أدرك الصهاينة أن ثروة العراق لا تكمن فقط في نفطه وثرواته وكنوزه وآثاره، وإنما هناك سلاح أخطر من أسلحة الدمار الشامل؛ هو العقول العراقية، ألم يقل "مارك كلايتون" المحرر بصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية: "إن خطر العراق في قاعدته العلمية وفي علمائه، وليس فيما يمتلكه من أسلحة"؟! وقدّم قائمةً بالعلماء والفنيين العراقيين الذين تعلموا في أمريكا، وقال: "إن هؤلاء أخطر من أسلحة العراق الحربية، لأنهم هم الذين ينتجون هذه الأسلحة"!.
وتم وضع خطط وإستراتيجيات لجذب هؤلاء العلماء أو اغتيالهم؛ فمنذ عام 1990م عكفت الإدارة العسكرية والاستخبارية الصهيونية على وضع الخطط والدراسات لغزو العراق من أجل المشاركة في العمل العسكري ضده، ولتقديم المشورة والمعلومات والدراسات للأمريكان، قد اعتُمِدت عدة أفكار ونماذج صهيونية للحرب والاغتيالات والتفكير المستقبلي.
صهاينة داخل العراق!
ونشرت مجلة "نيويوركر" تقريرًا مفاده أن القوات الخاصة الأمريكية تلقَّت مساعداتٍ صهيونية استخبارية وفنية، وأن بعض الجنود الصهاينة يتخفَّون في العراق كعرب وعراقيين! وأن القوات الخاصة الأمريكية تلقت مساعدات صهيونية استخبارية وفنية، إضافةً إلى وجود 150 جنديًّا من الوحدات الخاصة الصهيونية داخل العراق لاغتيال العلماء الذين وردت أسماؤهم في قوائم مفتشي الأسلحة الدوليين، وحددت المخابرات الأمريكية قائمةً تضم 800 اسم لعلماء عراقيين وعرب من العاملين في المجال النووي والهندسة والإنتاج الحربي؛ لأجل تصفيتهم.
ويؤكد التقرير- الذي أعدته الخارجية الأمريكية، ورُفِع إلى الرئيس الأمريكي يوم 18/6/2005م- أن وحدات الموساد والقوات الخاصة الصهيونية تعمل في الأراضي العراقية منذ أكثر من عام، وأن هذه الوحدات تعمل خاصةً لقتل العلماء العراقيين.
وأكد تقرير آخر أعدته وزارة الخارجية الأمريكية، ورفعته إلى الرئيس "جورج بوش" أن جهاز الاستخبارات الصهيوني "الموساد" تمكّن حتى الآن- بمساعدة قوات الاحتلال الأمريكي في العراق- من قتْل أكثر من 350 عالمًا نوويًّا عراقيًّا، بالإضافة إلى أكثر من 300 أستاذ جامعي في كافة التخصصات العلمية المختلفة، وأن 17 ألفًا من العلماء والأساتذة أُجبِروا على الرحيل من العراق منذ بدء الاحتلال.
ويؤكد الخبراء أنّ الولايات المتحدة طبّقت مثل هذا البرنامج في تصفية العلماء الألمان بعد هزيمة ألمانيا ضمن برنامج أُطلق عليه "بايبر كليب"، لكن بعض العلماء الألمان وافقوا على التعاون مع الأمريكيين، وتم ترحيل 500 عالم منهم إلى أمريكا، وهذا أيضًا حدث مع علماء العراق؛ فمنذ سنوات تم رصد مبلغ 16 مليون دولار لتشغيل علماء برامج التسلُّح العراقية السابقين داخل الولايات المتحدة خوفًا من هربهم للعمل في دول أخرى، وكدفعة أُولى غادر أكثر من 1000 خبير وأستاذ نحو أوروبا وكندا والولايات المتحدة، وكثير من العلماء فضّلوا الهجرة بعد أن وجدوا أنفسهم عُزْلاً في مواجهة الموساد وفرق الموت وفيلق "بدر"؛ الذي عمل منذ اللحظات الأولى على اغتيال الكفاءات والعقول العراقية، أو اعتقالهم وتعذيبهم، ولا يُعرف مصير الكثير من هؤلاء العلماء.
![]() |
|
إبراهيم الجعفري |
وقد شارك في عمليات اغتيال علماء العراق جهات عدّة؛ توزعت بين قوى الاحتلال الأمريكي، والموساد الصهيوني، وميليشيات جيش المهدي، وفيلق بدر، بالتعاون مع وزارة الداخلية وجهات مسئولة في الدولة تحقيقًا لأجندات خارجية، فعندما تسلَّم "بيان صولاغ" وزارة الداخلية (في عهد حكومة إبراهيم الجعفري) لم يعد لفيلق بدر حاجة لارتداء الملابس السوداء أو استخدام كواتم الصوت؛ فقد قام هو بالمهمة عوضًا عنهم بصورة رسمية؛ حيث انتقلت كوادر فيلق بدر للعمل ضمن أجهزة وزارتي الدفاع والداخلية، وقاموا من خلال وزارة الداخلية باغتيال العلماء أو القبض عليهم، وقد غيّبت سجونهم 123 أستاذًا وعالمًا وأكاديميًّا أغلبهم من أهل السُّنّة، ومات كثير منهم من شدة التعذيب، فيما لا يزال آخرون حتى الآن مسجونين بتهمة التعاون مع المقاومة التي يسمونها "الإرهاب".
وهناك كثير من العلماء لا يزالون في السجن حتى الآن، ولا يعرف أحد عن مصيرهم شيئًا، وبعضهم فقد ذاكرته جرّاء "فقرة البطانية"، وهي أحد أساليب التعذيب، وتتم بأن يؤتى بالشخص المراد تعذيبه، ويُوضع على بطانية مقيد اليدين والرجلين، ثم يأتي أربعة من جماعة "مالك"، وهو اسم قائد التعذيب في سجن وزارة الداخلية، ويقومون برفعه مع البطانية ورميه على الحائط بقوة، ثم يعيدون الكَرّة مرات عدة، حتى تتكسّر أضلاعه، أو يَحدث خلل في دماغه، وقد فقد الكثيرون ذاكرتهم بسبب هذه العملية، ومن بينهم:
د. رافد محمد العمر (طبيب)، والبروفيسور طارق المشهداني (عالم كيمياء عضوية)، ود. ناصر التكريتي (طبيب)، ود. سعد الحياني (عالم هندسة وراثية)، ود. فهد عبد الكريم الدليمي (عالم فيزياء)، ود. جاسم الخالدي (خبير آثار)، ود. علي الناصري (عالم اجتماع)، ود. صلاح خالد كاظم (خبير اقتصاد)، ود. وليد الجبوري (طبيب تجميل)، ود. أنور العاني (عالم فيزياء)، ود. نبيل محمد العبيدي (اختصاصي بكتيريا هوائية)، ود. باسل رزيك (عالم كيمياء)، ود. توفيق سعدي (عالم هندسة صواريخ)، ود. جبار أمين الباوي (عالم هندسة صواريخ)، ود. سليمان عادل الدليمي (مهندس طائرات حربية)، والبروفيسور عاصم المحمدي (عالم ذرة)، ود. إيمان عمر عبد العزيز (اختصاصي وقود صواريخ، ورئيسة قسم في التصنيع العسكري)، ود. يوسف الكبيسي، ود. صبري القيسي، ود. حسام الموصلي، ود. شجاع الحشماوي، وسلام مخلص الحيالي.. وكثيرون غيرهم، ولا يزال مسلسل تصفية العلماء مستمرًّا، ومن كل جامعات العراق!
نِسَب ذات دلالات
أوضحت دراسة أعدّها د. إسماعيل جليلي- بالتعاون مع منظمة "اليونسكو"- عدد العلماء المغتالين في العراق، ونِسَب الجامعات العراقية مِنْ فَقْد أساتذتها؛ فكان نصيب "جامعة بغداد" الأكبر، تليها "جامعة البصرة"، ثم "الجامعة المستنصرية" في بغداد، ثم "جامعة الموصل".
وكانت نسبة نجاح عمليات الاغتيال مرتفعة، وهذا يؤكد أن الذين يقومون بعمليات الاختطاف والاغتيال على درجة عالية من الخبرة والاحتراف، كما أن نسبة الإصابات القاتلة المباشرة بلغت 74% من الحالات المسجلة، وهذا يفسر الإخفاق في توفير الحماية المطلوبة للجامعات والأساتذة، والسهولة في الوصول إلى الأهداف المطلوبة!.
وعند تحليل حالات الاغتيالات المسجلة رسميًّا من حيث الجنس، اتضح أن 95% منها استهدفت الرجال، و5% استهدفت سيدات، أما الدرجات العلمية للأساتذة المغتالين، فقد تبيّن أن 62% منهم من حَمَلة درجة الدكتوراه، أما ألقابهم العلمية فقد احتل لقبا "أستاذ"، و"أستاذ مساعد" مركز الصدارة بتسجيلهما نسبة 59%.
وأما المواقع الإدارية (عمداء ومعاونوهم) فبلغت نسبة من كانوا يشغلونها 13%، وكانت نسبة استهداف رؤساء الأقسام العلمية 6%، كما بلغت نسبة المحاضرين والمدرسين 6% أيضًا، والمستشارين 2% من الحالات.
![]() |
|
عشرات الضحايا يُشيَّعون يوميًّا بالعراق |
أما من حيث المدن التي اغتيل علماء من أبنائها، فكان نصيب مدينة "بغداد" الأكبر في عدد الأساتذة الذين تم اغتيالهم؛ إذ بلغ نصيبها من الكارثة 57%، تليها "البصرة" 14%، وبعدهما "الموصل" 11%، ثم "النجف" 6%، و"الأنبار" 5%، و"تكريت" 4%.. أما مدن "بابل"، و"كربلاء"، و"كركوك"، و"ديالى" فكان نصيب كل واحدة منها 1%.
إن قتل العلماء هو اغتيال للعقول العراقية، وإن خسارة العراق في هذا المجال كبيرة جدًّا، وقد أشارت بعض الإحصاءات إلى اغتيال 87 عالمًا عراقيًّا سجّلوا براءات اختراع عالمية، بالإضافة إلى تصفية علماء آخرين من مختلف التخصصات، ولا يزال العدد في تزايد، فضلاً عن اختفاء الكثير منهم، سواءٌ في سجون الاحتلال الأمريكي أو في سجون وزارة الداخلية؛ المعروفة منها والسرية أيضًا، ناهيك عن هجرة الكثير منهم إلى دول الجوار، والبقاء فيها بدون عمل، أو العمل في مجال بعيد كل البعد عن تخصصاتهم!.
------------------
المصادر:
1- مسلسل اغتيال الأطباء والعلماء، شبكة البصرة، حسن علاء الدين.
2- الموساد واغتيال العلماء، الجزيرة نت، عرض: إبراهيم غرايبة.
3- استهداف العقول العراقية، اليونسكو.
4- اغتيال العلماء العراقيين، دراسة، د. إسماعيل جليلي.
5- محنة علماء العراق، يحيى اليحياوي.
6- اغتيال علماء العراق، شبكة مفكرة الإسلام، تحقيق: علي الحمداني.
-------
* بالاتفاق مع (المجتمع).

