على غرابته، لم يكن من المستبعد أن يرى المشاهد العالمي المشهد الدرامي المثير الذي تعرَّض له الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في العاصمة العراقية بغداد؛ حيث قام صحفي قناة (البغدادية) منتظر الزيدي بقذف فردتَيْ حذائه قائلاً له إنَّ الأولى هي "قبلة الوداع"، والثانية هي "هدية العراقيين" للرئيس الأمريكي!!.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ هذه الوقعة تتجاوز كثيرًا السلوك الذي قام به الصحفي العراقي الذي سبق اعتقاله في نوفمبر 2007م، واعتقال أفراد أسرته أكثر من مرة على أيدي القوات الأمريكية؛ فالمشهد يعبِّر حقيقةً عن حقيقة المستوى الذي أوصل إليه الرئيسُ الأمريكي المنتهية ولايته جورج بوش الابن نفسَه وبلادَه من تَرَدٍّ في الهيبة؛ بحيث يستحق المشهد عبارة "القوى العظمى عندما تُضرب بالأحذية".
ولذلك لا يمكن القول إنَّ مشهد الصحفي وهو يقذف بوش بحذاءيه في إصرارٍ واضحٍ على الإهانة، كان وليد اللحظة أو نتاجًا لحديث بوش اللا معقول خلال مؤتمره الصحفي مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في بغداد؛ حيث كان بوش وقتها "يودع العراق وهو مطمئن" (!!)، ولكن المشهد كان نتاج سنوات طويلة من الفشل؛ قاد فيها الرئيس الأمريكي وإدارته الولايات المتحدة إلى هاويةِ تَرَدٍّ لم يحدث أنْ وصلت إليها في أوج مواجهتها مع الاتحاد السوفيتي السابق والكتلة الشرقية التي كانت مدرعةً بالعلم والأسلحة النووية حتى الأسنان.
الأمريكيون والحذاء
الصحفي منتظر الزيدي أثناء قذفه بوش بالحذاء
ولعل أول ما يلفت نظر المتأمل في هذه الوقعة التاريخية، هو ردود الفعل الأولية على الحادثة في الولايات المتحدة ذاتها؛ حيث تقول ردود الفعل، سواء على المستوى الشعبي أو على مستوى التناول الإعلامي للحدث: إنَّ سلوك الزيدي إنما كان هو أمنية الكثير من الأمريكيين، لا الكثير من العرب والمسلمين فحسب.

فالتقارير الواردة من واشنطن تشير إلى فتور رد فعل المواطن الأمريكي إزاء ما جرى لكرامة رئيسه، وكرامة بلاده بالتالي؛ حيث إنَّ المواطن الأمريكي منشغل حاليًّا بتبعات الأزمة الاقتصادية التي خلَّفتها سياسات الرئيس الأمريكي المنصرف وإدارته.
بل إنَّ الصحف وشبكات التلفزيون الأمريكية أوردت الخبر بكامل تفاصيله، معتبرةً إياه بمثابة "نتاج" لسياسات بوش والجيش الأمريكي في العراق، وخلت تقريبًا من أي انتقاد لتصرف الزيدي!!، وكان رد الفعل الأهم هو ذلك الذي أوردته صحيفة (واشنطن بوست) التي كانت تُعتبر إلى وقتٍ قريبٍ إحدى أبرز أبواق التيار الجمهوري المحافظ في الولايات المتحدة، إلا أنَّ سياسات الإدارة الأمريكية دفعتها دفعًا إلى تبديل مواقفها وانتمائها بفعل الحماقات الكبرى التي ارتكبها الرئيس الأمريكي، وأدت إلى خسارة الولايات المتحدة حروبَها وثرواتِها، و أخيرًا كرامتها وهيبتها.
فالصحيفة التي أيَّدت المرشح الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة باراك أوباما، قالت في تعليقها على الحادث: إنَّ بوش "ذاق برمية الحذاء بعضًا من النقمة العارمة التي تغلي بها صدور العراقيين على احتلاله بلدَهم وممارسات الجيش الأمريكي هناك".
ونشر موقع الصحيفة على شبكة الإنترنت فيديو الحادث محتويًا على إعلانٍ لإحدى شركات السيارات قبل عرض الفيديو، وهو ما يشير إلى وجود إقبال كبير من الجمهور الأمريكي على مشاهدة رئيسهم وهو يُضرب بالحذاء.
كما قالت الصحيفة، في تعليقٍ مشتركٍ بينها وبين مختلف وسائل الإعلام الأمريكية: إنَّ رمي الأحذية يُعتبر- في نظر العراقيين والشعوب العربية والإسلامية- "أسوأ إهانة"، وتعني "ضياع احترامه"، وكان لافتًا إصرار الصحيفة الأمريكية الأهم على الإشارة إلى نتائج استطلاعات رأي سابقة اعتبر فيها معظم الأمريكيين أنَّ غزو العراق كان قرارًا خاطئًا.
التعليق المهم أيضًا ذلك الذي خرجت به شبكة (فوكس نيوز)، التي خرجت بدلالةٍ ما من وراء تشابه مشهد توديع العراقيين للرئيس الأمريكي بنفس أسلوب بعض العراقيين لتمثال الرئيس الراحل صدام حسين في ساحة الفردوس في ربيع العام 2003م، ضربًا بالأحذية؛ تعني أنَّ الولايات المتحدة قد هُزمت في العراق.
والاستنتاج البديهي لهذا الاتجاه الذي ساد المجتمع الأمريكي إزاء ما جرى لبوش في عاصمة العراق المحتل المُدمَّر، هو أنَّ الأمريكيين قد نقموا على بوش لدرجة ترحيبهم المبطَّن بإهانة رمز بلادهم!!.
فشل ذريع
ولم تَأْتِ هذه الحالة من فراغٍ؛ فتقييم فترة أي حاكم تكون عن طريق مقارنة حال بلاده في بداية توليه الحكم بتلك الحال عند مغادرته الحكم، على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته قد حقَّق مستويات فشلٍ غير مسبوقٍ بالنسبة للأمريكيين، بما دعا هؤلاء إلى الترحيب برحيله، والشماتة فيما جرى له في بغداد.
![]() |
|
أحداث 11 سبتمبر أسقطت الهيبة الأمريكية |
فعلى المستوى الأمني بدأ بوش سنوات حكمه بأكبر فشلٍ في تاريخ أجهزة الأمن الأمريكية؛ حيث سقط- وأمام العالم كله أيضًا- رموز الهيمنة الأمريكية ممثلةً في بُرْجَيْ التجارة العالمية، والبنتاجون، وربما كان البيت الأبيض ومبنى الكونجرس في الكابيتول هول، لو كان مخطط سبتمبر 2001م قد سار إلى نهايته المرسومة من جانب منفِّذيه.
وخاض الرئيس الأمريكي ببلاده حربَيْن في كلٍّ من أفغانستان والعراق، وفي الأولى اضطر الأمريكيون إلى طلب الصلح مع حركة طالبان، مع فشلٍ كاملٍ في تحقيق ما سبق أنْ وعد به بوش الابن شعبه بالقبض على مرتكبي أحداث سبتمبر وتقديمهم "للعدالة"، بحسب تعبيره.
فزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وأركان تنظيمه، وقيادات حركة طالبان؛ وعلى رأسهم الملا محمد عمر، لا يزالون أحرارًا وفاعلين في جبال أفغانستان وباكستان، ويؤرقون جنود حلف الناتو؛ فالطريف في الأمر أنَّ بوش الابن كان يتحدث عن "انتصاراته" في العراق وأفغانستان، بينما كان العشرات من مقاتلي القاعدة وطالبان يجتاحون القواعد الباكستانية التي يتم فيها حشد الدعم اللوجستي الموجَّه إلى قوات حلف الناتو المرابطة في أفغانستان، وقاموا بحرق مئات الشاحنات المُحمَّلة بالسلاح والعربات المدرَّعة من طراز "هامفي" في بساطةٍ شديدةٍ ومدهشةٍ في الوقت ذاته.
أما في العراق، فإنَّ الوضع سياسيًّا لم يتقدَّم شبرًا واحدًا عن أيام صدام حسين، بل على العكس؛ بدأ التحالف السياسي الهش الحاكم في العراق في التصدُّع على خلفية الخلافات بشأن ملفات مثل كركوك وانتخابات المحليات وعقود النفط ومجالس الإسناد العشائرية التي يصر المالكي على توسيع نطاق عملها في مختلف أنحاء العراق، بينما يرفض الأكراد ذلك.
أما أمنيًّا فلا يحاول الرئيس الأمريكي القول إنَّ تراجع العنف في العراق إنما هو نتاج جهد إدارته؛ فالعنف في العراق جاء بسبب الاحتلال الأمريكي أساسًا، ولم يتراجع أيضًا إلا بعد تشكيل مجالس الصحوات السنية وتراجع أنشطة جيش المهدي الموالي للزعيم الشيعي مقتدى الصدر بتوجيهاتٍ من إيران.
وأدت سياسات الإدارة الأمريكية المنتهيةُ ولايتُها الانفراديةُ في العراق إلى انقسامات كبيرة في التحالف الغربي؛ حيث تمرَّد الشريك التركي أولاً على التعليمات الأمريكية، ورفض استخدام الأراضي والقواعد التركية في خدمة العمليات الأمريكية في العراق، وقالوا إنَّ الحرب في العراق لا تدخل في نطاق اتفاقية حلف الناتو.
وبدأ الأوروبيون بعد ذلك بقيادة ألمانية- فرنسية مشتركة بتبنِّي وجهات نظر وسياسات أكثر استقلاليةً عن الولايات المتحدة، كما بدا مؤخرًا في أزمة حرب القوقاز الأخيرة بين روسيا وجورجيا، والملف السوري الذي بدأت فرنسا في الخطو فيه بخطًى واسعةٍ نحو كسر حواجز عزلة سوريا الإقليمية والدولية التي سعت واشنطن- بوش إليها وفشلت بدورها.
الأزمة الاقتصادية
![]() |
|
الاقتصاد الأمريكي تكبد خسائر فادحة بعد فضيحة مادوف |
فالفساد في الإدارة الأمريكية أدى بشكلٍ مباشرٍ إلى أزمة المال والائتمان العالمية الراهنة؛ فعلى سبيل المثال ألقت السلطات الأمريكية مؤخرًا القبض على الرئيس السابق لبورصة "ناسداك" بيرنارد مادوف بتهمٍ تتعلق بجرائم احتيال بلغت خسائرها أكثر من 50 مليار دولار!!، وكانت هذه النوعية من جرائم الاحتيال وراء انهيار السيولة في البنوك الأمريكية، وبدأت بمصرف "ليمان براذرز"، وتوالت بعد ذلك لعبة "الدومينو" التي طالت فقراء العالم.
هذا الوضع أدى إلى خسائر غير محدودة للاقتصاد الأمريكي؛ فالناتج الصناعي تراجع إلى أدنى مستوًى له منذ 62 عامًا، وبدأ عمالقة الصناعة في الولايات المتحدة بإشهار إفلاسهم؛ ومن بينهم شركات كانت تعتبر رمز القوة الأمريكية، مثل "جنرال موتورز" و"كرايسلر" و"فورد"، وخسر سوق العمل الأمريكي أكثر من مليون وظيفة في غضون الربع الأخير من العام، وهو ما يعني انضمام مليون أمريكي إلى صفوف العاطلين.
كما دخل الاقتصاد الأمريكي عصرًا غير مسبوق من الركود؛ فبحسب معهد أبحاث الدورة الاقتصادية، الذي يتخذ من نيويورك مقرًّا له، فإنَّ معدل النمو السنوي للمؤشر الرئيسي للاقتصاد الأمريكي تراجع إلى مستوى سالب 25.9%، وهو أدنى مستوياته على الإطلاق بحسب بيانات المعهد التي ترجع إلى يناير 1949م.
كما ضاعفت أزمة المال من عجز الميزانية الأمريكية ثلاث مرات خلال العام المالي 2007- 2008م؛ حيث وصل العجز إلى 455 مليار دولار، كأعلى رقمٍ يصل إليه عجز الميزانية الأمريكية في تاريخها، ويمثِّل أكثر من 3% من مجموع الناتج القومي الأمريكي، بينما وصلت خسائر أزمة مصرف ليمان براذرز وتبعاتها إلى نحو 7 تريليونات دولار، أي حوالي عام كامل من الناتج القومي الأمريكي، بينما وصل الدولار الأمريكي إلى مستوًى من التردي أمام الين الياباني لم يحدث من 13 عامًا.
هذه الوضعية أدت إلى اتجاه الأوروبيين والآسيويين إلى المطالبة بتعديل بنية النظام المالي العالمي، الذي هو أقوى أداة من أدوات الهيمنة الأمريكية- الصهيونية على المقدَّرات العالمية، و"لقمة عيش" البشر، وشملت هذه التحركات بلدانًا تتحرك في الفلك الرأسمالي الأمريكي، مثل ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية.
وبحسب مراقبين فإنَّ دخول القوى الاقتصادية العالمية الكبرى في مثل هذه الشراكات بدون الولايات المتحدة- كما تمَّ بين اليابان والصين وكوريا الجنوبية مؤخرًا- يعضِّد ما ذهب إليه محللون بعد اندلاع الأزمة المالية من تبدل طبيعة النظام المالي العالمي، بانتقال مراكز الثقل فيه من الولايات المتحدة إلى أوروبا وآسيا.
وبحسب هذه الحقائق المحسوبة بالأرقام، فإنَّه كان الأجدر بأنْ يكون الزيدي أمريكيًّا لا عراقيًّا، بعد أنْ أضاعت سياسات بوش الابن رفاهية وأمن الأمريكيين، ورفاهية وأمن العالم بأسره بعد سنواتٍ ثمانٍ عجافٍ من الحكم!!.

