سنة الأزمات، ربما يكون هذا الوصف الأدق لعام 2008م بالنسبة لسكان قطاع غزة، فقد جاءت لهم بأزمات جديدة على رأسها الملف الإنساني الذي تردت أوضاعه مع نقص كل شيء أساسي بدء من الغذاء ولأدوية ومرورًا بالمواد الأولية لتشغيل المصانع وحتى الوقود الذي خلق نقصه مشاكل جمة على صعيد توليد الكهرباء وتشغيل المركبات وحتى غاز الطهي.
غزة شهدت هذا العام تراجعًا كبيرًا إلى الوراء أعادها لعشرات السنين بعدما بات سكانها يعتمدون على طرق وأساليب بدائية لتسيير أمورهم، فتحرَّكت السيارات على الزيوت النباتية، وعاد الطبخ على الحطب، وأنيرت المنازل بالشموع والفوانيس.
وتعتبر أنفاق تهريب البضائع بين مصر وغزة من أبرز التطورات التي شهدها القطاع عام 2008م، فقد أصبحت جزءًا أساسيًّا من النشاط الاقتصادي الفلسطيني رغم عدم شرعيتها، لا سيما مع العزلة التي فرضها الكيان الصهيوني على القطاع انتقامًا من المقاومة التي يؤيدها سكانه.
وفي عام 2008م تجسد الانقسام الفلسطيني بشكلٍ كبير؛ حيث ظل قطاع غزة مفصولاً عن الضفة الغربية على جميع الأصعدة، بعدما افتتح العام بدماءٍ جديدةٍ نزفت بين الإخوة الأشقاء خلال مهرجان إحياء ذكرى وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يناير الماضي.
ورغم اتفاق التهدئة الذي أُبرم بين حماس والكيان الصهيوني بوساطة مصرية منتصف هذا العام، والذي نص على وقف إطلاق النار بين الطرفين وفتح المعابر بشكلٍ تدريجي إلا أنه لم يخفف من معاناة المواطنين الغزيين، فاخترق أكثر من مرة من قبل الجانب الصهيوني؛ مما جعله هشًّا يقف في مكانه دون حِراكٍ فيما بقيت حركة المعابر بين المدِّ والجزر حتى انتهت التهدئة بدون تحقيق مرادها.
عرفات
![]() |
في الوقت نفسه، صعد الاحتلال من عمليات الاغتيال والاجتياح وتم اغتيال حسام الزهار ابن محمود الزهار القيادي في حماس ووزير الخارجية السابق، بالإضافةِ إلى العشرات من أفراد العائلات الغزية والمقاومين.
هذا قبل أن يحدث الاختراق للحصار الدولي والصهيوني على غزة بعد اقتحام مئات الآلاف من الفلسطينيين معبر رفح إلى الجانب المصري، ما سمح للغزيين بتنفس الصعداء ودخول العريش للتزود بالمواد التموينية والأساسية.
عملية ديمونة
لم يختلف الوضع كثيرًا في الضفة فيما يخص محاولات فتح رفع حالة التوتر مع حماس، فصعدت أجهزة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من ممارساتها العدوانية ضد أنصار حماس بالضفة الغربية واعتقلت العشرات من المقاومين ما كان سببًا في وفاةِ القيادي مجد البرغوثي إثر تعذيبه خلال الاعتقال.
في الوقت نفسه استطاعت المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب عز الدين القسام جناح حماس العسكري اختراق الأمن الصهيوني وتنفيذ عملية ديمونة النوعية التي أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الصهاينة، فيما زاد جيش الاحتلال على إثرها من حدة التصعيد بقطاع غزة والتهديد باغتيال قيادات حماس والحكومة الفلسطينية.
محرقة جباليا
فلسطينيون يحملون أحد شهداء المجزرة

وبلغ التصعيد الصهيوني مداه في شهر مارس بعدوان همجي على قطاع غزة أسفر عن مجزرة ومحرقة جباليا التي استشهد فيها أكثر من 120 مواطنًا فلسطينيًّا مع تشديد الحصار على قطاع غزة بإغلاق المعابر من جهة وقطع رواتب الموظفين من قِبل حكومة فياض عباس من جهةٍ أخرى، لتتوقف الحياة في غزة وإعلان تأسيس أول مقبرةٍ لعشرات المصانع في القطاع بسبب الحصار ونفاد الوقود والمواد اللازمة.
كذلك شهر مارس فشل المبادرة اليمنية في راب الصدع بين الأشقاء الفلسطينيين، فيما نجحت حماس في اختراق الأمن الصهيوني للمرة الثانية ونفَّذت واحدةً من أعقد العمليات في قلب مدينة القدس باختراق الاستشهادي علاء أبو دهيم إحدى مدارس المغتصبين وقتل 8 صهاينة وإصابة العشرات بجروح.
وقد كان للعمليتين الفدائيتين أثرٌ كبيرٌ في دفع الصهاينة لطلب تهدئةٍ مع حماس بوساطة مصرية، خاصةً بعد نجاح كتائب القسام أوائل أبريل في تنفيذ عمليتين نوعيتين بقطاع غزة هما "حقل الموت ونذير الانفجار"، لتتوالى بعدها الجهود والمساعي المصرية لإبرام تهدئة بين حماس والعدو الصهيوني من جهة وحماس وفتح من جهةٍ أخرى، برغم تصاعد مواقف القاهرة تجاه حماس لا سيما في الإعلام المصري، وشهدت العلاقة بين الطرفين أزمة ثقة في حين كثَّف العدو الصهيوني من عمليات الاجتياح والتوغل في كلٍّ من الضفة والقطاع.
حدة الحصار والتصعيد الصهيوني زادت خلال شهر مايو على قطاع غزة، فيما كثَّفت أجنحة المقاومة الفلسطينية إطلاق الصواريخ والهاون باتجاه المغتصبات، في حين كثَّفت القاهرة من تحركاتها لرأب الصدع بين الضفة والقطاع وإبرام هدنة بين حماس والكيان وحلِّ ملف الجندي المختطف "شاليت".
ميثاق هنا وهدنة هناك
وتطلب الجهد المصري مساندته عربيًّا وقطريًّا للنجاح في عقد ميثاق ينهي حالة الانقسام الفلسطينية، الأمر الذي حدث في يونيو بعقد اتفاق المصالحة بين فتح وحماس، في الوقت الذي وافقت فيه حماس على التهدئة المعروضة لمدة ستة شهور على أن يلتزم الكيان بفتح المعابر بشكلٍ تدريجي ووقف إطلاق النار المتبادل ورفع الحصار بشكلٍ جزئي، وهو ما لم يتحقق بمواصلة قوات الاحتلال من تصعيدها وعدوانها.
ومع خرق الصهاينة المتواصل للهدنة؛ نجحت المقاومة الفلسطينية في الرد بعملتين فدائيتين بالجرافات نجح المقاومون خلالها بدهس وقتل العشرات من الصهاينة بمدينة القدس في شهر يوليو، ليرد الاحتلال بتكثيف حملات الاعتقال والاجتياح في الضفة الغربية بالتنسيق مع أجهزة عباس، كما استغل بعض منفلتي فتح حالة الهدوء في قطاع غزة، فطعنوا في الظهر وكانت مجزرة الشاطئ التي راح ضحيتها خمسة من قياديي حماس وجناحها العسكري كتائب عز الدين القسام.
الأردن من جديد
وبعد تسع سنوات من المقاطعة عقد النظام الأردني سلسلة اجتماعات للتفاهم والمصالحة مع حركة حماس خلال شهر أغسطس، وتمكنت حماس من اختراق جديد للحصار بعد وصول أول سفينتين دوليتين "غزة الحرة" عبر البحر لقطاع غزة محملتين بالأدوية والمواد الغذائية اللازمة.
وشهد شهر أكتوبر أولى جولات الحوار الوطني بالقاهرة غير المباشر بين حماس وفتح لإنهاء الانقسام الفلسطيني، وقدمت حكومة هنية في غزة بادرةً جديدةً لحسن نواياها بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين الفتحاويين، ما قابلته أجهزة الرئيس عباس بمزيدٍ من البطش والاعتقال لمناصري حماس في مناطق مختلفة في الضفة.
هذا، فيما شهدت الأراضي المحتلة عام 48 انتفاضة فلسطينية جديدة للرد على اعتداءات المغتصبين اليهود على العرب ما تسبب في إحراق العديد من المنازل الفلسطينية بهدف تهجير أهلها واحتلال أراضيهم.
حوار القاهرة
![]() |
|
وفد حركة حماس إلى القاهرة |
وبالتزامن جددت قوات الاحتلال الصهيوني من عدوانها على قطاع غزة وأوقعت عددًا من الشهداء ما دفع حماس وجناحها العسكري للرد بدك عددٍ من المغتصبات بصواريخ جديدة من طراز "جراد"، بينما نجحت سفينتا "الأمل" و"الكرامة" خلال نوفمبر من اختراق الحصار مجددًا والوصول إلى شواطئ غزة ضمن الحملة الدولية لفك الحصار عن قطاع غزة.
سقطت يا بوش
وبمشاركة أكثر من نصف مليون فلسطيني في قطاع غزة، احتفلت حماس بالذكرى الحادية والعشرين لانطلاقتها أواسط ديسمبر، ما اعتبره المراقبون استفتاءً جديدًا لتأييد برنامج المقاومة ودعم حكومتها بقيادة إسماعيل هنية، فيما صعَّد الصهاينة من جديد ضد قطاع غزة بعد أن شارفت التهدئة على الانتهاء في التاسع عشر من الشهر نفسه.
ويصف المراقبون عام 2008 بعام الأزمات والانتصارات لسكان قطاع غزة؛ حيث نجحت حماس في الصمود واختراق الحصار في جولات عديدة رغم كل محاولات التضييق والخناق عليها، وقال إسماعيل هنية في ذكرى انطلاقة حماس: "سقطتَ بوش ولم تسقط قلاعنا، سقطتَ يا بوش ولم تسقط حماس".
ويرى المراقبون أن عام 2008م سيسلم العام 2009م الجديد مشاكله وأزماته التي قد أولها في التاسع من يناير القادم مع انتهاء ولاية الرئيس محمود عباس.

