كان الوقت مساءً، بينما الحركة لا تزال نشطة في عاصمة المال الهندية مومباي؛ درة التاج الهندي على ساحل المالابار الغربي.. الفنادق مزدانة بالأضواء.. مبنى "ناريمان هاوس" التاريخي ممتلئ بالزوار، بينما المطاعم ودُور السينما لا تزال ساهرةً على تأخر الوقت، وتعج بروَّادها من مختلف الجنسيات، بينما مطار المدينة ومحطة القطارات فيها تشهد من آنٍ لآخرٍ مَقْدِمَ وفدٍ ورحيلَ آخر، وبعض هؤلاء دبلوماسيون أجانب ونوابٌ من جنسيات أوروبية.

 

ثم تغيَّر المشهد فجأةً.. مجموعات منسَّقة من الرجال المسلحين يقتربون من أهدافهم.. أهم هذه الأهداف هو فندق تاج محل التاريخي ذو القبة الذهبية.. يبدءون في إطلاق النار وإلقاء القنابل اليدوية.. النيران تشتعل في المكان، بينما المجموعات التي نفَّذت العملية تبدأ عملية بحثٍ محمومةٍ عن حملة جوازات السفر البريطانية والأمريكية والصهيونية.. الدماء والجثث في كل مكانٍ، وقد ثقبت طلقات بنادق الـ"إم. كيه 47" التي كان يحملها المسلحون جدران المكان، وجدار الأمن الحديدي في المدينة التي يؤمِّنها الجيش الهندي.

 

مشهد واحد تكرر في أكثر من مكانٍ في مومباي، مع اختلاف بعض التفاصيل؛ فالهجمات استهدفت مجموعةً منتقاةً من الأماكن السياحية والخدمية؛ على رأسها فندق تاج محل وفندق ترايدنت أوبروي، ومستشفى كاما، ومحطة شاتراباتي شيفاجي الأثرية للسكك الحديدية، إضافةً إلى مطار مومباي الجوي، وحي اليهود في المدينة، ومبنى "ناريمان هاوس" التاريخي، كما استهدفت الهجمات مقهى ليوبولد، وسينما مترو، وكلها أماكن أثرية وتراثية مهمة، ربما اختارها مَن اختارها لأجل تحقيق أهداف إعلامية ودعائية ونفسية لا تخفى على أحدٍ.

 الصورة غير متاحة

النيران تندلع من فندق تاج محل

 

وبعيدًا عن سياقات الأحداث اليومية في المدينة، من اقتحاماتٍ للفنادق والأماكن التي شملها الهجوم، ومحاولة حصر القتلى الذين زاد عددهم عن 130 حتى الآن، ونقل المصابين الذين وصل عددهم إلى 350، فإنَّ النظر إلى خلفيات الحادث أهم كثيرًا من النظر للحادث نفسه على فداحته؛ حيث إنَّ الخلفيات تمس مصير أممٍ بكاملها، لو صحَّت التقديرات التي تقول إنَّ البعد الإقليمي والدولي وراء هذه الهجمات هو الغالب.

 

وهذا البعد الإقليمي لا يعني تورط باكستان في الأمر، بقدر ما يعني محاولة توريط باكستان في الأمر، والفارق بين الحالتين واسع جدًّا؛ فتورط باكستان يعني أنَّ الحكومة الباكستانية ضالعة في الترتيب والتنفيذ، أما توريط باكستان فهو يعني وجود أطراف دولية تسعى إلى تدمير باكستان بالزَّجِّ باسمها في مثل هكذا جريمة.

 

اتهامات هندية

الهند- ممثَّلةً في مؤسستها العسكرية ورئاسة الوزراء- اتهمت باكستان ضمنًا وصراحةً بالتورط فيما جرى، رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينج اتهم من قال عنهم إنَّهم "متشددون أتوا من دول مجاورة" بالتورط في الهجمات، وقال إن نيودلهي "سوف تقف بشدة" ضد استخدام أراضي الدول المجاورة في شن هجمات على الهند، وأكد أنَّ الهجمات لها صلات خارجية.

 

المؤسسة العسكرية الهندية كانت الأسبق في اتهام باكستان بتحمُّل جانب من المسئولية؛ حيث قال الجنرال "آر. كيه. هودا" الذي يقود العملية العسكرية الحالية في مومباي: "إنَّ الباكستانيين وراء هذه الهجمات، وإنْ جعلوها تبدو وكأنها قد أتت من داخل الهند"، ودلَّل على ذلك بالقول إن قوات الجيش الهندي استطاعت إصابة أحد منفذي العمليات والقبض عليه، ووصف هذا الشخص بأنه يتحدث "بلكنة بنجابية" في إشارةٍ إلى إقليم البنجاب الباكستاني.

 

الباكستانيون نفَوا ذلك تمامًا، وجاء النفي من جانب وزير الدفاع أحمد مختار، باعتبار أن هذا الأمر شديد الخطورة، وبعيدٌ عن المنطق؛ وذلك لأنَّ الاعتبارات الموضوعية تمنع ذلك؛ فالهجمات تمت في مرحلةٍ تشهد انفتاحًا رحبًا في العلاقات الهندية- الباكستانية، وكانت تتجه إلى التوقيع على اتفاقية تَحُدُّ من التهديدات النووية من الجانبين للآخر.

 

كما أنه قبل التفجيرات بيومٍ واحدٍ جرت محادثات على مستوى وزارتَيْ داخلية البلدين، وجرى خلالها بحث إجراءات مكافحة الإرهاب والمخدرات، وتبادل السجناء المدنيين، والتعاون بين وكالات المعلومات والتحقيقات في البلدين في هذه المجالات، بل إنَّ هجمات مومباي جرت أثناء وجود شاه محمود قرشي وزير الخارجية الباكستاني في الهند.

 

بجانب أنَّ طبيعة النظام الحاكم في الوقت الراهن في باكستان بقيادة الرئيس "آصف زرداري" لا تشير إلى إمكانية خوضه غمار مغامرات مثل تلك التي جرت في مومباي؛ فالقيادة المدنية للحكومة، وسيطرة حزب الشعب الذي كانت تتزعمه رئيس الوزراء الليبرالية السابقة بناظير بوتو على الحكومة لا تؤيد أي اتهامٍ لباكستان بالوقوف وراء هذه الهجمات.

 الصورة غير متاحة

تفجيرات مومباي خلفت ضحايا وخسائر كبيرة

 

كما أنَّ المؤشرات الواردة من إسلام أباد تقول إنَّ الحكومة الباكستانية بدأت بالفعل في تقييد الأدوات التي كانت تعمل بها الحكومات العسكرية في السابق على المستوى الإقليمي، وأبرزها المخابرات العسكرية الباكستانية التي سيطرت في فترةٍ من الفترات على مناطقٍ واسعةٍ من آسيا الوسطى إبان الاحتلال السوفيتي لأفغانستان والسنوات التي تلت الخروج السوفيتي من هناك.

 

فقد نشرت الصحف العربية والأمريكية مؤخرًا خبرًا مفاده أنَّ الحكومة الباكستانية قررت إغلاق ما كان يُعرَف باسم "الجناح السياسي" في جهاز الاستخبارات العسكرية الباكستاني، وهو الجناح الذي كان يوجِّه السياسة الباكستانية على المستويين الداخلي والخارجي، وتولاه عبر تاريخه رجال أقوياء للغاية، مثل الجنرال حميد جول الذي تولى العمل في الجهاز في فتراتٍ حرجةٍ بعد مقتل الجنرال محمد ضياء الحق في أواخر الثمانينيات.

 

وكان لهذا الجناح وللجهاز بأكمله دور بارز في توجيه سياسات إسلام أباد تجاه الهند وكشمير وأفغانستان، بل وفي إسقاط وتنصيب الحكومات في البلاد.

 

الجهاز الآن ليس في وضعية تسمح له بتكرار تجارب الماضي، وبخاصة في ظلِّ انشغال الجميع بما يجري في وزيرستان؛ حيث يخوض الجيش الباكستاني معاركَ مريرةً ضد المجموعات المسلحة التي اتخذت من منطقة القبائل هناك ملاذًا لها بما فيها مجموعات من كشمير، مثل عسكر الطيبة، وجيش محمد.

 

الهدف باكستان

ورغم أنه لا أحد يرغب في الانسياق وراء نظرية المؤامرة، ولكن من الواضح منذ سنواتٍ أنَّ هناك مساعيَ أمريكيةً عديدةً لإفشال الدولة في باكستان؛ حيث استطاعت باكستان أنْ تكوِّن أول دولة مسلمة تملك سلاحًا نوويًّا، وتمتلك تقنية صواريخ متقدمة، كما أنَّ تورط بعض رموز السياسة والاستخبارات الباكستانيين في علاقاتٍ مع تنظيماتٍ تُكِنُّ العداء للولايات المتحدة، مثل القاعدة وغيرها أصبح مصدر قلقٍ لكلٍّ من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

 

ومن هنا بدأت واشنطن في سياساتها التقليدية ضد أعدائها:

1- دعم المعارضة المدنية.

2- خلق ما تصفه واشنطن بـ"الفوضى البنَّاءة".

3- زعزعة الاستقرار الداخلي في البلد المستهدف.

 

وهو السيناريو الذي ينفَّذ الآن بحذافيره مع باكستان؛ فالبداية كانت بخلخلة استقرار حكم الرئيس العسكري السابق برويز مشرف، عبر إجباره على خوض معركة ضد حلفاء الأمس في أفغانستان بعد أحداث سبتمبر 2001م، وهو ما أثار غضب شرائح كانت تعتبر الجماعات الإسلامية في أفغانستان "أمرًا مقدسًا لا يجوز المساس به" بعد تضحياتها خلال الحرب ضد المحتل السوفيتي "الملحد" في الثمانينيات، ومن بين هذه الشرائح الأحزاب الدينية والمؤسسة العسكرية.

 

ثم بدأت واشنطن في دعم الثنائي نواز شريف وبناظير بوتو، وأدخلت البلاد في أتون عدم استقرار سياسي، قاد إلى عدم استقرار أمني، حتى بعد استقرار الأمور لحزب الشعب، وقيادة زرداري (زوج بوتو) الحكم في البلاد.

 

معارك وزيرستان أبلغ دليل على ذلك؛ حيث إنَّ الجماعات التي تتحصَّن في جبال وزيرستان فرَّت من كلِّ مكانٍ اضطهدت فيه في باكستان وكشمير والهند وأفغانستان، وكونت فيما بينها ما يعرف باسم "الطالبانيون الجدد" أو "طالبان باكستان"، وباتت بؤرة صداع كبيرة للحكومة في إسلام أباد، وللولايات المتحدة وحلف الناتو في أفغانستان المجاورة.

 

كما دعمت الولايات المتحدة من حالة السخط في هذه الأوساط باستخدامها القوة المسلحة في قصف هذه المناطق بالطائرات من دون طيار، وهو ما يثير جنون الجيش والأهالي في باكستان، ويخرج هذا التوتر من حينٍ لآخر في صورة توتراتٍ أمنيةٍ تزعزع من استقرار البلاد.

 

احتمالات

احتمالات ما جرى في مومباي لا تخرج عن واحد من ثلاثة سيناريوهات في هذا الإطار: الأول هو أنَّ هناك تيارًا معارضًا في المخابرات الباكستانية يعمل من خلف ظهر حكومته، وأراد أنْ ينتقم منها لعدم رضاه عن خطواتها السياسية الأخيرة بتوريطها في ملفٍ مظلمٍ كهذا مع جارٍ قويٍّ مثل الهند.

 الصورة غير متاحة

 أحمد المصابين في انفجارات مومباي

 

أما السيناريو الثاني فهو ذلك الذي يقول إنَّ الأمر متعلق بجماعاتٍ كشميرية لجأت إلى جبال وزيرستان نتيجةً للقمع الهندي في الإقليم، ونفَّذت هجماتها بدافع الانتقام لما يجري في كشمير، ولما يجري في وزيرستان، وفي هذا يقول الخبير الإستراتيجي طارق محيي إن التنظيمات المسلحة المتهمة بالوقوف وراء التفجيرات الأخيرة، مثل جيش محمد، وجيش الصحابة، معظم أفرادها من العناصر التي كانت تعمل في كشمير.

 

وقال محيي أيضًا إنَّ هناك غضبًا واسعًا في صفوف الحركات الجهادية في باكستان وأفغانستان من الوجود الهندي الاستخباري الواسع في أفغانستان؛ حيث إن هناك أكثر من 20 "قنصلية" هندية على الحدود الباكستانية- الأفغانية فقط، وبالتالي تدرك هذه التنظيمات المسلحة مدى التغلغل الاستخباراتي الهندي في أفغانستان بحسب محيي.

 

السيناريو الثالث، وهو الأصعب، وهو ذلك المتعلق بوجود مخطط أمريكي لتوريط باكستان في نزاعٍ مسلحٍ مع الهند؛ يقود إلى عدم استقرار داخلي في هذا البلد النووي المسلم، وهو ما يعطي مبررًا لواشنطن للتدخل بذريعة حماية السلاح النووي الهندي من الوقوع في أيدي التنظيمات التي تصفها بـ"الإرهابية" وتناصب واشنطن والكيان الصهيوني العداء.

 

ذات السيناريو الذي طُبِّق على العراق، مع اختلاف الظروف والتطبيق، ولربما أخطأ كثيرًا حكام إسلام أباد الجدد بتحجيم قدرات جهازهم الأسطوري، المخابرات العسكرية، التي هي وحدها القادرة الآن على مواجهة الاحتمالات التي تقف وراء هذه المخططات.

 

وبطبيعة الحال لا يمكن انتظار أيِّ موقفٍ من جانب منظمة المؤتمر الإسلامي في هذا الإطار؛ بسبب المتاعب التي يلاقيها عمل المنظمة في مثل هذه الملفات الحساسة، ولكن بالفعل يتطلب الأمر إطارًا أكثر فاعليةً للحركة من جانب العالم الإسلامي لمنع الأمور من التدهور في باكستان حتى تصل إلى مستوى ما يجري في العراق والصومال.