سفينة عسكرية إيرانية تدخل مياه خليج عدن.. الصين تحرِّك أسطولها الحربي للمرة الأولى منذ قرون، وترسل مدمرات وسفن دعم إلى المناطق الواقعة قبالة السواحل الصومالية.. تشكيل قوة عسكرية أوروبية لحماية الملاحة البحرية وحراسة السفن التجارية وتنظيم دوريات في بحر العرب وخليج عدن ومياه المحيط الهندي الأخرى القريبة من الساحل الصومالي.

 

هذا هو بعضٌ من ملامح الصورة الراهنة الآن في المياه الإقليمية العربية؛ فلمن لا يعرف، فإنَّ هذه القوات وغيرها سوف تتمركز في المياه الواقعة خلف البحر الأحمر مباشرةً، على بعد مرمى حجر من واحدةٍ من أهم المصالح الإستراتيجية العربية (قناة السويس وطرق الملاحة الدولية التي تطرقها ناقلات النفط العملاقة الآتية من الخليج العربي).

 

المبرِّر المطروح هو مكافحة عمليات القرصنة الدولية الآخذة في التنامي قبالة السواحل الصومالية، وفي مياه خليج عدن؛ حيث جرت أكثر من 100 عملية في الممرات المائية الرئيسية الخاصة بالملاحة البحرية في المنطقة الممتدة من خليج عدن إلى المحيط الهندي منذ بداية العام الحالي 2008م.

 

وأهم هذه العمليات هي تلك التي استولى فيها قراصنة صوماليون على ناقلة النفط السعودية العملاقة "سيريوس ستار"، وكانت تحمل ربع إنتاج يومٍ من النفط السعودي، أي حوالي مليونَي برميل من النفط، كانت قيمتها وقت اختطاف السفينة بحوالي 100 مليون دولار، وتراجعت قيمتها إلى 75 مليونًا فقط بعد تراجع أسعار النفط إلى مستوى يدور حول 35 دولارًا.

 

وبجانب "سيريوس ستار" فإنه من بين أكثر من 40 ناقلة وسفينة اختطفها القراصنة، لا يزال هناك 17 سفينة في أيديهم في الوقت الحالي؛ من بينها سفينة شحن أوكرانية تحمل دبابات ومعدات عسكرية أخرى كانت مرسلة إلى الجيش الكيني.

 

تحركات دولية

في 16 ديسمبر الجاري تبنَّى مجلس الأمن الدولي بالإجماع قرارًا حمل رقم (1851) يسمح بتنفيذ عمليات دولية برية ضد القراصنة داخل أراضي الصومال، وهو القرار الرابع من نوعه الذي يقرُّه المجلس منذ يونيو الماضي، ويسري مفعوله لمدة عامٍ واحدٍ.

 

وينص القرار على أنه يحق للدول التي تشارك في مكافحة القرصنة البحرية "اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة في الصومال لمنع تحرك الذين يستخدمون أراضيَه للإعداد لعمليات قرصنة في عرض البحر، أو تسهيلها أو القيام بها.

 

قبل ذلك بيوم واحدٍ أعلن الاتحاد الأوروبي رسميًّا عن إتمام تشكيل وإطلاق قوة عسكرية أوروبية، مُكلَّفة بحماية الملاحة البحرية أمام سواحل الصومالية، ومن بين مهامها حماية السفن التجارية، وتنظيم دوريات في بحر العرب وخليج عدن، ومياه المحيط الهندي القريبة من الساحل الصومالي، في منطقةٍ تبلغ مساحتها الإجمالية مليون كيلو متر مربع.

 

وتشارك في هذه العملية كلٌّ من بلجيكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا واليونان وهولندا وإسبانيا والسويد، ويقود القوة الأوروبية الأدميرال البحري البريطاني فيليب جونز، كما سوف تستضيف بريطانيا رئاسة أركان هذه القوة، ومن المقرر أن تحل عملية الاتحاد الأوروبي في المياه العربية والدولية، والتي أطلق عليها اسم "أطلانطا"، محل العملية التي يقوم بها حلف شمال الأطلنطي "الناتو" منذ نهاية أكتوبر الماضي في المنطقة.

 

وسوف تشكِّل ألمانيا العمود الفقري لهذه القوة، التي تتكوَّن من 6 بوارج بحرية، و3 طائرات مروحية لأغراض الاستطلاع البحري، وهناك بالفعل قوات ألمانية تعمل في منطقة القرن الإفريقي ضمن ما يُعرف بـ"عملية الحرية الدائمة"، التي تقودها الولايات المتحدة منذ فبراير من عام 2002م، ضمن ما يعرف باسم "الحرب ضد الإرهاب".

 

وهناك- بالإضافة إلى هذه القوة- سفن حربية تابعة لعددٍ من القوى الآسيوية والعالمية، مثل الصين وإيران وروسيا والهند وماليزيا وكوريا الجنوبية، وهو ما يثير جملة مشكلات؛ من أهمها مسألة التنسيق بين هذه القوات، مع عدم وجود قيادة موحَّدة تُشرف على عمل هذه القوات، أو وضع آلية محددة للتنسيق فيما بينها.

 

تساؤلات مشروعة

وحول سرعةٍ توجُّه أساطيل العالم إلى المناطق الساخنة قبالة سواحل شرق إفريقيا، وحجم الحشد الموجود حاليًّا هناك، والمتوجِّه أبضًا إلى ما يمكن اصطلاحًا أنْ نطلق عليه اسم "الفناء الخلفي المائي العربي".. تثور مجموعة من التساؤلات حول المغزى الحقيقي والأسباب الفعلية لذلك التحرك الدولي.

 

أولاً: هل تبرِّر الأسباب المطروحة- حماية خطوط النقل البحري العالمية والسفن التجارية- ذلك الحشد العسكري الدولي في مياه خليج عدن؟ وبتعبيرٍ آخر: هل الأمر بحاجةٍ إلى كل هذا الحشد العسكري الدولي؟ وهل العالم بالفعل غير قادر على مواجهة مجموعة من الرجال الذين يرتدون ملابس بسيطة يركبون زوارق خشبية يعترضون بها طريق ناقلات وسفن بحرية عملاقة؟

 

ثم سؤال آخر أهم، وهو أن هناك بقاعًا أخرى من العالم الوضع الأمني فيها أكثر سوءًا بكثيرٍ من الحالة الراهنة في الصومال، فلماذا لم تشهد نشاطًا مماثلاً لأنشطة القرصنة في المياه الدولية كما هو الحال في الصومال؟

 

إن الإجابة على هذه الأسئلة الجدلية بسيط للغاية؛ فالأمر لا يحتمل بالفعل كل هذا الجدال السياسي والقانوني الدولي بشأن ملف أزمة القرصنة في مياه البحر الأحمر.

 

لماذا؟

أزمة القراصنة نفسها هناك من يشكِّك أساسًا في أن منبعها الصومال، ويربط بينها وبين قوى عالمية كبرى تجد أن لها مصلحةً في الوجود العسكري في هذه المنطقة الإستراتيجية من العالم.

 

فمنطقةٌ مثل جنوب آسيا كانت مرشَّحةً بقوة لتكرار تجربة الصومال إذا ما كان الشرط الوحيد لحدوث ذلك هو الفوضى الأمنية؛ حيث توجد اضطرابات أمنية في سريلانكا وجنوب تايلاند والفلبين، مماثلة لما يجري في الصومال، بينما لم يعرف المحيط الهندي المجاور أزمة قرصنة مماثلة.

 

بالإضافة إلى أنَّ واقع أزمة القراصنة الصوماليين- وبينهم جنسيات أخرى من اليمن ونيجيريا ودول أخرى- على المستوى العسكري لا يحتمل كل هذا الحشد، ويمكن ببساطة التغلب عليه بأقل قدرٍ ممكنٍ من التحركات العسكرية.

 

فمصر في حرب رمضان/ أكتوبر 1973م استخدمت الغواصات في سلاحها البحري لإغلاق البحر الأحمر بأكمله أمام الملاحة الصهيونية والدولية المتوجِّهة إلى ميناء أم الرشراش المصري المحتل المعروف صهيونيًّا باسم "إيلات"؛ حيث استطاعت القوات المسلحة المصرية في ذلك الحين شل حركة الملاحة بشكلٍ كاملٍ في المسار الخاص بخليج عدن- أوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

 

وذلك بالرغم من أنَّ مصر كانت تحارب جيشًا كامل العتاد يملك سلاحًا بحريًّا قويًّا، لا مجموعة من الأفراد الذين ينطلقون بزوارق شديدة التواضع، ومن أماكن معروفة سلفًا على الساحل الصومالي، مثل ميناء هاراديري.

 

كما لا يوجد أيُّ عائقٍ قانونيٍّ أو سياسيٍّ أمام أي إجراء تتبنَّاه بلدان المجتمع الدولي في هذا الإطار؛ حيث إنَّ غالبية الهجمات التي تتم على السفن التجارية تقع في المياه الدولية قبالة سواحل كينيا والصومال واليمن، بينما لا يمكن أن تتحجَّج الولايات المتحدة وبريطانيا ودول التحالف الغربي في حلف الناتو بأنَّ القانون الدولي يمنع مهاجمة قواعد القراصنة داخل الأراضي الصومالية؛ فتجربة غزو أفغانستان والعراق، والسلوك الأمريكي والغربي الذي عمل في العراق بالذات بشكل منفردٍ دون قرارٍ من مجلس الأمن يقول إنَّ هذا ليس سلوك دول تحترم القانوني الدولي.

 

وفي حقيقة الأمر فإن ثمة تقارير دولية تتحدث عن ارتباط بعض الصوماليين بأطرافٍ خارجيةٍ؛ حيث يستبعد البعض كثيرًا فكرة بزوغ هذه الظاهرة كالنبت الشيطاني هكذا فجأةً، بل يؤكدون ضرورة وجود داعم دولي كبير وقوي لهم للعمل المكثَّف على هذا النحو، ورجَّحت التقارير الإعلامية أنْ يكون هذا الطرف إما عصابات الجريمة المنظَّمة الدولية المتمركزة في أوروبا، أو مخابرات دول عظمى تسعى إلى خلق مبررات الوجود في مثل هذا المكان الحساس، واستهداف المصالح العربية بالأساس، على أهمية هذا الموضع من العالم.

 

مجموعة "ريفيوجيز إنترناشونال"- ومقرها في الولايات المتحدة- حمَّلت واشنطن وأطرافًا دوليةً أخرى مسئولية أزمة القرصنة، وقالت في تقريرٍ لها إنَّ إسقاط نظام المحاكم الإسلامية، وعدم الانتباه للأزمة الإنسانية في الصومال أدى إلى تفاقم الأزمة.

 

واتهمت الـ"ريفيوجيز إنترناشونال" واشنطن بأنها وراء الكارثة الإنسانية التي يمر بها الصومال بسبب "سياستها التي تعتمد على الاستخدام العسكري، وهو ما يؤدي إلى أعمال ثأرية ضد عمال الإغاثة الدوليين"، بحسب التقرير الذي دعا إلى ضرورة إجراء مراجعة شاملة للسياسات الأمريكية لتحقيق الاستقرار في الصومال، ومنح الأولوية للاجئين والملف الإنساني أكثر من الأهداف الضيقة لمكافحة الإرهاب.

 

أين العرب؟!

أدت السرعة المحمومة للولايات المتحدة وبلدان التحالف الأوروبي في إرسال قوات إلى هذه المنطقة، إلى إثارة مخاوفٍ من جانب قوى عالمية أخرى كالصين وروسيا والهند من انفراد الغرب بالسيطرة العسكرية على هذه المنطقة شديدة الحيوية للعالم كله، فسارعت بدورها إلى إرسال قواتها، بينما لم تتقدَّم دولة عربية واحدة بإجراءٍ مماثلٍ.

 

ولعل اهتمام القوى العظمى بالوجود المسلح في هذا المكان يعود إلى الاعتبارات الآتية:

1- قربه من قناة السويس إحدى أهم موارد الاقتصاد المصري من العملة الصعبة.

 

2- تقاطع مسارات الملاحة البحرية الخاصة بحركة الشحن التجاري ونقل النفط والغاز من وإلى منطقة الخليج العربي، بما فيها إيران.

 

3- الموقع الحيوي الإستراتيجي للمنطقة، والتي تُطل على السودان والقرن الإفريقي، والحدود الجنوبية والشرقية لمصر.

 

ولم يفعل العرب في حقيقة الأمر ما يلزم للتصدي لهذا الخطر الجديد، بالرغم من إدراك العرب مخاطر هذا "التدويل" الحادث للمياه الإقليمية العربية؛ ففي مطلع أكتوبر الماضي قام الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بجولة خارجية عكس خلالها مخاوف من خطر التدويل الذي تسعى إليه هذه الدول بحجة مكافحة القرصنة، وفق ما قاله وقتها وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي.

 

كما يغيب "العرب" عن المياه الإقليمية "العربية" رغم أنَّ مصر كانت قد سبق وأعلنت أنَّ "كل الخيارات" مفتوحة أمامها للعمل على الحفاظ على مصالحها الحيوية في قناة السويس، بما في ذلك الخيار العسكري، مع بدء شركات عاملة في قطاع النقل البحري، وبخاصة العاملة في مجال نقل السلع الجافة، التي لا تتأثر بالمسافات الزائدة، في تحويل مسار أساطيلها إلى رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة السويس خشية الوقوع في أيدي القراصنة.

 

ومن بين هذه الشركات شركة "سفيتزر"، التي تُعَد أكبر شركة في العالم لتشغيل سفن القَطْر، ومجموعة "أودفييل" النرويجية لناقلات المواد الكيماوية، وشركة كبيرة أخرى تعمل في مجال تشغيل سفن نقل الغاز المسال.

 

والأمر لا يحتاج الآن إلى اللوم بقدر ما يتطلب التساؤل عن أسباب غياب العرب عن فنائهم الخلفي، بينما العالم كله يلعب هناك!!.