تشهد الساحة الصومالية بين حينٍ وآخر أعتى حملة همجية تمخَّضت عنها البشرية المعاصرة، فخلال العقدين السابقين كانت الصومال مسرحًا لحروب تلبس أحيانًا ثوب الحكومة والمعارضة، وأحيانًا ثوب الجبهات القبلية، أما الآن فقد أخذت ثوب الجهاد الإسلامي العالمي وازداد أمر سوءًا بعد التدخل الإثيوبي الذي مُنِيَ بنكسةٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ لم يتوقعها الإثيوبيون قط، ولكنهم نجحوا في إعادة القضية الصومالية إلى مربعها الأول عام 1991م ولا يستبعد في أية لحظة أن تشهد العاصمة الصومالية حروبًا قبليةً بعد أن أجَّج الإثيوبيون الأحقاد القبلية بين أبناء الصومال وانقسم الإسلاميون المسلحون إلى شراذم وعصبيات قبلية وتيارات تكفيرية.
وإذا قرأنا الواقع الصومالي من خلال المعطيات الراهنة على أرض الواقع فسنجدها كالتالي:
![]() |
|
نور حسين وعبد الله يوسف |
أولاً: الحكومة الانتقالية:
أعلن الرئيس عبد الله يوسف انهيار الحكومة الانتقالية وسيطرة الإسلاميين على أغلب المناطق، كما أعلنت الحكومة الإثيوبية عن فشل الحكومة الصومالية، وأرجعت أسباب الفشل إلى النزاع الدائم بين الرئيس عبد الله ورئيس الوزراء نور حسن حسين، والذي لم تستطع الحكومة الإثيوبية إنهاءه.
ولكن الأسباب الحقيقية لفشل الحكومة الصومالية يرجع إلى العوامل والأسباب التالية:
1- التدخل الإثيوبي- سواء السياسي أثناء مؤتمر المصالحة في كينيا، أو العسكري في نهاية عام 2006م- كان أهم عامل من عوامل الفشل، وأي سياسي صومالي يراهن على الدعم الإثيوبي فما له إلا الفشل المحتوم، وهناك شريحة كبيرة من الصوماليين يرون أن التدخل العسكري الإثيوبي كان يرمي أصلاً إلى إعادة القضية الصومالية إلى مربعها الأول ثم الانسحاب لتبدأ دورة من الحرب الأهلية أكثر هولاً وأشد نُكرًا.
2- الحكومة الصومالية التي اختارتها إثيوبيا رئيسًا وبرلمانًا ورئيسَ وزراءٍ بعناية حتى لا يخرج أحد عن سيطرتها، كانت تحمل في طياتها كل عوامل الفشل؛ فليس هناك خبرة إدارية ولا رغبة في إقامة الدولة الصومالية ولا أساس لمتطلبات الدولة؛ فالرئيس عبد الله يوسف كان ضابطًا في الجيش الصومالي ثم أصبح زعيمًا للمعارضة المسلحة للحكومة الصومالية السابقة؛ فهو يُجيد فن إدارة الصراعات لا المصالحات التي الشعبُ الصومالي في أمسِّ الحاجة إليها، أما بقية أعضاء الحكومة فهم معروضون لمن يدفع أكثر فقط.
3- بتخطيطٍ إثيوبي وانفرادٍ لها بتشكيل الحكومة الصومالية فقد تم استبعاد كل العناصر الوطنية والإسلامية من هذه الحكومة، ويمكن تسميتها حكومة أباطرة الحرب الأهلية الذين كافأتهم إثيوبيا لجهودهم التدميرية، وهذه هي الحتمية الأساسية لفشلها.
ثانيًا: المعارضة المسلحة الصومالية:
تمثِّل المحاكم الإسلامية العمود الفقري للمعارضة الصومالية المسلحة، وقد تعرَّضت إلى انقسامات وانشطارات عديدة؛ حيث خرج من رحمها مجموعات منتاحرة متنافسة فكريًّا وسياسيًّا وقبليًّا، ويمثِّل الوجود الإثيوبي الحاجر الذي يمنع الاصطدام فيما بينهم عسكريًّا، وقد حدثت بعض المناوشات العسكرية فعلاً.
وهناك جناح جيبوتي الذي اختار طريق المفاوضات بقيادة الشيخ شريف شيخ أحمد ومعه أغلبية مجالس المحاكم؛ بما فيهم نائباه الأول والثاني وعددٌ من مجلس شورى المحاكم، وقد حصل فرصة للتواصل مع العالم الخارجي لشرح قضيتهم، وقطعوا شوطًا في هذا المجال، وكانت زيارة الشيخ شريف في الداخل عاملاً مهمًّا لجناح جيبوتي وللشعب الصومالي عمومًا.
أما جناح أسمرة بقائدها الفعلي الشيخ حسن طاهر أويس فهو معزول تمامًا عن العالم الخارجي وأصبح أسير الإستراتيجيات الإرتيرية التي تنصب في خانة الأضرار في المصالح الإثيوبية في الصومال، إضافةً إلى ذلك فقدت قبيلة الشيخ حسن قوتَيْها العسكرية والاقتصادية، واللتين كانت تتمتع بهما قبل سيطرة المحاكم وأثناءها، وعلى هذا الأساس فهم يفضِّلون حمل السلاح إلى أن يحقِّقوا مصالحهم.
أما الشعارات الأخرى فهي في آخر القائمة، ومثال ذلك فقد رحَّب الشيخ حسن طاهر بسيطرة حركة الشباب على مدينة قسمايو، بينما عارض سيطرة حركة الشباب على مدينة مركة، والدافع إلى معارضة الأخيرة أنها كانت تقع تحت سيطرة إحدى أكبر العصابات الصومالية، والتي انضمت إلى المحاكم الإسلامية وأصبح مسئول الدفاع يوسف سياد انطعده وينتمي قبليًّا إلى عشيرة الشيخ حسن وينبع التعاطف من هذا الجانب.
ثالثًَا: الجناح الثالث هو حركة الشباب المجاهد:
مجموعة من شباب المجاهدين

كانت جزءًا من المحاكم الإسلامية، وتنتمي إلى السلفية الجهادية العالمية، وتحاول أن تقتديَ من حيث الأفعال والسلوك بالقاعدة، وقد أعلنت مرارًا أنها جزءٌ من التنظيم العالمي للقاعدة، وكانت إستراتيجيتها واضحةً منذ البداية؛ فقد سيطرت على الجانب العسكري للمحاكم وفرضت رأيها على قيادة المحاكم؛ حيث هدَّدوا بتصفية كل من يتفاوض مع الحكومة الصومالية أثناء محادثات السودان، وحتى لا يحدث أي اتفاق فقد دخلوا الحرب مع القوات الإثيوبية دون أن تتخذ قيادة المحاكم قرارًا بالحرب، فانساقوا على أرض الواقع.
وبعد الهزيمة العسكرية للمحاكم أعلنت تنظيمها وحكمت على قادة المحاكم بالردة والكفر، وهي تخوض معارك مع القوات الإثيوبية والإفريقية الموجودة في العاصمة؛ مما جعل العاصمة مهجورةً تمامًا بسبب هذه المعارك، وفي المناطق التي سيطرت عليها رغم أنها وفرت الأمن للشعب، إلا أنها لا تفهم الدولة إلا في مجال الحسبة، فانشغلت بقضايا ومسائل ليست في صميم الإسلام في مجتمعٍ فاقدٍ أبسط مقومات الحياة.
ويعتقد كثير من المتابعين في الشأن الصومالي أن المواجهة ستكون بين حركة شباب المجاهدين والشعب الصومالي في حالة خروج القوات الإثيوبية، وهناك حوادث سابقة مثل إغلاق مطار مقديشو، واستهداف القوات الأجنبية من داخل الأحياء السكنية، ومنعهم السجائر والتبغ والقات؛ مما يؤلب عليها الجماهير.
رابعًا: المعارضة غير المسلحة:
ويمثِّل المجتمع المدني والحركة الإسلامية الصومالية "الإخوان المسلمون" العمود الفقري لهذه المعارضة، وترى هذه المعارضة أن التدخل الإثيوبي مرفوضٌ وغيرُ مقبولٍ أصلاً، كما أنه لا يمكن حل القضية الصومالية بالقوة العسكرية مهما كانت هذه القوة وأيًّا كان مصدرها وجنسيتها، وليس أمام الأطراف الصومالية إلا التفاوض والمصالحة فيما بينهم، وكلما توسَّعت الهوة بين الأطراف الصومالية تعزز الارتهان الخارجي، وعلى هذه الأساس فإن أغلب الأطراف الصومالية اقتنعت بأن أفضل وسيلة لحل المشكلة الصومالية هو الحوار وتقديم التنازلات المتبادلة لإنقاذ الشعب الصومالي، وأن أي طرف يُبدِي الإصرار على استمرار الصراع المسلح فلن يكون مقبولاً لدى الشعب الصومالي الذي أنهكته الحروب وأضمره الجوع وفتك به الجهل، ورغم أن هناك أطرافًا يبدو أنها أسقطت الشعب الصومالي من حساباتها وأن اهتمامها موجَّهٌ إلى الصراع العالمي ضد تحالف الولايات المتحدة، فإن هذه الجهات لن يتجاوز تأثيرها إلا الاغتيالات والتفجيرات........ إلخ.
خامسًا: القراصنة في السواحل الصومالية:

تمتلك الصومال أطول ساحل في القارة الإفريقية، وخلال السبع عشرة سنة الماضية كانت السواحل الصومالية تتعرَّض للصيد الجائر ودفن النفايات السامة دون أن يتحرك لها عربي وغير عربي، إلى أن وصل الأمر إلى طرد الصيادين الصوماليين من البحر من قِبل صيادين مسلَّحين أجانب، وكردِّ فعلٍ على هذه الحوادث بدأ الصيادون الصوماليون يحملون السلاح في البحر أثناء صيدهم للدفاع عن أنفسهم، ثم تطوَّر الأمر إلى اختطاف البواخر وطلب الفدية فيها، وتحوَّلت بعد ذلك إلى مهنة يحصِّل أصحابُها الملايين من الدولارات، وبسبب هذه المبالغ الطائلة التي يحصِّلونها فقد ازداد نفوذهم الاقتصادي في مجتمعٍ فقيرٍ يفقد أبسط مقومات الحياة.
وبعد الحادي عشر من سبتمبر استخدم الأمريكيون بعض القراصنة كشبكةٍ للجواسيس على العناصر الإسلامية التي تدخل الصومال عن طريق البحر مقابل أن يغض الأمريكيون الطرف عن أعمالهم وقرصنتهم في البحر.
وهناك ثلاثة عوامل رئيسية أدت إلى توسع القرصنة في السواحل الصومالية:
1- غياب الحكومة المركزية منذ عام 1991م وتفرُّج العالم على هذه المأساة دوليًّا وعربيًّا وإسلاميًّا؛ حيث انفردت إثيوبيا بالقضية الصومالية وغزت العاصمة الصومالية وبموافقة ضمنية للدول العربية الكبرى.
2- المبالغ الطائلة التي دُفعَت للقراصنة كانت عاملاً مهمًّا لتشجيع استمرار الفعل وتطوره.
3- الاستغلال الأمريكي للقراصنة كجواسيسٍ له ضد عناصر القاعدة المتوجِّهة إلى الصومال، كما استخدموهم أباطرة الحرب الأهلية في مقديشو لمحاربة الإسلاميين.
فقد أورد تقرير للأمم المتحدة أن 700 سفينة صيد غير شرعية كانت تقوم بالصيد في السواحل الصومالية، كما أن شركاتٍ معروفةً كانت تدفن النفايات السامة باستمرار، ولكن يبدو أن العالم الذي لم يكن يُبالي بالقضية الصومالية قد احترق الجميع في نارها الآن، وكاد أن ينغلق أحد أهم الممرَّات المائية الذي تمر به 16.000 ألف باخرة سنويًّا حسب إحصائيات مكتب الملاحة الدولية، ويبدو أن العالم لا يملك تصورًا صحيحًا لحل هذه المشكلة ومساهمةً لحل المعضلة.
وكوني صوماليًّا وتعاملت مع الموضوع بعد اختطاف سفينة وائل بالقوة في شهر أكتوبر فليس أمام العالم إلا الخيار الآتي:
1- الشروع في إقامة الدولة الصومالية المركزية التي تستطيع بسط سيطرتها على جميع البلاد وإزالة أباطرة الحرب الذين أقامتهم إثيوبيا، والذين عجزت عن دفعهم إلى الأمام، ومن المستحيل أن يُقيم هؤلاء أركان الدولة الصومالية.
2- إعادة تشكيل القوات البحرية الصومالية وتدريبها وتزويدها بالمعدات اللازمة حتى يكون بإمكانها القضاء على القراصنة خلال فترة وجيزة وبتكاليف أقل مما يتصوره العالم ومما تصرفه الأساطيل العسكرية التي تجوب السواحل الصومالية دون أن تنقذ سفينة واحدة.
3- دعم الإدارات المحلية من حيث التدريب والمعدات، مثل إدارة بنت لاند التي تعتبر أهم مناطق نشاط القراصنة، وكذلك صومالي لاند للتصدي للقرصنة في هذه المناطق.
إن محاولة علاج المشكلة ظاهريًّا دون التطرق إلى أسبابها وجذورها الحقيقية يعتبر تخديرًا مؤقتًا لا علاجًا يحل المشكلة بصورةٍ جذرية.
------
* باحث صومالي.
