رغم حديث الرئيس الأمريكي المنتخب "باراك أوباما" عن اعتزامه زيادة قواته هناك إلا أن الهزائم التي تلاحق قوات الاحتلال الأمريكية والأجنبية في أفغانستان لحد سيطرة "طالبان" على العديد من المدن الجنوبية وحصارها الحكومة في العاصمة كابول، وعودة نشاط تنظيم القاعدة بقوة للمنطقة.. يبدو أن كل ذلك قد أقنع الأمريكيين مؤخرًا بضرورة البحث عن حل سياسي مع طالبان قبل أن يستفحل خطر طالبان وتسيطر على العاصمة مجددًا، ويستمر نزيف الدم الأمريكي هناك.

 

ومن هنا يمكن فهم الدعوة الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأفغاني حامد كرزاي لطالبان إلى الحوار، ودعوة المملكة السعودية إلى التوسط بينه وبين طالبان لوقف القتال والبحث عن حل سلمي، وهي ليست المرة الأولى التي يدعو فيها كرزاي إلى حل سلمي والجلوس مع طالبان بعدما أدرك صعوبة موقف قواته، كما يفسِّر هذا سر الطلب الأمريكي من الدول الأوروبية مبلغ 17 مليار دولار لإعادة تشكيل جيش أفغاني قوي أو التهديد بالانسحاب وترك الأمور لطالبان!.

 

وتقول المصادر المطلعة في باكستان: إن الأمريكيين قد وافقوا على ضرورة البحث عن حل سلمي لأزمة أفغانستان، وإن التصريحات التي أطلقها أخيرًا عدد من قيادات القوات الأجنبية في أفغانستان وزعماء أفغان لم تكن من فراغ، وإنما كانت تنم عن قناعة توصَّلت إليها أمريكا اليوم بأن عليها الانسحاب من أفغانستان والحفاظ على ماء الوجه وعدم الظهور بمظهر المنهزمة والفاشلة في أفغانستان.

 

وفي هذا الصدد يؤكد المحلِّل الباكستاني الشهير الجنرال طلعت مسعود أن الأمريكيين قد اقتنعوا بأن عليهم التفكير بجدية في الانسحاب من أفغانستان والبحث عن مخرج سياسي مع طالبان يُبقي حلفاءها الأفغان في السلطة وتقاسم السلطة مع معتدلي طالبان.

 

ولهذا لجأت أمريكا- كما جرت عادتها- إلى دفع زعماء الحكومة الأفغانية إلى إطلاق تصريحاتهم الداعية لطالبان إلى التفاهم والمشاركة في الحكومة، وآخرها كان تصريح الرئيس حامد كرزاي قبل عيد الفطر الماضي بأنه يمد يديه إلى جماعة طالبان (عدوه) وأنه يرغب في مصالحة وطنية مع مسلحي طالبان، بشرط احترامهم للدستور الأفغاني وللتداول السلمي للسلطة!.

 

وهذا التصريح نفسه سبق أن ردَّده وزير الدفاع الأفغاني "عبد الرحمن وردك" بعد عودته من زيارته الرسمية إلى أمريكا؛ حيث صرَّح بأنه لا يمكن إحراز تقدم في أفغانستان ولا تحقيق الأمن من خلال محاربة طالبان واستخدام العنف ضدها، وطالب مسلحي طالبان بالموافقة على الدخول مع حكومته في مفاوضات، مع احترامهم الدستور والقبول بما تفرزه صناديق الاقتراع.

 

تحوُّل في السياسة الأمريكية

ويقول الخبير الباكستاني في شئون أفغانستان "يوسف زي": إن النتيجة والقناعة التي توصَّلت إليها الحكومة الأفغانية تُعَد تحوُّلاً في السياسة الأمريكية قبل كل شيء؛ لأن الأفغان كانت مهمتهم- وما زالت- تطبيق ما تتوصل إليه الإدارة الأمريكية وما تقرره.

 

واعتبر "يوسف زي" أن هذا هو أكبر تحول في السياسة الخارجية الأمريكية منذ إطاحتهم بحكومة طالبان قبل 7 سنوات، مؤكدًا أن الرئيس الأمريكي استجاب أخيرًا لدعوات حزبه بضرورة تغيير إستراتيجية أمريكا في حربها على الإرهاب من خلال الضربات الانتقائية الموجَّهة إلى القاعدة وتدمير معسكراتها وقواعدها متى تم التعرف عليها.

 

وحسب هذا الرأي فإن الأمريكيين باتوا اليوم على قناعة بأنهم يتحركون في رمال متحركة، وأن أهمية أفغانستان بالنسبة إليهم لا تكمن في تعزيزات عسكرية ستكون مكلفة جدًّا على القوات الأمريكية قدر ما يمكنهم مواصلة الحرب على الإرهاب من خلال الضربات الانتقائية والنوعية الموجَّهة إلى زعماء القاعدة.

 

وكان بعض المحلِّلين قد ذهب إلى القول: إن إعلان إدارة الرئيس بوش عن أن القوة العسكرية لا تحقِّق لها النصر المنشود في أفغانستان، وأنه حان الوقت إلى البحث عن حلول سياسية وسلمية، كان يدخل في الحقيقة ضمن مناورات حزب الرئيس بوش في كسب الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أمريكا، من خلال تزيين وجه المرشح الجمهوري "جون ماكين" في معركته الانتخابية من خلال الحديث عن أنه سيسحب قواته من أفغانستان ويريح الأمريكيين حكومة وشعبًا من صداعها.

 

والعجيب أن هذه التصريحات قد تزامنت مع تصريحات قادة قوات التحالف والقوات البريطانية؛ حيث أطلقوا تصريحاتٍ طالبوا فيها بدورهم صراحةً بالبحث عن حل سياسي لمشكلة أفغانستان.

 

وتساءل عددٌ من الخبراء عن هذا التغير المفاجئ لدى القوات الدولية في أفغانستان، أهي إستراتيجية عسكرية جديدة أم محاولة لربح المزيد من الوقت وشق صفوف طالبان؟

 

وسبق أن كشف أحد قيادات المخابرات الباكستانية السابقة أن مفاوضات سرية دارت بين الباكستانيين- بدعم واضح من دولتين خليجيتين وبموافقة أمريكية- وطالبان زادت عن 20 لقاء تمت في مناطق مختلفة من وزيرستان وبلوشستان، وأنها دارت جميعها حول البحث عن حل سلمي وسياسي للمشكلة الأفغانية.

 

ويقول الخبراء: إن هذا يُظهر أن الحكومة الأفغانية باتت فعلاً ضعيفةً ومشتَّتةً ومهزوزةً، خاصةً بعد رفض طالبان أية مساومة معها إلا بعد إعلان الأمريكيين والقوات الأجنبية الانسحاب من أفغانستان، أو إعلان جدول زمني لسحب قواتهم من أفغانستان قبل الحديث عن أي مفاوضات مستقبلية، كما أعلنت طالبان أنها لا تعترف بالدستور الأفغاني؛ لأنها لم يؤخذ برأيها فيه.

 

ويقول الخبراء: إن هناك عدة أطراف يمكنها لعب دور محوري في حل الأزمة الأفغانية؛ من بينها باكستان اللاعب الرئيس في المشكلة.

 

ويقول زعيم طالباني (رفض الكشف عن هويته): إن طالبان ما زالت تُكنُّ كل الاحترام لكلٍّ من الإمارات والسعودية، باعتبار أن السعودية تمثِّل البعد الديني والروحي للشعب الأفغاني ولجميع الجماعات الأفغانية، وأن الإمارات ارتبطت بعلاقات أسرية مع أسرة حقاني التي لعبت دورها في ظهور طالبان في أفغانستان، وظلت الإمارات تمثِّل الدولة الصديقة لجميع الأفغان ولجميع الجماعات السياسية بما فيها طالبان.

 

ومن ثم يعتقد الزعيم الطالباني أنه في حالة موافقة الأمريكيين والقوات الأجنبية على وضع جدول زمني لانسحابهم من أفغانستان أو على الأقل أظهروا نوايا صادقة وجادة في الانسحاب من أفغانستان وإيجاد حل نهائي للمشكلة، فإنه يمكن لهذه الدول- بما فيها بطبيعة الحال باكستان- القيام بدور مهم لحل الأزمة.

 

وقال: إنه إذا كان الرئيس كرزاي قد طلب من السعودية القيام بدور سياسي لحل الصراع مع طالبان فيمكننا أن ندعوَ الإمارات إلى القيام بدور مماثل في أفغانستان لحل الصراع الدائر اليوم، حسب رأي الزعيم الطالباني.

---------

* بالاتفاق مع مجلة المجتمع.