قالت تسيبي ليفني كلمةَ الكيان الصهيوني الأخيرة فيما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية بمعناها التاريخي لا بمعناها المبتسر الذي وضعه أنصار التسوية المشلولة في رام الله وبعض العواصم العربية التي صدَّقت أنَّ الكيانَ الصهيوني من الممكن له أن يتخلَّى عن بعضِ ما اغتصبه من الأرض والتاريخ لمجرد أن العرب "أطفال مطيعون".
ليفني التي تتزعم حزب كاديما ومرشحته في انتخابات فبراير 2009م، والتي كانت على وشك أنْ تشكِّل الحكومة الصهيونية بعد استقالة رئيس الوزراء الضعيف الفاسد إيهود أولمرت؛ حددت في تصريحاتٍ لها أمام طلاب إحدى المدارس الثانوية في مدينة تل أبيب حقيقة خطط الحكومة الصهيونية المقبلة فيما يخصُّ العرب في الداخل، وعموم مستقبل التسوية الفلسطينية- الصهيونية.
قالت ليفني أمام الطلبة الصهاينة: "كي نبنيَ دولةً يهوديةً وديمقراطيةً، علينا أن نبنيَ دولتَيْن قوميتَيْن مع تنازلاتٍ معينة وخطوط حُمْر واضحة، وعندما ننجز ذلك أستطيع أن أتوجَّه إلى الفلسطينيين مواطني إسرائيل، مَن نُسميهم اليوم عرب إسرائيل، وأقول لهم إن الحل القومي لقضيتهم موجود في مكانٍ آخر".
هذه التصريحات هي الأولى من نوعها من مسئولٍ صهيوني بهذا الحجم، بعد سنواتٍ طوالٍ من توزيع المهام بين الحكومات الصهيونية وقيادات المشروع الصهيوني وغلاة المغتصبين اليهود في فلسطين المحتلة في عام 1948م وعام 1967م؛ حيث كانت الحكومات الصهيونية تُظهر دائمًا وجه "الولد الطيب"، بينما يلعب المتطرفون أو باقي الصهاينة في حقيقة الأمر دور "الولد الشرير".
هذا "الولد الشرير" يُنفِّذ المخطَّط القذر والدور المرسوم له الذي لا يرغب "الولد الطيب" في أن يراه أحد يلعبه، ولكنه- أي "الولد الشرير"- في الوقت ذاته يحظى بكامل حماية الأسرة في الداخل والعائلة الكبرى عبر المتوسط والأطلنطي في أوروبا الغربية والولايات المتحدة؛ حيث تهيمن الصهيونية المسيحية البروتستانتية على الحكم في واشنطن ولندن.
تصريحات خطيرة
تصريحات ليفني هي أول تصريحات علنية لمسئولٍ صهيوني تُعبِّر صراحةً عن فكرة "ترانسفير" العرب من أرض الأجداد في فلسطين القديمة إلى أراضٍ أخرى؛ بُغية الحفاظ على السمت أو الهوية اليهودية للدولة الصهيونية المقامة على أنقاض الوطن الفلسطيني.
فطيلة عقود الصراع الماضية كانت إستراتيجية تعاطي الكيان الصهيوني- سواء على مستوى الحكم أو شذاذ الآفاق من المغتصبين، وسواء في فلسطين 48 أو في الأراضي المحتلة في العام 1967م- تتلخص في التوزيع الآتي للأدوار:
1- موقف إعلامي مُعلَن للحكومة الصهيونية يقول إن عرب 48 جزءٌ من شعب ما يُعرف بـ"دولة الكيان الصهيوني".
2- ممارسات فعلية تعتمد على التضييق على الفلسطينيين؛ بما في ذلك في أراضي 67؛ بحيث يتم إرهاقهم بالممارسات الإدارية والقوانين التي تجعل من الصعوبة بمكانٍ عليهم الانتقال أو تملك الأراضي أو المنازل أو البناء، كجزءٍ من سياساتٍ لتفريغ الأراضي التي لا يزال أغلبية عربية تسكنها، خاصةً في المدن المختلطة في أراضي 48، مثل مثلث الجليل وعكا ويافا، أو المدن ذات القدسية الدينية لدى اليهود في الضفة الغربية، مثل الخليل والقدس.
3- إطلاق يد المغتصبين اليهود في وجه العرب؛ حيث تشهد المناطق المختلطة وذات الحساسية- مثل هذه المشار إليها سلفًا من فترةٍ لأخرى- أعمال عنفٍ شديدة ضد السكان العرب.
ولعل التوترات الراهنة، والتي لا تزال مشتعلةً في مدينة الخليل تُوضِّح بعض أبعاد هذه المشكلة؛ حيث قالت التقارير التي نشرتها الصحف الفلسطينية الصادرة في الضفة الغربية: إن قطعان المغتصبين المقيمين بالخليل قد جدَّدوا هجماتهم على منازل المواطنين الفلسطينيين وسياراتهم في منطقتَي "الكرنتينا" و"جبل الرحمة" الواقعتين قبالة "سوق الحسبة" المغلقة في البلدة القديمة من المدينة.
وبالرغم من أن ليفني حاولت التخفيف من وطأة تصريحاتها تلك بالقول إنها لا تعني ترحيل عرب 48، إلا أنها أكدت عبارة "إن التطلعات الوطنية للعرب يجب أنْ تتحقَّق في مكانٍ آخرٍ"، وهي عبارةٌ لها العديد من الدلالات؛ فهي تطرح سؤال المصير لمليون ونصف المليون فلسطيني بعد إقامة دولة فلسطينية، وما إذا كانوا سيظلون دون حقوق أو هوية، وفي مستوى أبسط فإن هذه التصريحات تُثير التساؤل حول مصير 17 ألفًا من فلسطينيِّي 48 من أعضاء حزب كاديما الذي تترأسه ليفني، وما إذا كان الطرد من الحزب سيكون مصيرهم.
مصير القضية
ولتصريحات ليفني مكمن خطورة آخر، وهو المتعلق بمصير القضية الفلسطينية في إطار التسوية المشلولة بين الكيان الصهيوني وبعض الأطراف الفلسطينية؛ فمع تصاعد الحديث عن قرب التوصل إلى "اتفاق سلامٍ نهائي" بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني، فإن هناك العديدَ من التساؤلات التي تجد طريقها بشأن شكل الدولة الفلسطينية المقترحة.
فكيف سيكون شكل هذه الدولة؟ وهل ستكون متواصلة جغرافيًّا في ظل رفض الكيان الصهيوني تنفيذ مشروع قديم نصَّت عليه اتفاقات أوسلو في التسعينيات، ويقضي بإقامة طريق أو جسر طويل يربط بين أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة لاعتبارات أمنية بحتة؟ وهل سوف تشمل هذه الدولة العتيدة كل الأراضي المحتلة في عام 1967م، أو بمعنى آخر كل الضفة الغربية المحتلة التي استولى الاحتلال وجدار الفصل العنصري على أكثر من 20% من مساحتها؟
من الواضح أن الإجابة عن هذه الأسئلة هي بـ"لا"؛ فإجراءات بناء المغتصبات في الضفة الغربية، واستمرار بناء الجدار توضِّح أن هذا سلوكُ قوم لا ينوون الرحيل، بل على العكس؛ فإنَّ التقارير الإعلامية والرسمية العربية والصهيونية تقول إن السلطات داخل الكيان الصهيوني في سبيلها إلى تفعيل قانون أملاك الغائبين على أراضي الضفة الغربية، وبخاصة القدس المحتلة.
كما أن تقارير ما يُعرف بمنظمات السلام الصهيونية مثل "بيت سليم" قالت مؤخرًا إن السلطات ومغتصبين يهودًا قد استولوا على مساحاتٍ كبيرةٍ من الأراضي في الضفة الغربية المحتلة، وضموها إلى المناطق الأمنية حول المغتصبات اليهودية إلى الشرق من الجدار العازل، داخل أراضي الضفة.
وبحسب التقرير فإنه جرى إقامة سور حول نحو 12 مغتصبةً شرق الجدار بموجب الخطة الرسمية المتعلقة بما يُعرف باسم "المنطقة الأمنية الخاصة"؛ مما منع الفلسطينيين من الوصول إلى حقولهم، وهناك تقدير تقريبي لإجمالي مساحة الأراضي التي أغلقت في وجه الفلسطينيين بحوالي 1126 فدانًا على الأقل، حول 12 مغتصبةً تم ضمها بطريقةٍ غير رسمية لها.
ووفق تقارير "بيت سيلم" فإن تقديرات إجمالي مساحة بعض المغتصبات التي تضمها الخطة زادت بأكثر من الضعفَيْن، والمدهش أن المحكمة العليا الصهيونية قد أقرَّت للجيش الصهيوني باستخدام هذه المناطق عددًا من المرات.
هذا هو حال الفلسطينيين على أراضيهم المحتلة، فكيف هو الحال بالنسبة لعرب 48؟ كيف سيحققون "أحلامهم القومية" التي تزعمها ليفني على أراضٍ تضيع معالم هويتها يوميًّا؟
وفي النهاية نختم بمقولة شهيرة للمؤرخ الصهيوني بني موريس، وهو من أقطاب ما يُعرَف بظاهرة المؤرخين الجُدد في الكيان الصهيوني حول موضوع التطهير العرقي للفلسطينيين من أراضيهم في وطنهم التاريخي: "إنه (الترانسفير) الخيار البديل عن إبادة الشعب اليهودي"، ويقول أيضًا: "لن يكون هناك سوى كيان سياسي واحد بين النهر والبحر، ولن يُقيم في نهاية المطاف في هذه المنطقة سوى شعبٍ واحدٍ"، وعندما جرى سؤاله عما إذا كان يتحدث عن (الترانسفير)؟ أجاب: "سوف يضطر أحد الطرفين إلى طرد الآخر.. إن الأمر من الناحية التاريخية لا يحتمل الحل الوسط، فالمكان ضيق جدًّا".
أما في حواره مع جريدة (هآرتس) الصهيونية المنشور في 9/1/2004م، فقد قال موريس: "إن خطأ بن جوريون أنه تراخى- مع أنه فهم القضية الديموجرافية- ولم يقم بعملية طردٍ كبيرةٍ، وبـ"تنظيف" الأرض كلها، كل أرض "إسرائيل" حتى نهر الأردن، عملية طرد كاملة لا جزئية"!!.
وهو ليس رأي موريس فحسب أو رأي ليفني؛ فاستطلاعات الرأي الصهيونية تكشف أن 60% من الصهاينة يؤيدون "تشجيع" فلسطين التاريخية المحتلة في العام 1948م على الرحيل، و31% يؤيدون "ترحيلهم بالقوة.
هذه الاتجاهات في الرأي والمواقف تشير إلى أنَّه ربما بعد 60 عامًا على النكبة قد يكون على فلسطينيِّي الداخل أنْ يحملوا أمتعتهم ويرحلوا- مرةً أخرى- إلى المجهول، ومع حصار غزة، وتفتيت الضفة، وسط صمت عربي وإسلامي رسمي، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها في سبيلها إلى التصفية!!.