في غضون أيامٍ قلائل تنتهي فترة التهدئة المؤقتة المبرمة بين فصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس مع العدو الصهيوني، والتي تم التوصل إليها في يونيو الماضي بوساطةٍ مصريةٍ مباشرة، في محاولةٍ من جانب الفصائل الفلسطينية والوسيط المصري لخلق الهدوء اللازم لعلاج العديد من الملفات.
ومن بين هذه الملفات المصالحة الفلسطينية الداخلية بكل ملفاتها الفرعية، مثل المعتقلين السياسيين من أبناء حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى في سجون السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وقضية الحصار الصهيوني الجائر على قطاع غزة، بالإضافة إلى ملف المعتقلين الفلسطينيين في السجون الصهيونية، وبخاصة النواب والوزراء الفلسطينيون المعتقلون منذ انتخابات 2006م التشريعية.
ومع اقتراب موعد انتهاء الفترة التي التزم بها الطرفان الفلسطيني والصهيوني في قطاع غزة، تثور تساؤلات حول مستقبل الأوضاع صبيحة اليوم التالي لانتهاء فترة التهدئة في التاسع عشر من ديسمبر الحالي.
نقاشاتٌ هادئةٌ
ومنذ سريانها أثارت هذه التهدئة الكثير من السجالات، وبخاصةٍ حول موقف المقاومة من قضية العمل المسلَّح ضد العدو الصهيوني، وكذلك ما اعتبره البعض الاتجاهات الراهنة فيها ما بين الانكفاء على الذات، والبحث عن بعض المكاسب السياسية على حساب القضية الأساسية.
هذه الاتهامات ذات الأغراض الإعلامية والسياسية التي انطلقت من بعض الأبواق الدعائية الفلسطينية والعربية تجافت عن الكثير من الحقائق الموجودة على الأرض، والتي دعت حماس وأخواتها من فصائل المقاومة إلى قبول تهدئة مؤقتة مع الكيان الصهيوني.
ومن بين هذه الحقائق ما هو سياسيٌّ وما هو عسكريٌّ، وأيضًا ما هو إنسانيٌّ، ففيما يخص الجانب السياسي ارتأت القيادات السياسية للفصائل قبول ذلك لإعادة ترتيب البيت الداخلي، ومعرفة اتجاهات الريح فيما يتعلَّق بمستقبل الوضع السياسي الداخلي الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحسم العسكري الذي قامت به حماس في قطاع غزة لتقييد الفوضى الأمنية التي كانت تسود القطاع في السابق.
كذلك أرادت حماس استغلال فترة التهدئة لبدء حراكٍ دبلوماسيٍّ على المستوى العربي والدولي في محاولةٍ لشرح وجهة نظرها ونظر الفصائل فيما يخص الوضع الفلسطيني العام، سواء على مستوى الأزمة الداخلية أو فيما يخص مستقبل الأوضاع على جبهة الكيان الصهيوني، بما يشتمل عليه ذلك من ملفات مثل الحصار والنواب المعتقلين، وغيرها.
وكانت المقاومة تأمل أنْ تشهد فترة التهدئة استجابةً من جانب رام الله لمحاولات علاج الأزمة الفلسطينية الداخلية، وانفراجةً على الجانب الصهيوني فيما يخص موضوع الحصار، ولكن هذا لم يحدث.
كذلك فإنَّ هناك قناعةً باتت لدى المقاوم الفلسطيني وقياداته بضرورة وجود غطاء سياسي يدعم العمل المسلح، وهو أمرٌ طبيعيٌّ وعرفته كل تجارب المقاومة الشعبية في التاريخ الإنساني من الصين إلى فيتنام إلى أمريكا اللاتينية وإفريقيا السوداء؛ فكل حركات التحرير والمقاومة في هذه البقاع من العالم كان لها واجهة سياسية حزبية وغير حزبية، تخوض الانتخابات، وتتحدَّث باسمها في المحافل الإقليمية والدولية.
على المستوى الإنساني كذلك كانت المقاومة بحاجةٍ إلى فترة هدوء؛ يقوم خلالها الشعب الفلسطيني في غزة بلملمة أشلائه بعد عقودٍ طويلةٍ من الاحتلال ثم الفوضى الأمنية التي أرهقته طويلاً.
أما على الجانب الأمني فقد كان من المستحيل استمرار الأوضاع التي كانت سائدة في قطاع غزة قبل الحسم العسكري؛ ولذلك اتخذت حماس خطوتها الخاصة بمواجهة الفلتان الأمني بالقوة المسلحة، وكان لا بد من فترة هدوءٍ نسبيٍّ لتثبيت أركان الإنجازات التي تحقَّقت على الأرض في قطاع غزة.
كما كان استمرار المقاومة الفلسطينية في العمل المسلح في ظل الحصار يعني حكمًا بالإعدام على مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة بسبب تهديدات الكيان الصهيوني المتكررة باجتياح القطاع الذي لا يتحمَّل مثل هذه الخطوة في الوقت الراهن؛ فالحصار شيء والحصار مع القصف الجوي والمدفعي والاجتياحات شيءٌ آخرٌ.
خياراتٌ مطروحةٌ
لا يوجد أمام المقاومة الفلسطينية في المرحلة القادمة سوى خيارٍ واحدٍ من بديلَيْن: الأول هو تجديد التهدئة لستة أشهرٍ أُخرى، أما البديل الثاني فهو رفض التجديد والعودة إلى المربع الأول الخاص بالعمل المسلَّح الصِّرْف، مع الاكتفاء بالغطاء السياسي الذي تقوم به الأجنحة السياسية لفصائل المقاومة.
البديل الأول مرجَّحٌ والثاني أيضًا مرجحٌ؛ فبالنسبة لبديل التجديد فمن خلال تصريحات قادة المقاومة، وخصوصًا حركتَي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، فإنَّه من الممكن الاستمرار في التهدئة، ولكن مع الكثير من الضمانات المطلوبة لتفادي تكرار الاجتياحات الصهيونية لها، وبخاصة الاجتياحات الأخيرة التي تكرَّرت في خان يونس وجنوب القطاع، والتي أسفرت عن سقوط حوالي 20 شهيدًا، بجانب الانتهاكات العديدة التي تتم، مع تعهدٍ صهيوني واضحٍ بخصوص موضوع الحصار والمعابر.
ويدعم هذا البديلَ مجموعةٌ من الأمور لدى الطرفَيْن الفلسطيني والصهيوني؛ فعلى الصعيد الفلسطيني فإنَّ الوضع السياسي الداخلي لا يزال معقدًا بما فيه الكفاية؛ بحيث لا يوجد غطاءٌ سياسيٌّ كافٍ للعمل المسلح، فأول من سوف يتخلَّى عن المقاومة هي السلطة نفسها التي كثيرًا ما تدين عمليات إطلاق الصواريخ الفلسطينية.
كذلك فإنَّ العمل المسلح بحاجةٍ إلى استقرارٍ وذهنٍ سياسيٍّ خالٍ، وهو ما لن يتأتَّى مع الأزمة الفلسطينية الداخلية التي تستنزف وقت وجهد قيادات المقاومة، ولا تسمح بعملٍ مسلحٍ فعَّالٍ سيكون له تبعاته السياسية.
الجانب الصهيوني رابحٌ من التهدئة، وهو لا يرغب في أنْ يعود إلى الوقت الذي كانت مغتصبات الجنوب الصهيوني مستهدفةً بالصواريخ كل يومٍ تقريبًا، وهو ما كان يفرض عليه خياراتٍ صعبةٍ؛ من بينها اجتياح القطاع بما لذلك من ثمنٍ أمنيٍّ وعسكريٍّ باهظٍ بعد تجربته المريرة في حرب صيف 2006م مع حزب الله اللبناني، أو عدم الرد بما لذلك من ثمنٍ سياسيٍّ داخليٍّ تدفعه الحكومة الصهيونية الضعيفة الغارقة في الفساد، والمهزومة في لبنان، وتواجه انتخاباتٍ مبكرةً بسبب فشلها.
على جانبٍ صهيونيٍّ آخر فإنَّ هناك اعتبارات سياسية واضحة تجعله راغبًا في الاستمرار في التهدئة، ومن بينها الانتخابات المبكِّرة التي تُجرى في فبراير المقبل، ولا تجعل أي طرفٍ في الكيان الصهيوني قادرًا على تحمُّل ثمن اتخاذ قرارٍ يتعلق بمواجهةٍ جديدةٍ مع المقاومة الفلسطينية قد يخرج منها الكيان الصهيوني مهزومًا كما حدث في لبنان، أو يسقط فيها أسرى جدد في أيدي المقاومة، بما سوف يعطي الأخيرة الكثير من الميزات النسبية في أيِّ مفاوضاتٍ قادمةٍ لتبادل الأسرى.
إلى ذلك يرغب الكيان في استثمار فترة التهدئة لإيجاد حلٍّ لمشكلة الجندي الصهيوني الأسير جلعاد شاليط، الذي بات ملفُّه أحد نقاط الضغط على الحكومة الصهيونية في الداخل، وبات يمثِّل حرجًا بالغًا لها أمام المجتمع المدني الذي يطالب بالإفراج عن أسرى فلسطينيين مقابل شاليط.
البديل الثاني الخاص برفض الاستمرار في التهدئة تدعمه بدوره عوامل لدى الطرفين؛ فبالنسبة للفلسطينيين تمثِّل الاجتياحات المتكررة، واستمرار الحصار على غزة، واستمرار استهداف قوات الاحتلال الصهيوني في الضفة الغربية لعناصر ومؤسسات حماس وغيرها من الفصائل عوامل هدم للتهدئة.
كما أن سؤال مدى الفاعلية هنا هو الفيصل في هذا الإطار؛ فماذا بعد التهدئة؟ هل سيمكن للفصائل الدخول في عملية تسوية تعترف فيها بالكيان الصهيوني؟ وهل الوسيط الدولي- اللجنة الرباعية الدولية- نزيه بما فيه الكفاية؟ إجابة هذه الأسئلة لا ترجِّح استمرار التهدئة.
ويدعم ذلك أنَّ الكيان الصهيوني لا يرغب في خيارٍ يعترف بحماس والمقاومة كقوةٍ فاعلةٍ، ويعطيها القدرة على الاستمرار وشرعيةٍ من نوعٍ ما؛ فالتهدئة من الأساس لم تكن مرغوبةً صهيونيًّا، لأنَّها قد تسمح لحماس بالاستمرار في الحكم في قطاع غزة، وفي الوجود من الأساس.
البديل الثالث
إلا أنَّه ثمة بديلٌ ثالثٌ بجانب الاحتمالَيْن السابقَيْن، وهو البديل المرجَّح في حقيقة الأمر، وهو استمرار الوضع على ما هو عليه دونما تجديد قانوني أو رسمي للتهدئة، بمعنى استمرار الهدوء الداخلي في قطاع غزة، ولكن مع عدم تقييد يد المقاومة في الرد على أيِّ انتهاكات صهيونية بوثيقة قانونية مُلزمة تحمل الفصائل الثمن السياسي لخرقها.
ويدعم من هذا عبارة ذهبية ثمينة، وهي "ترقَّبْ وانتظر"؛ حيث ينتظر الفلسطينيون والعرب إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما وخطواتها الأولى في الشرق الأوسط، كما ينتظر الصهاينة انتخاباتهم المبكرة، بينما تنتظر حماس خيارات رام الله فيما يخص مرحلة ما بعد انتهاء فترة الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، وما سوف تسفر عنه الأمور فيما يخص الأزمة الفلسطينية الداخلية.
هذا البديل يبدو هو الأقوى احتمالاً، وما يزيد من حزن المواطن العربي الشريف أنَّ أحد عوامل عدم عودة البديل المسلَّح في الوقت القريب لكي يتبوَّأ موضع الصدارة في العمل الفلسطيني، هو بعض الأطراف الفلسطينية ذاتها، التي تعطِّل المقاومة المسلحة بالاعتقالات في الضفة، وتقيِّد يديها في غزة بعدم القيام باختراقٍ قويٍّ في عملية المصالحة.
وبطبيعة الحال لا يجب في هذا الموضع السؤال بتاتًا عن موقف الوسيط المصري الذي له حساباته ومواقفه المبدئية المؤيدة لخيارات رام الله وتل أبيب، والذي لم يُثبت حيادًا كافيًا في الفترة الماضية، بما لا يجعلنا نرى في الأفق أي تغييرٍ في مواقفه، حتى لو مات الغزاويون من الجوع بسبب الحصار!!.