة التَّشريد الفلسطينية- إذ تنص الفقرة الثانية من المادة (13) من هذا الإعلان على الآتي: "لكل فردٍ حق مغادرة أي بلدٍ، بما في ذلك بلده وفي العودة إلى بلده".

 

وقد تكرر ذلك في المواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان، مثل الميثاق الأوروبي والأمريكي والأفريقي والعربي، وفي الحادي عشر من ديسمبر من ذات العام- أي بعد يومٍ واحدٍ فقط من صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- صدر القرار الشهير رقم (194) من الجمعية العام للأمم المتحدة الذي يقضي بحق اللاجئين الفلسطينيين صراحةً "في العودة والتعويض"، والملاحظ أنَّ القرار لم يقل "في العودة أو التعويض".

 

وتم تأكيد هذا القرار دوليًّا منذ العام 1948م، حوالي 140 مرة، ولم يعارضه إلا الكيان الصهيوني، ثم وبعد التوقيع على اتفاقيات أوسلو عارضته الولايات المتحدة.

 

وقبول الصهاينة هذا القرار كان أحد شرطَيْن من جانب الأمم المتحدة لقبول عضويتها، وكان الشرط الأوَّل هو قبول قرار التقسيم الصادر في نوفمبر من العام 1947م برقم (181)، والثاني هو قبول القرار (194) الذي نصَّ ضمن ما نصَّ عليه أيضًا حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم "حتى لو كانت تلك المناطق تحت سيادة الكيان الصهيوني".

 

ومن مرجعيات قدسية حق العودة أنَّه نابعٌ من حرمة الملكية الخاصة التي لا تزول بالاحتلال أو بتغيير السيادة على البلاد، أو بأية صورةٍ من الصور، كما أنَّه لا يسقط بالتقادم، كما أنَّه حقٌّ غير قابلٍ للتصرف؛ لأنَّه مثل باقي حقوق الإنسان لا تنقضي بمرور الزمن، ولا تخضع للمفاوضة أو التنازل قانونًا، ولا تسقط أو تعدل أو يتغيَّر مفهومها في أية معاهدة أو اتفاقٍ سياسيٍّ من أي نوعٍ.

 

ولأنَّه حقٌّ شخصيٌّ، فهو لا يسقط أبدًا حتى لو وقَّع عليه من يمثِّل هذا الشَّخص المعنيَّ به، وحتى لو وقَّع هذا الشخص بنفسه وبملء إرادته على إسقاط هذا الحق، يكون ذلك عن نفسه فقط، ولكن الملاحظ أنَّ هذا جريمة وطنية.

 

كما أنَّ العودة حقٌّ جماعيٌّ؛ حيث تجتمع فيه الحقوق الشخصية الفردية، ومرد قوته القانونية أيضًا اعتماده على حق تقرير المصير الذي أكدته الأمم المتحدة لكل الشعوب في العام 1946م، وخصَّت به الفلسطينيين في عام 1969م، وجعلته حقًّا غير قابلٍ للتصرف بالنسبة لهم في القرار رقم (3236) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1974م، عندما اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعيًّا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وكأن الأمم المتحدة كانت في هذا تتحسب لما هو قادمٌ.

 

فخلال سنوات أوسلو طُرِحَت حلولٌ لا أخلاقيَّة ولا قانونيَّة لمشكلة اللاجئين تقي الكيان الصهيوني نتائج العودة، مثل الوطن البديل والتوطين في البلدان المقيمين فيها، ولكن ووَفق الاعتبارات السابقة، فإنَّ أي اتفاقٍ على إسقاط العودة بجانب أنَّه ساقطٌ أخلاقيًّا، فهو أيضًا باطلٌ قانونًا، كما تقدَّم، وباعتبار ما نصَّت عليه اتفاقيات جنيف الأربع الصادرة في العام 1949م، والتي ترتِّب أوضاع حقوق الإنسان في زمن الحرب؛ حيث نصت صراحةً على أنَّ أي اتفاقٍ بين القوة المحتلة والشعب المُحتل أو ممثليه باطلة قانونًا، إذا أسقط هذا الاتفاق حقوقه.

 

هل هم غائبون؟!

الكيان الصهيوني الذي يُعارض عودة اللاجئين يفعل ذلك لاعتبارَيْن رئيسيَّيْن: الأول عنصري يتصل برغبة سدنة المشروع الصهيوني في جعل فلسطين وطنًا قوميًّا يهوديًّا خالصًا، أما الاعتبار الثاني فهو منبثق من الاعتبار السابق، وهو متصل بالأمن القومي للكيان الصهيوني ذاته؛ حيث إنَّ الكيان قائمٌ بالأساس على التوسع على أراضي الآخرين، وعودة اللاجئين سوف تمنع أولاً المزيد من هجرة يهود العالم إلى الكيان، كما سوف تقضي على النقاء اليهودي لدولة الكيان الصهيوني.

 

وفي هذا الإطار تبنَّى الكيان الصهيوني اتجاهَيْن أساسيَّيْن لسياساته في هذا الإطار:

1- منع اللاجئين من العودة إلى أراضيهم ومنازلهم في الأراضي المحتلة في العام 1948م، والعام 1967م.

 

2- الاستيلاء على أراضي من تشرَّد من اللاجئين، وكل من ترك أرضه بعد ذلك، واستخدام هذه المساحات من الأراضي- بما فيها الأوقاف الإسلامية والمسيحية- بعد هدم المنازل والمنشآت العربية القائمة عليها في بناء المغتصبات الصهيونية فوقها.

 

ومن أبرز الأدوات التي يستخدمها الكيان الصهيوني في هذا الإطار هو "قانون أملاك الغائبين"، الذي صدر في العام 1950م، وينص على أنَّ جميع السكان خارج نطاق ما يسمى بـ"دولة إسرائيل" وفق حدود 48 يعتبر غائبًا، وبالتالي تئول أملاكه إلى حارس أملاك الغائبين، وهو جهة صهيونية بطبيعة الحال؛ حيث يقوم الحارس بإدارة هذه الأملاك من بيعٍ وتأجيرٍ، وكأنه هو المالك.

 

وتم تطبيق هذا القانون على نسبةٍ كبيرةٍ من الأراضي والأملاك في كافة الأراضي الفلسطينية بعد إقراره، بما في ذلك القدس الشريف المحتلة في العام 1967م.

 

وفي حقيقة الأمر، وبجانب أنَّ هذا الإجراء غير قانوني، ولا يتمتع بأية صفةٍ ملزمةٍ ولا بأي تأييدٍ من القانون الدولي باعتبار أنه في أبسط تقدير تم سنُّه وتطبيقه على أراضٍ مُحتلةٍ، لا يجوز لجهة الاحتلال التعامل معها بأية وسيلةٍ قانونيةٍ أو غير قانونيةٍ، فإنه أيضًا غير منطقي؛ فالغائبون فيه ليسوا غائبين بإرادتهم لكي يكون هناك مبررٌ للاستيلاء على أملاكهم.

 

فسلطات الاحتلال الصهيوني استخدمت كافة الوسائل لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم وبيوتهم، وبعد عامين من عدم عودتهم قسرًا بسبب الإجراءات الصهيونية يتم تطبيق هذا القانون على أملاكهم!!.

 

وقد تم استهداف القدس بشكلٍ رئيسيٍّ بهذا القانون على وضعها الخاص في المخطَّطات الصهيونية في فلسطين، باعتبار أنَّها العاصمة المقدَّسة لدولتهم العنصرية التي قامت على أساس الاستيلاء على أراضي الآخرين.

 

فبعد حرب عام 1967م مباشرةً صادرت السلطات الصهيونية حوالي 86% من أراضي القدس العربية، واعتبرت 52% منها أرضًا خضراء؛ وذلك لاستخدامها استخداماتٍ عامةً، والتي في النهاية استخدم جزءٌ كبيرٌ منها بغرض بناء المغتصبات، بينما تمَّت مصادرة 32% منها بشكل تام، وحتى الآن وبعد قانون ضم القدس الصادر في العام 1981م، وصل مجموع ما أُخذ من الأراضي 86%، وما بقي هو 14% فقط، وهذه أيضًا يتم تطبيق قانون أملاك الغائبين عليها.

 

في المقابل وضعت السلطات الصهيونية معوقات عديدة أمام الفلسطينيين لتملك الأراضي والبناء فيها؛ فالحصول على رخصة بناء تستغرق مدة زمنية من 3- 5 سنوات، وتكلفة رخص البناء عالية جدًّا تتراوح من 25 إلى 30 ألف دولار، وتحت هذا الضغط يضطر الكثير من الفلسطينيين في القدس إلى البناء من غير رخصة، وبالتالي يتعرضون للمساءلة من قِبل السلطات الصهيونية.

 

وفي حديثٍ له يقول الدكتور زياد الحموري مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، فإنَّ السلطات الصهيونية بدأت في السنوات الأخيرة، وتحديدًا منذ العام 2005م، في تفعيل القانون بشكلٍ أكثر فاعلية، لأنَّ المخطط الذي يعملون على تنفيذه هو أن يبقى عدد السكان العرب الفلسطينيين في القدس- سواء داخل أسوار البلدة القديمة أو خارجها- لا يزيد عن 40 إلى 50 ألف فلسطيني.

 

ولذلك فإنَّ القدس تشهد في الآونة الأخيرة حملة محمومة من دائرة الأملاك الصهيونية والبلدية التي تُديرها السلطات الصهيوني لحصر أملاك الفلسطينيين وتطبيق قانون أملاك الغائبين عليها، بجانب ضم جدار الفصل العنصري الذي بُني حول القدس لمساحاتٍ كبيرةٍ من الدونمات من البلدة المقدسة، والجدار وحده سوف سيعزل نحو 120 ألف فلسطيني من سكان القدس خارجه.

 

وهؤلاء سيصبحون معرَّضين لسحب هوياتهم، وبالتالي قطع علاقتهم الرسمية بالقدس، واعتبارهم مستقبلاً بمثابة غائبين، وسينطبق عليهم قانون أملاك الغائبين، وعليه سيفقدون أملاكهم وعقاراتهم في المدينة المقدسة لصالح المغتصبين الصهاينة، وأهم المغتصبات التي بُنيت على أراضي الغائبين الفلسطينيين في القدس مغتصبة جبل أبو غنيم.

 

هذه المخطَّطات تجد الكثير من الدعم من جانب رجال الأعمال اليهود في الخارج، وبخاصةٍ في الولايات المتحدة، ومنهم الملياردير الأمريكي اليهودي أرفين موسكوفتش الذي قام بضخ أموال ضخمة من أجل الاستيلاء على بيوت وأراضي العرب في البلدة القديمة وأحياء القدس الأخرى، كما أشرف على ترتيب عمليات احتيال كبيرة؛ منها تلك التي أدَّت إلى دخول المغتصبين الصهاينة منطقة دير مار يوحنا.

 

ومن بين مشروعاته الأخرى المُعلَنة في البلدة القديمة خطة توسيع بناء المدرسة الدينية لجماعة "عطيرت كوهانيم"، المُقامَة في الحي الإسلامي قرب باب الساهرة أحد أبواب القدس الشريف.

 

وكان هذا الملياردير اليهودي الأمريكي، الذي يجمع تبرعات ضخمة من اليهود في الولايات المتحدة وكندا لدعم الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وبخاصة القدس، يرتبط برئيس الوزراء الصهيوني الأسبق الهالك أرييل شارون.

 

هذه هي ملامح من الصورة السوداء التي تُواجه الفلسطينيين الآن فيما يخص ملف حق العودة، والسؤال الذي نعيد طرحه في هذا المقام هو: أين المال العربي من دعم تراخيص بناء الفلسطينيين في القدس؟!