لم تكن الأزمة السياسية الحالية للنظام القائم وليدة اللحظة، وإنما نتيجة تراكم سنوات طويلة، إذ أخذت بالتشكِّل "تحديدًا" عقب حرب صيف عام 1994م، وإن كانت الأزمة السياسية بين شريكيْ الائتلاف الحاكم آنذاك (المؤتمر والاشتراكي) قد أطلَّت برأسها قبل ذلك التاريخ، وأدَّت في نهاية المطاف إلى نشوب الحرب، وإعلان الانفصال.. لكن النظام الحاكم- للأسف- أضاع من بين يديه فرصةً تاريخيةً لاحت له عقب الحرب، عندما كانت كل جماهير الشعب والقوى السياسية ملتفّة حوله؛ بهدف الدفاع عن الوحدة.
وأخفق النظام في توظيف اللحظة التاريخية لإنجاز المشروع الوطني الجامع، باتجاه تعزيز وحدة الصف الداخلي، وتوثيق عُرى الوحدة الوطنية، وإعادة بناء الوطن على أسس من المواطنة المتساوية، والتوزيع العادل للثروة، وسيادة القانون، وضمان حق المشاركة الشعبية وتوسيعها، وتأصيل مبدأ التداول السلمي للسلطة، وتشجيع التعددية السياسية والحزبية، وإشاعة الديمقراطية وهامش الحريات، والتوجّه نحو البناء والأعمار.
وللأسف، لم يتوجَّه النظام السياسي نحو شيء من ذلك كسياسةٍ جادَّة، واكتفى بالحشد الإعلامي حول تلك القضايا، فيما اتجه- عوضًا عن ذلك- لممارسة سياسات مغايرة ومضرة، نجم عنها الكثير من المشكلات التي نُعاني منها اليوم.
مساران رئيسان
خبراء يطالبون برأب الصدع وتغليب لغة الحوار

نعود إلى مشكلة الحكم والأزمة السياسية في اليمن، التي أخذت تنحو باتجاه تفاقمها وتجذُّرها في الواقع السياسي اليمني، عقب حرب صيف 1994م، وإقصاء شركاء الوحدة من السلطة، فقد عمل النظام منذ ذلك الحين على الانفراد بالسلطة، وفق خطوات مدروسة، والاستحواذ على كل شيء، وإقصاء شركائه واحدًا تلو الآخر.
واتجه للعمل في مساريْن رئيسيْن، نجم عنهما أصعب المشكلات السياسية، التي صارت تمثل اليوم مصدر تهديد حقيقي لمستقبل البلاد ووحدتها الوطنية.. المسار الأول تمثل في إطلاق يد العسكريين ونافذي السلطة في المحافظات الجنوبية، وتمثل المسار الثاني في إطلاق يد جماعة "الشباب المؤمن" (الحوثيين فيما بعد) في المحافظات الشمالية (صعدة وصنعاء على وجه الخصوص).
وعن هذين المسارين نجمت مشكلة الجنوب المتمثلة حاليًّا في القضية الجنوبية، وبروز بعض دعاوى الانفصال، ومشكلة "صعدة" المتمثلة في التمرد، التي تكاد تصل إلى حدِّ خروجها عن سيطرة النظام؛ إذ لم تنجح خمس حروب متوالية في إخمادها، وقد مثَّل هذان المساران اللذان اختطهما النظام قطبيْ الرحى للأزمة السياسية الدائرة اليوم.
والنتيجة، أن النظامَ السياسي القائم الذي يقوده حزب المؤتمر الحاكم تسبب بشكلٍ مباشرٍ في خلق أزماتٍ سياسية في البلاد، باتت تُمثل أخطارًا محدقةً على مستقبل الوطن ووحدته، في الوقت الذي كان يُمليه عليه واجبه الوطني العمل تلافي وقوع مثل تلك المشكلات والأزمات، وحل القضايا العالقة وفق رؤية وطنية تأخذ في اعتبارها مصالح العباد والبلاد!.
حقيقة الأزمة
يمكن القول هنا: إن سياسةَ النظام المتَّبعة على المساريْن الجنوبي والشمالي، وطريقة تعامله معهما أفرزت الوضع الحالي الذي نشاهده، فالمشكلة الجنوبية تكمن في أن الحزب الحاكم الذي خرج منتصرًا على شريكه في الوحدة لم يستطع بلورة سياسة جديدة، قادرة على التعاطي مع الواقع الجديد، طبقًا لما أفرزته نتائج الحرب على الساحة اليمنية، وتوهُّم أن وقوف الجماهير إلى جانبه في الدفاع عن الوحدة هو وقوف إلى جانب حزب المؤتمر الشعبي العام وتأييد لسياسته، فيما يقول الواقع شيئًا آخر، وهو أن الجماهير والقوى السياسية التي قاتلت إلى جانب القوات الشرعية إنما قاتلت دفاعًا عن وحدتها لا عن حزب المؤتمر، ولو كان "المؤتمر" هو من أعلن الانفصال لوقفت الجماهير ضده!.
لقد كانت مشاركة أبناء الشعب- وعلى رأسهم أبناء المحافظات الجنوبية- في معركة الدفاع عن الوحدة بمنزلة استفتاء جديد على شرعية الوحدة، لا على شرعية نظام يصادر حقوقها وينهب خيراتها.. نظام يلغي حقوق شركائه، ويعيق نمو التجربة الديمقراطية الوليدة، بيد أن المؤتمر عدَّ ذلك إيذانًا بانطلاق عهد الحكم الشمولي للحزب الواحد، المتحكم في كل شيء، وفق رؤية أبوية تضيق بمعارضتها، وتَعُدُّ الخروج عليها بمنزلة خروج عن الشرعية والثوابت الوطنية!.
استباحة الجنوب!
ومهما يكن الأمر؛ فقد سمح النظام الحاكم لقادة جيشه ولمراكز القوى وجماعات المصالح النافذة في السلطة وفي المؤسسة العسكرية، بأن تعيث فسادًا، وتتوغل في نهب الأراضي الجنوبية، إلى الحد الذي احتكر فيه قرابة خمسة عشر نافذًا من المقربين من دوائر صنع القرار، ما يقارب 85% من أراضي عدن!.
وتلك هي المشكلة التي نحصد نتائجها اليوم، فاستباحة أراضي الجنوب على ذلك النحو من جانب المنتصرين، وتقسيمها بينهم كغنائم حرب، أظهر إلى أي مدى فرّط النظام الحاكم في حقوق شعبه، وبالأخص أولئك الذين توقعوا ردَّ الجميل بما هو أحسن.
وبدا الشارع الجنوبي ينظر كما لو أن عملية غزو تمت لأراضيه، وأن مهمة الدفاع عن الوحدة التي انخرط فيها، وقدَّم من أجلها التضحيات، لم تكن دفاعًا عن الوحدة بقدر ما كانت دفاعًا عن مصالح جماعة ما، وزيادة مكاسبهم وأرصدتهم، لقد غضَّ النظامُ طرفه عن أولئك "المقرّبين" الذين وضعوا أيديهم على مئات الكيلومترات من الأراضي، وأثروا من ورائها ثراءً فاحشًا، واستباحوا الجنوب تحت سمع وبصر النظام الحاكم، الذي أعطاهم الضوء الأخضر للمضي في ذلك العمل الشنيع، فذهبوا يرتكبون الجرائم بحق جزء عزيز من وطنهم، وقف أبناؤه بكل صدق إلى جانبه، تأييدًا لوحدته وشرعيته الدستورية!.
لكن هؤلاء وجدوا أنفسهم فجأةً خارج سياق النظام السياسي الذي قاتلوا إلى جانبه؛ إذ فقدوا وظائفهم، وحُلَّت مؤسساتهم المدنية والعسكرية، دون أن يتم إلحاقهم بمؤسسات دولة الوحدة، كحق دستوري وواجب وطني يفرضه الدستور والقانون، فيما غدت أراضيهم مناطق استثمارية لكبار رجال السلطة ونافذيها، ومن هنا يكون النظام قد شرع في صناعة أولى المشكلات والأزمات السياسية المتفجّرة، التي ستُلقي بظلالها القاتمة على الجميع.
تلك السياسة التي اتَّبعها "المؤتمر" في الجنوب، أفرزت فيما بعد ما أصبح يُعرف اليوم بـ"القضية الجنوبية"، التي غدت تحمل في طياتها بذور دعوات انفصالية، تهدّد بعودة الوطن إلى ما قبل 22 مايو 1990م.
السحر ينقلب على الساحر!
أما على الجانب الشمالي؛ فقد لعب النظام على ورقة "تفريخ الأحزاب" وخلق تيارات وجماعات موالية، وكان من نتيجة ذلك أن ظهرت على الساحة جماعات جديدة، وغريبة على الفكر والثقافة اليمنية، حظيت بدعم النظام وتشجيعه ورعايته، بالرغم من أنها لا ترى بأسًا في أن تستورد مشروعها السياسي والفكري من ثقافات خارجية متناقضة مع ثقافة الشعب اليمني وعقيدته.
ومع نهاية حرب صيف 1994م؛ كان النظام السياسي اليمني قد تعاقد مع بعض تلك الجماعات المتطرفة، وتحالف معها بغرض مواجهة جماعات أخرى، وهكذا ظهر إلى العلن ما صار يُعرف بـ"جماعة الشباب المؤمن"، التي وجدت رعاية رسمية كاملة لأنشطتها ورموزها القيادية، وبرغم خروج أنشطة تلك الجماعة عن الإطار المحدد والغاية التي المرسومة لها، إلا أن النظام ظلَّ لفترات طويلة يغض الطرف عنها، ويتجاهل كل التقارير المحذِّرة من خطورتها، ليس على البلد فحسب بل وعلى النظام السياسي نفسه!.
لكن السحر انقلب على الساحر؛ حين خرجت تلك الجماعة من القمقم، وبدت وكأنها أكبر مما صنعوها لأجله، واتضح فيما بعد أن لتلك الجماعة مشروعها الخاص الذي تبنَّته بعيدًا عن مشروع النظام، واكتشف هذا الأخير أن هذه الجماعة التي غرسها بيده وصنعها على عينه، باتت تنازعه مشروعيته، وتحاول الانقلاب عليه!.
خمس حروب متوالية
القوات المسلَّحة اليمنية تواصل تعزيزها لمواجهة أنصار الحوثي

وللوهلة الأولى؛ فقد ظهرت جماعة "الشباب المؤمن" (الحوثيون) كما لو أنها صارت ندًّا لمن أرادها مجرد عصا بيده، وتمكنت من الصمود في وجهه، لخمس حروب متوالية، فماذا أفرزت تلك الحروب؟ وماذا جنت البلاد من وراء ذلك؟ لقد أفرزت تمردًا على النظام، وخروجًا على وحدة الصف، ودمارًا هائلاً واستنزافًا لمقدرات البلد، وصرنا نسمع عن تجار حروب في واحدةٍ من أغرب الحروب التي عرفتها اليمن وأبشعها!.
وبصرف النظر عن نتائج تلك الحروب الخمس وما ألحقته من خراب ودمار وتمزيق للبنية الاجتماعية اليمنية، وبعيدًا عن الأمر الواقع الذي أفرزته تلك الحروب، وما أدَّت إليه من خروج أجزاء واسعة من محافظة "صعدة" من يد النظام؛ لتدخل فيما يمكن تسميته بالحكم الذاتي لأقلية ترفض الاعتراف بالشرعية الدستورية، وترى نفسها فوق الدستور والقانون، فتسنّ لنفسها عيدًا غير عيد الأمة!.
وقد أحدثت تلك الحروب من هزات مدوية في بنية المجتمع اليمني، وخرق واضح في جدار النظام السياسي.
نتائج تصدير الأزمات
الأزمات السياسية التي صدّرها النظام نحو الداخل "شمالاً وجنوبًا" كمنتج خاص به؛ بهدف إرباك خصومه، انعكست آثارها السلبية على البلد، وصارت قنابل موقوتة في وجه وحدته الوطنية.. فاليوم- وبعد ثمانية عشر عامًا من الوحدة- ثمة من بات يطالب بالاستفتاء على الوحدة! وثمة من بات يسعى للانقلاب على النظام الجمهوري (بحسب تأكيدات النظام)، أي أن الوحدة الوطنية التي تحققت بشق الأنفس صارت معرضةً للهدم من الداخل، فهل لنا أن نتساءل عمن كان السبب في وصول الأوضاع إلى ما وصلت إليه؟
وكان من نتائج تفشي تلك الأزمات عبر السنين الماضية، خلق توجّه لدى النخبة الحاكمة باتجاه التوريث، ومحاولة استثمار الأوضاع القائمة بكل تداعياتها لبناء قناعات شبه عامة بتقبل الفكرة، أو على الأقل التغاضي عما يجري بشأنها، ولذا تجري محاولات حثيثة من قبل السلطة لتهيئة الساحة، وإعداد الملعب السياسي وصولاً إلى تحقيق تلك الغاية، عبر العملية الديمقراطية نفسها التي تحتكر أدواتها، وتمسك بكل خيوطها.
والأخطر أن النظام صار يهدد بإعادة النظر في التعددية السياسية الحزبية، ما لم تتفق مع توجّهاته وتقبل بشروطه، وتقنع بالدور الذي يُراد لها أن تلعبه، الأمر الذي عدَّه بعض المحللين محاولة من النظام للانقلاب على النظام الجمهوري، وإعادة النظر في أسس الوحدة ذاتها.
ويمكن القول: إن أحد أهم إفرازات أزمات النظام السياسية هو تراجعه عن الديمقراطية، من خلال محاولته توظيفها لخدمة أهدافه، علاوة على إمعانه في التضييق على المعارضة السلمية، وإفساحه المجال أمام الجماعات المتطرفة التي يتحالف معها حينًا ويختلف معها حينًا آخر.
ونخلص من ذلك بالقول: إن الأزمات السياسية التي غدت مشكلات متفجرة اليوم، وضع النظام القائم بذرتها الأولى عقب انتهاء حرب صيف عام 1994م، حين سار في اتجاه تعميق الأزمة الجنوبية أكثر فأكثر، وحين قادته أفكاره لخلق وضع سياسي جديد في المحافظات الشمالية، يقوم على سياسة ضرب الأطراف بعضها ببعض، وإيجاد تحالفات، وتبادل مصالح مع جماعات وتيارات دينية متطرفة ترى أن الوطن لا يتسع لسواها.
وعوضًا عن التوجه نحو بناء الشرعية من خلال الإنجاز، ورعاية مصالح الشعب وتوثيق الوحدة الوطنية، وتوسيع قاعدة الديمقراطية والتعددية السياسية، وتعزيز مبدأ التداول السلمي للسلطة، عبر آليات نظيفة وشفافة، فقد ذهب النظام للبحث عن تلك المشروعية من خلال صناعةِ الأزمات ثم لعبِ دورٍ لمحاربتها، ومن ثم محاولة إظهار الآخرين على أنهم في موقف الداعمين لتلك الأزمات، الذين يريدون إسقاط شرعيته، وذلك جزء مهم من اللعبة السياسية، لا نتوقع أن أحدًا يجيده غير هذا النظام!.
----------
* بالاتفاق مع المجتمع