يبدو أن العراق لن يشهد استقرارًا في الوقت القريب، ومن يتصور أنه بصدد استعادة هويته القومية ودوره العربي والإسلامي، فعليه أنْ يعيد حساباته وتفكيره؛ لأن المعطيات الحالية تؤكد أنَّ العراق وقراره ومقدراته سوف تكون خارج الحسابات العربية والإسلامية لعقودٍ طويلةٍ.
ولئن كان تقسيم العراق مشروعًا فاشلاً إقليميًّا ودوليًّا، وثبت للقوى التي تحتله أنَّها لن تستطيع ذلك في الوقت الراهن، فإنَّ الخيارات الأنسب تكون ببدء مشروع تفكيكي طويل المدى للعراق، وإلى حين إتمام ذلك يكون تقسيم العراق داخليًّا إلى ولاءاتٍ عديدةٍ متناحرةٍ، مع تحويل دفة العراق، هويةً وسياساتٍ، إلى وجهةٍ أخرى غير عروبية أو إسلامية.
هذا ما يمكن استخلاصه من التطورات التي جرت في العراق في الأيام الأخيرة بعد التوقيع الرسمي على الاتفاقية الأمنية الأمريكية العراقية التي أعطت صبغةً قانونيةً لبقاء القوات الأمريكية في العراق حتى نهاية عام 2011م، وهو التوقيع الذي جرى بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جورج بوش الابن، وشهد فقرة "الحذاء الطائر" شديدة الإثارة التي قام بها الصحفي العراقي منتظر الزيدي في وجه بوش!.
وهناك عددٌ من التطورات الأساسية التي دفعت إلى هذا الكلام جرت في الأيام الأخيرة، الأول يتعلق بتصريحاتٍ من علي الدباغ المتحدث الرسمي باسم الحكومة العراقية الذي أشار فيه إلى أنَّ العراق لن يستطع على المستوى الأمني والعسكري التخلي عن وجود القوات الأمريكية قبل عشر سنوات على الأقل، وأيَّدته في ذلك تقديرات ومواقف للعسكريين الأمريكيين في العراق.
وهي تصريحات صار لها أيام، إلا أنَّها تدعمت بمجموعةٍ من التطورات على مستوًى آخر في العراق، فيما يخص ملفَّيْن رئيسيَّيْن، الأول يتعلق بمصير القوات الأجنبية غير الأمريكية العاملة في العراق، والثاني يتعلق بمصير جماعة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة لنظام الملالي في إيران، والتي كانت تعمل انطلاقًا من الأراضي العراقية.
الوجود الأجنبي
الرئيس العراقي الراحل صدام حسين

صادق مجلس الأمن الدولي مؤخرًا على إنهاء التفويض الممنوح لما يُعرف بـ"قوات التحالف الدولية" العاملة في العراق، أو بمعنًى آخر القوات التي تحتل العراق، والقرار الذي صدر يشمل أيضًا التمديد لمدة عام فقط للاستثناءات الممنوحة لعائدات النفط العراقي من الملاحقات الخاصة بالمطالبات المتعلقة بالديون التي تعود لفترة حكم نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، على أن يستمر إيداع عائدات النفط العراقية في "صندوق تنمية العراق" تحت رقابة صندوق النقد والبنك الدوليين.
وبطبيعة الحال فإنَّ الجزء الثاني من القرار يشرح نفسه، فهو يعني وضع قبضة الولايات المتحدة والقوى الغربية التي تسيطر على مجلس الأمن وصندوق النقد والبنك الدوليين على الاقتصاد العراقي؛ حيث إنَّ العراق بوضعيته الحالية من انعدام الاستقرار السياسي والأمني وظروف الاحتلال لا يملك موردًا آخر للدخل القومي بخلاف النفط.
وذلك مع توقف قطاع الصناعة والقطاعات الاقتصادية الأخرى بسبب تعثر عملية إعادة إعمار العراق، والتي بلغت خسائرها قيمة برامج إعادة الإعمار ذاتها والبالغة حوالي 100 مليار دولار بحسب تقرير فيدرالي أمريكي نُشِرَت نتائجه مؤخرًا.
المشكلة الآن في النصف الأول من القرار، وهو الخاص بمشكلة وجود القوات الأجنبية غير الأمريكية في العراق، فبانتهاء التفويض الدولي الممنوح لهذه القوات في العراق، يصبح وجودها غير قانوني، وفي الأصل فإنَّ مجيئها من الأساس إلى العراق كان بناءً على تصرفٍ أمريكيٍّ غير قانونيٍّ، وبالتالي، وتبعًا لقاعدة الفقهية والقانونية تقول "ما بُنِيَ على باطلٍ فهو باطلٍ"، فإنَّ وجود هذه القوات في العراق غير قانونيٌّ من الأساس.
إلا أنَّه حتى مع قبول وجود هذه القوات في هذا البلد العربي المسلم الذي مزقته الحرب، طبقًا لقاعدة "الأمر الواقع" أو "De jour" القانونية المعمول بها في القانون الدولي، فإنَّ البرلمان العراقي مؤخرًا أجل إلى أجلٍ غير مسمَّىً التصويت على القانون الخاص بالاتفاقية الخاصة ببقاء القوات الأجنبية غير الأمريكية العاملة في العراق، النظيرة بالاتفاقية الأمنية الموقعة مع الولايات المتحدة، والتي تقنن أوضاع قوات هذه الأخيرة هناك.
وهنا تثور عدة تساؤلاتٌ مهمةٌ، تتعلق بمصير هذه القوات غير الأمريكية، وتأثيرات وجودها غير القانوني هذا بعد انتهاء التفويض الممنوح لها على الوضع السياسي والأمني في العراق، فمن المعروف أنَّ الكثير من قوى المقاومة المنظمة في العراق، والمنضوية تحت لواء عمل بعض الأحزاب والقوى السياسية في هذا البلد، قد قلصت من عملها المسلح ضد القوات الأجنبية هناك، بناءً على قرارٍ بالانتظار لحين انتهاء تفويض هذه القوات في العراق.
ولا أحد يعرف القرار الذي سوف تتخذه هذه القوى في حال استمرار بقاء القوات في الوجود الاحتلالي غير القانوني بهذا البلد، خاصة أنَّها أي بلدٍ لم يعلن استعداده للخروج من العراق بانتهاء التفويض باستثناء الإكوادور وكوريا الجنوبية، بينما لا يزال أمام القوات البريطانية، التي تمثل أكبر وجود أجنبي مسلح في العراق بعد الولايات المتحدة، نحو ستة أشهرٍ أخرى قبل أنْ تنسحب.
وقد يقول قائل إنَّ عدد هذه القوات الموجودة في العراق قليل نسبيًّا مقارنة بالقوات الأمريكية؛ حيث لا تمثل هذه القوات أكثر من 5% إلى 7% من عديد القوات الأمريكية في العراق، ولكن العبرة هنا ليست بالعدد، ولكن بالوضع السياسي والقانوني، فهي في النهاية قوات احتلال متواجدةٌ بشكلٍ غير قانونيٍّ في البلد، وتدعم وضع سياسي على حساب آخرٍ هناك.
القوات الأمريكية
![]() |
|
جنود أمريكيون بالعراق |
المشكلة الأخرى التي ظهرت في العراق في الفترة الأخيرة فيما يخص الوجود الأجنبي في العراق، هو ذلك المتعلق بالوجود العسكري الأمريكي ذاته، فبالرغم من التوقيع على اتفاقية تسمح لهذه القوات بالانسحاب من المدن العراقية بحلول العام 2009م، ثم من العراق بأسره بحلول العام 2011م، إلا أنَّ هناك العديد من المؤشرات التي تقول إنَّ الوضع لن يكون على هذه الصورة في العراق بحلول ذلك التاريخ.
وهناك عددٌ من المؤشرات تقول بذلك، ومن بينها:
1- ربط الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما لخططه بالانسحاب من العراق في غضون 16 شهرًا، كما وعد في برنامجه الانتخابي بما يقرره القادة العسكريون الميدانيون على الأرض، وبطبيعة الحال فإنَّ هؤلاء مرتبطون على الأقل بمهامٍ أمنيةٍ وتدريبيةٍ في العراق لن تنتهي قبل عشر سنواتٍ على الأقل.
2- المتحدث باسم الحكومة العراقية علي الدباغ أكد ما سبق؛ حيث قال إنَّ القوات الأمريكية مطلوبة في العراق لمدة عشر سنوات بعد انتهاء التفويض الممنوح لها بموجب الاتفاقية الأمنية، وبحسب الدباغ، فإنَّ القوات الأمريكية لازمة من أجل الانتهاء من تدريب القوات المسلحة العراقية الجديدة بعد حل الجيش النظامي العراقي الذي كان قائمًا أثناء حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
وتبعًا لتأييد القادة الميدانيين الأمريكيين لذلك في العراق، فإنَّ خروج القوات الأمريكية من العراق لن يكون قريبًا، وربما يكون ذلك كله مدخلاً لتبرير وجود قواعد عسكرية أمريكية دائمةً أو على الأقل طويلة الأمد في العراق.
منظمة مجاهدي خلق
بجانب ملف القوات الأجنبية في العراق، فإنَّ هناك ملف مجاهدي خلق، حركة المعارضة الإيرانية الرئيسية، والتي تتخذ من العراق مقرًّا لها منذ العام 1986م، وقد تلقت مؤخرًا قرارًا من حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بإنهاء نشاطها في العراق.
الموقف الأمريكي في هذا الإطار كان شديد الغرابة، فبالرغم من أنَّ المنظمة مدرجةٌ على اللائحة الأمريكية بما يعرف بـ"التنظيمات الإرهابية"، وأنَّ القوات الأمريكية قامت عند غزو العراق في ربيع العام 2003م، بتدمير البنية العسكرية لها بما في ذلك حوالي 2000 دبابة وقطعة مدرعة، كهديةٍ مجانيةٍ لإيران.
إلا أن واشنطن طلبت من بغداد عدم الترحيل القسري لعناصر الحركة البالغ عددهم 3500 شخص، ويتمركزون في معسكر الأشرف في محافظة ديالى شمال بغداد، وكذلك ضمان أمنهم.
![]() |
|
موفق الربيعي |
وجاء ذلك على إثر زيارة قام بها يوم الأحد الماضي مستشار الأمن القومي العراقي موفق الربيعي إلى معسكر الأشرف، وحذر الربيعي قيادات الحركة من أن القيام بما وصفه بـ"أنشطة قانونية أو غير قانونية ضد بلد مجاور" سيكون "مسألة خطيرة" في إشارةٍ بالطبع إلى إيران، التي من المقرر أنْ يقوم المالكي بزيارتها قريبًا.
ويأتي الموقف الأمريكي ضمن سياسة الولايات المتحدة المعتادة للإفادة من الكوارث، فهي لم تقضِ تمامًا على هذه المنظمة لتحقيق هدف الضغط على إيران، ومساومة إيران على بعض قيادات الحركة التي يتزعمها مسعود رجوي، في مقابل تسليم إيران لبعض الأعضاء البارزين في تنظيم القاعدة الذين فروا إلى إيران أثناء الغزو الأمريكي لأفغانستان في أكتوبر من العام 2001م، ويعتقد أنَّ من بينهم نجل زعيم التنظيم أسامة بن لادن من بينهم، بالإضافة إلى الناطق باسم التنظيم سليمان أبو غيث، والرجل الثالث في القاعدة المصري الجنسية سيف العدل.
ومن هنا فإنَّ ملف مجاهدي خلق انتقل من أنْ يكون أحد أدوات مواجهة العراق لعدوه الأول، إيران، إلى أنْ يكون أحد أدوات السياسة الأمريكية لتحويل العراق بدوره إلى أداةٍ كبيرةٍ لتنفيذ السياسات الإقليمية الأمريكية.

