"الهند أتمَّت استعدادها لمواجهةٍ مع باكستان".. هذا هو ملخَّص ما أعلنته وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) مؤخرًا، بعد وضوح تصعيد الهند إجراءاتها الدبلوماسية والعسكرية ضد باكستان على خلفية اتهامات نيودلهي جارتها الشمالية بالتورط في هجمات مومباي الأخيرة التي استمرَّت نحو 60 ساعة، وأسفرت عن مقتل حوالي 170 شخصًا، وضربة هي الأقوى للأمن القومي الهندي والإقليمي.

 

دلهي التي عجزت عن تقديم أي دليلٍ على تورط إسلام أباد رسميًّا في الهجمات، بدأت تلعب على نغمةٍ أخرى، وهي أنَّ إسلام أباد مسئولةٌ عن الهجمات باعتبار أنَّ باكستان "لا تقوم بما يكفي" للقضاء على ما تصفه الهند بأنه بـ"الجماعات المتطرفة"، والمقصود طبعًا المجموعات المسلحة التي تعمل ضد الاحتلال العسكري الهندي لأجزاءٍ من إقليم كشمير، والمعروفة باسم "جامو وكشمير"، وهو المسمَّى الذي يطلق على الجزء الذي تحتله الهند من الإقليم المسلم.

 

وعلى رأس هذه المجموعات تأتي جماعتا جيش محمد وعسكر طيبة أو "لشكر طيبة" التي أسَّسها مولاي حافظ سعيد في التسعينيات الماضية، قبل أنْ يؤسس جماعة الدعوة الخيرية التي حظرتها السلطات الباكستانية على إثر هجمات مومباي الأخيرة.

 

موقفٌ متوترٌ

الموقف الآن غاية في الخطورة، ولا يحتمل سوى مجرد استفزازٍ مقصود أو غير مقصودٍ وينفجر بكلِّ قوةٍ لكي يخرج عفريت الحرب النووية من قمقمه ليزعق في منقطة جنوب آسيا بأكملها، وبالطبع سوف تطال شعلاته الحالة في العالمين العربي والإسلامي بأسره.

 

ففي غضون الساعات الأخيرة طرأت العديد من التطورات المتسارعة التي تؤكد أنَّ الموقف يتجه نحو الهاوية بالفعل؛ فالهند قالت "إنَّ جميع الخيارات مفتوحة لجعل باكستان تلتزم بالقضاء على الإرهاب على أراضيها"، بحسب تعبير وزير الخارجية الهندي براناب موخيرجي، بينما أكدت باكستان أنَّ قواتها قادرة على الدفاع عن البلاد "إذا ما فُرضَت الحرب عليها".

 

 الصورة غير متاحة

القوات الهندية تفرض حظر التجول في كشمير

موخيرجي الذي كان يتكلم أمام سفراء الهند في 120 دولة خلال اجتماعٍ لهم في نيودلهي اتهم باكستان بـ"التنصل من مسئوليتها" في مجال السيطرة على المجموعات المسلَّحة العاملة في كشمير وعلى الأراضي الباكستانية، متناسيًا الحرب الراهنة التي تخوضها القوات الباكستانية ضد هذه المجموعات في وزيرستان، وكلَّفت باكستان أكثر من 1600 قتيل منذ مطلع العام، في العمليات الانتقامية التي تنفِّذها هذه المجموعات داخل المدن الباكستانية ردًّا على عمليات وزيرستان.

 

الأخطر من ذلك أنَّ موخيرجي قال إنَّ بلاده "مُجبَرةٌ على السعي إلى تحقيق هدفها بجعل باكستان تتحرك للقضاء على الإرهاب"، وعندما سُئِلَ عمَّا إذا كان العمل العسكري هو أحد الخيارات المطروحة، أجاب: "إذا سألتم عن النزاع العسكري فلن يجيب أحدٌ أمام الإعلام، هناك وضعٌ حساسٌ، ونحن تركنا جميع الخيارات مفتوحةً".

 

التصريحات الأخيرة يدعمها تقارير عسكرية وإعلامية أمريكية ودولية، أفادت بأنَّ الهند أكملت حشد قواتها على الحدود مع باكستان وكشمير، وكذلك وضعت مطاراتها في حالة تأهبٍ، وهو ما ردت عليه باكستان في الساعات الأخيرة بوضع سلاحها الجوي في حالة تأهبٍ.

 

وبدأت المقاتلات الباكستانية بالفعل في التحليق في أجواء المدن الباكستانية الكبرى، مثل العاصمة إسلام أباد وروالبندي التي يوجد فيها مقر القيادة العامة للقوات المسلَّحة الباكستانية، بالإضافة إلى مدينة لاهور الإستراتيجية.

 

ولعل في تصريحات المتحدث باسم سلاح الجو الباكستاني هومايون فقار ما يشير إلى أنَّ الوضع انتقل من حالة الترقب إلى حالة التحسب للحرب بالفعل مع الهند؛ حيث قال لوكالة الصحافة الفرنسية (أ. ف. ب): "في البيئة الحاليَّة، كثفت القوات الجوية الباكستانية استعداداتها من حالة الحذر والتيقظ"، أي إنَّ الباكستانيين باتوا يتوقعون بالفعل هجومًا عسكريًّا هنديًّا.

 

 الصورة غير متاحة

يوسف رضا جيلاني

القيادة السياسية والعسكرية الباكستانية- ممثلةً في رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني، ووزير الدفاع أحمد مختار تشودري- قالت إنَّها لا ترغب في الحرب، ولكن "القوات المسلحة الباكستانية قادرة على الرد على أي اعتداءٍ هندي".

 

ومن خلال تصريحات المسئولين الهنود، فإنَّ الاحتمال الأكثر توقعًا من جانب الباكستانيين هو قيام القوات الجوية الهندية بشنِّ سلسلةٍ من الغارات على مواقع ومعسكرات الجماعات التي تتهمها الهند بأنها وراء هجمات مومباي وبعض العمليات المسلَّحة الأخرى التي جرت في السنوات الماضية ضد أهدافٍ هنديةٍ في كشمير وأفغانستان وداخل الهند ذاتها.

 

ولعل أهم هذه العمليات تفجير البرلمان الهندي في ديسمبر 2002م، والقنصلية الهندية في جلال أباد في يوليو 2007م، والهجوم على السفارة الهندية في كابول في يوليو 2008م، وهذه العمليات كثيرًا ما اتهمت الهند جهاز المخابرات الباكستاني (ISI) بالتدبير لها، أو دعم الجماعات التي تقوم بها.

 

اتهامات؟!

الموقف الهندي في مجمله يبدو متعنتًا ضد باكستان، ويلفه الكثير من الغموض؛ فالاتهامات الهندية لباكستان لا تستند إلى أدلةٍ قويَّةٍ، بقدر ما هي تستند إلى قرائن، تتعلق بسوابق حالةٍ لا يمكن القياس عليها، تمامًا مثلما فعل الأمريكيون فيما يتعلق بأحداث 11 سبتمبر، التي أسندتها دون أدلةٍ واضحةٍ إلى تنظيم القاعدة.

 

والهند تستند في موقفها ضد باكستان إلى مبدأ اتهام الأطراف التي تعادي الهند، دون النظر إلى اختلاف طبيعة هذه العمليات من تفجيراتٍ وخلافه تمامًا عمَّا جرى في مومباي من هجومٍ منسقٍ استمر أكثر من 60 ساعة.

 

ومن ثمَّ ودون روية اتهمت الهند باكستان بالوقوف خلف الهجمات، وقالت إنَّ عسكر طيبة هي من نفَّذته عن طريق قوارب تسللت بها من كراتشي الباكستانية إلى السواحل الهندية، بل وطالبت باكستان بتسليم 40 من الشخصيات المرتبطة بهذه الجماعات، وكذلك بتسليم بعض قادة وضباط جهاز مخابراتها، ومن بينهم مدير الجهاز السابق الجنرال حميد جول!!.

 

كل ما تدعم به الهند اتهامها هو ما تقول إنَّه اعتراف أكمل قصاب (الناجي الوحيد من هجمات مومباي)؛ حيث أذاعت أنه اعترف بكونه باكستانيَّ الجنسية مثل زملائه التسعة الذين لقَوا مصرعهم في العملية، وأرسلت الهند ما زعمت أنه رسالة من قصاب إلى إسلام أباد؛ قال فيها إنَّه باكستاني الجنسية وإنَّه يطلب المساعدة القانونية من بلاده.

 

والسؤال الذي لم يسأله الهنود لأنفسهم هو: ما مصلحة إسلام أباد في القيام بمثل هذا العمل في هذا الوقت الحساس الذي لا يزال فيه الحكم الجديد في البلاد غير مستقر، وينظر إليه الجيش بعين الشَّكِّ، مع ميول الرئيس الجديد آصف علي زرداري الغربية، وإجراءاته ضد المؤسسة الأمنية لتحجيمها.

 

كذلك لم يسأل الهند عمَّا إذا كان الباكستانيون حمقى لكي يقضون الستة أعوامٍ السابقة لتحقيق المصالحة مع الهند، ثم ينسفونها بعملٍ بوزن هجمات مومباي.

 

وحتى لو صدقت توقعات الهنود الأخرى بأنَّ جماعاتٍ باكستانية وكشميرية هي من ارتكب الهجمات، فهل ذلك يعني التصعيد العسكري ضد الطرف الرسمي الباكستاني؟ أم التعاون معه وعرض أية معلوماتٍ استخبارية لدى الهند عليه وطلب مساعدته في الأمر؟ ثم يأتي بعد ذلك تقييمٌ لموقف باكستان، وهل هو متعاونٌ من عدمه، ولكن في حقيقة الأمر لا يبدو أنَّه لدى الهنود أيّ شيءٍ واضحٍ.

 

كما أنَّ باكستان بالفعل بدأت حربًا ضد هذه الجماعات بالرغم من مخاطر ذلك على الأمن الداخلي الباكستاني، وعلى الاستقرار الداخلي للبلاد، بل وبقائها موحدةً؛ حيث لا يزال لهذه الجماعات مؤيدون في الجهاز الأمني والعسكري الباكستاني مع استمرار احتلال كشمير، ونتيجة سابق الروابط بين هذه المجموعات والجيش والمخابرات الباكستانية خلال الحرب ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان في الفترة ما بين 1979- 1989م.

 

بالإضافة إلى ذلك فإنَّ باكستان قامت بحظر جماعة الدعوة الخيرية ووضعت مؤسسها مولاي حافظ سعيد تحت الإقامة الجبرية، متهمةً الجماعة بأنها "الواجهة المعلنة لمنظمة عسكر طيبة"، كما قامت بغلق مقار الجماعة، وإغلاق مدارسها ومستشفياتها؛ وذلك استجابةً لقرارٍ من مجلس الأمن الدولي بوضع الجماعة وسعيد على لائحة الأمم المتحدة لما يعرف بالمنظمات الإرهابية.

 

كما قبلت باكستان بدخول فريق من الشرطة الدولية "الإنتربول" يرأسه رونالد نوبل رئيس جهاز الشرطة الدولية باكستان، والذي وصل إلى إسلام أباد اليوم الثلاثاء 23 ديسمبر الجاري للمشاركة في التحقيقات الجارية في هجمات مومباي.

 

إذن.. الموقف الهندي لا يمكن تفسيره إلا بتصورٍ من اثنين: الأول أنَّه موقف انفعالي بسبب كارثية الهجمات، ولرغبة الحكومة الهندية في أنْ تستبقيَ بعض ماء وجهها المراق أمام شعبها، بأية طريقةٍ، بما في ذلك مواقف ساخنة تجاه باكستان تمتص الغضب الشعبي الهندي من التقصير الحكومي، ولو أدى الأمر إلى التهديد بحربٍ شاملةٍ مع جارٍ قويٍّ مسلحٍّ نوويًّا، لا سيما وقد بدأت الدعاية للانتخابات التشريعية القادمة في 2009م، والتي تخدم هجمات مومباي فيها حزب بهارتيا جاناتا الهندوسي القومي الخصم السياسي الرئيسي لحزب المؤتمر الحاكم حاليًّا.

 

الاحتمال الثاني هو أنَّ الهنود يلعبون- سواءً عن علمٍ أو بغير درايةٍ- ضمن مخططٍ غربيٍّ بدأ بالفعل لإفشال الدولة في باكستان، وهو مخططٌ بدأ منذ أحداث سبتمبر، ولم يمنعه من أنْ يتحقق إلى الآن سوى الجيش الباكستاني وجهاز المخابرات المخيف الذي يسيطر عليه (ISI)، وهو ما يفسر الجهود الأمريكية التي بدأت قبل هجمات مومباي لتفكيك الجهاز على أيَّ نحوٍ، مثل تقديم تقرير لمجلس الأمن بطلب إدراج أسماء أربعةٍ من أهم ضباطه وقادته على لائحة الأشخاص المرتبطين بالإرهاب، ومن بينهم حميد جول.

 

واللافت أنَّ المطالب الهندية من باكستان لا تختلف كثيرًا عن المطالب الأمريكية فيما يخص ملف ما يعرف بمكافحة الإرهاب، وكأنَّه اتفاقٌ مسبقٌ بين الجانبين على تفتيت أكبر ضمانة لبقاء الدولة الباكستانية الموحَّدة، وهو جيشها وجهاز أمنها.

 

ولعل ما يُثير الانتباه أيضًا إلى إمكانية وجود اتفاق هندي- أمريكي ضمني على ذلك هو التبدل الكبير الذي طرأ على البوصلة الأمريكية في جنوب آسيا من التحالف مع باكستان إلى درجة الارتماء في أحضان الحليف الهندي الجديد، باعتبار أنَّه وحده القادر على التصدي للنفوذ الصيني خارج جنوب شرق آسيا؛ فالهند عدوٌ تقليديٌّ للصين على خلفية ملف التبت.

 

وضمن نتائج هذا التحالف الجديد بين الهند والولايات المتحدة: اتفاقيات التعاون النووي التي وقَّعت بموجبها واشنطن مع دلهي سلسلةً من الاتفاقيات لتطوير قطاع المفاعلات النووية الهندية؛ ما يشير إلى أنَّ واشنطن باتت لا ترغب في أنْ ترى دولةً إسلاميةً مسلحةً نوويًّا!!.

 

إلا أنَّه يبقى في النهاية تعليق قاله رئيس الوزراء الباكستاني، وهو أنَّ العامل النووي قد يكون هو الحائل الرئيسي أمام اندلاع أية حربٍ جديدةٍ بين الهند وباكستان.