بدأ الاجتياح البري الصهيوني لقطاع غزة بعد أن أكمل لواء جولاني وبعض التشكيلات العسكرية الصهيونية الأخرى استعداداتها على طول خط الحدود مع قطاع غزة، ومع نشر سلاح البحرية الصهيوني بعض قطعه الثقيلة على طول ساحل غزة؛ من بينها بوارج حربية وغواصات، مع إعلان الجيش الصهيوني منطقة الحدود مع قطاع غزة بأكملها منطقةً عسكريةً مغلقةً.
كما أنه يُلاحَظ- ومن خلال رصد المواقف السياسية في كلٍّ من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني- أنه كان هناك بالفعل تهيئة للأجواء تمهيدًا للاجتياح البري، ولعل أبرز هذه المواقف، هو الضوء الأمريكي الأخضر الذي منحه الكيان الصهيوني لبدء الاجتياح البري للقطاع؛ حيث صدرت تقريبًا في ساعةٍ واحدةٍ مجموعةٌ من التصريحات لكلٍّ من الرئيس الأمريكي المنصرف جورج بوش الابن، ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس، والمتحدث باسم البيت الأبيض جون جوندرو؛ أكد فيها الثلاثة أنَّ موضوع الاجتياح البري "إنما هو أمرٌ بيد إسرائيل فقط".
ودعم هذه المؤشرات سماح الكيان الصهيوني لنحو 400 شخص من الأجانب والفلسطينيين حاملي الجنسيات الأجنبية بالخروج من القطاع عبر معبر بيت حانون البري، بعد تلقِّي العديد من الطلبات من قِبل سفراء الدول الأجنبية التي ينتمي إليها هؤلاء، واستهداف الطائرات الحربية الصهيونية أراضيَ زراعية ومساحات فارغة وشوارع قريبة من الحدود مع غزة بهدف إخلائها؛ فيما فسَّره مراقبون بأنه عملية إخلاء منظَّم للقطاع من الأجانب تحسبًا لبدء الهجوم البري قريبًا.
جرائم حرب
وفي حقيقة الأمر فإن المقاومة الفلسطينية قادرةٌ على تحويل الاجتياحَ البري إلى جحيمٍ بالنسبة للغزاة الصهاينة، إلا أنه- كما قدَّر الخبراء- سيكون بمثابة أكبر محرقة ترتكبها القوات الصهيونية في حق العرب والمسلمين عبر تاريخ الصراع بين الجانبين.
وبنظرة بسيطة إلى حصيلة الأسبوع الأول من العدوان، الذي تم فقط باستخدام القوات الجوية الصهيونية، سنجد أرقامًا مرعبة فعلاً، كما قالت ممثلة برنامج الغذاء العالمي في الأراضي الفلسطينية كريستين فان نيوفنهاوس.
فهناك 445 شهيدًا، ونحو 2300 جريح؛ من بينهم 200 حالتهم خطرة وخطرة جدًّا، بحسب المصادر الطبية الفلسطينية، وعندما تم توسيع حلقة استهداف الأهداف الميدانية في القطاع ارتفع عدد الشهداء والمصابين من الأطفال والنساء بنسبٍ مخيفة.
حيث بلغ عدد شهداء العدوان من الأطفال في نهاية يومه السابع 74 طفلاً، ومن النساء 26 امرأة، وبلغت نسبة الشهداء من الأطفال والنساء حوالي 23% من تعداد شهداء العدوان، بينما أدَّت الغارات الجوية الصهيونية إلى إصابة 314 امرأة، بنسبة 14% من المصابين، و350 طفلاً بنسبة 30% من المصابين.
واستهدفت حوالي ما بين 900 إلى 1000 غارة صهيونية على قطاع غزة نحو ما بين 800 إلى 900 هدف فلسطيني؛ أغلبها أهداف مدنية، شملت ما بين 8 إلى 10 مساجد تم تدميرها بشكلٍ كليٍّ، ومن بين هذه المساجد مسجد عمر بن الخطاب في مخيم البريج وسط القطاع، وكان المسجد يضم روضة أطفال، ومحطة تحلية للمياه ضمن مشروع خيري!!.
كما دمَّر القصف مساجد: الشفاء في مدينة غزة، والقسام وعباد الرحمن في خان يونس، وعماد عقل في شمال القطاع، وأبو بكر الصديق في مخيم جباليا، والاستقامة في مدينة رفح، وأبو حنيفة النعمان في حي تل الهوى جنوب غزة.
وفي اليوم الرابع للعدوان على القطاع تم قصف عددٍ من مباني الجامعة الإسلامية، وهي: مبنى الطالبات، ومبنى المختبرات العلمية، ومبنى قاعة المؤتمرات، وسوِّيَت كلها بالأرض!.
![]() |
|
دخان كثيف يتصاعد عقب غارة صهيونية جديدة على غزة |
وركَّز القصف الصهيوني المجرم منذ الساعة الأولى له على المنشآت والمقرَّات التابعة للأجهزة الأمنية والمؤسسات الحكومية الرسمية؛ مما أدى إلى تدميرٍ كاملٍ لما يزيد عن 100 مقر أمني اشتملت على مقارَّ للشرطة، وجهاز الأمن والحماية، ومجمع السرايا الحكومي، والمقار الأمنية الفرعية في الضواحي، كما تم تدمير المبنى الرئيسي للمجلس التشريعي الفلسطيني بغزة، ومجمع الوزارات، ومقرَّيْ وزارتَي التربية والتعليم والعدل.
وبلغ عدد المنازل التي نالها القصف بشكل مباشر ما يزيد عن 70 منزلاً أدى إلى تدميرها بشكل كامل، بينما أدَّى القصف إلى إلحاق أضرار جسيمة وجزئية بعددٍ لا يزال غير محدود من المنازل.
كما أدَّى القصف الصهيوني إلى تدمير شبكة مياه الشرب والصرف الصحي، لا سيما في الشمال في بيت حانون، بما يشير- مع توقف أكثر من 1000 آلة إستراتيجية في المستشفيات الفلسطينية نتيجة انقطاع الكهرباء، بسبب نفاد الوقود وقصف شبكة التغذية- إلى مشكلةٍ أخرى، وهي انتشار الأوبئة في القطاع نتيجة انتشار المياه العادمة في الشوارع وتكدُّس الجثث فيها، بعد أنْ فاضت المستشفيات بما فيها من جثث شهداء وأجساد الجرحى التي ملأت حتى الممرات والساحات الأمامية لها.
وتقول تقارير وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة ومنظمات خيرية أخرى غير حكومية مثل "ريليف إنترناشيونال" و"أوكسفام" إن الوقود والغذاء والطحين والدواء قد نفدت من القطاع.
مستقبل غامض
وفي حقيقة الأمر، فإنَّ مصير غزة في مرحلة ما بعد الاجتياح غامضٌ بشدة، ولكن ومما يحدث على الأرض يمكن استشفاف بعضٍ من ملامح الصورة.
ومبدئيًّا فإنَّ مصير الأزمة في غزة صار الآن في يد ثلاثة أطراف فحسب؛ هي: الكيان الصهيوني، وحركة حماس، والشعب الفلسطيني، بعد ثبوت الآتي:
- تورط أطراف عربية رسمية في العدوان على قطاع غزة.
- خذلان باقي الأطراف العربية للغزاويين في محنتهم الحالية.
![]() |
|
ساركوزي وعباس |
- عدم وجود طرف دولي الآن يمكن أنْ يساعد الشعب الفلسطيني؛ فالفرنسيون أنفسهم تظاهروا في العاصمة الفرنسية باريس ضد رد الفعل الرسمي للرئيس نيكولا ساركوزي، والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي الآن لا يقولون سوى ما يقوله الكيان الصهيوني في شأن صواريخ المقاومة، بينما الموقف الأمريكي يدعم الحرب رسميًّا.
- اقتصار ردود الفعل الشعبية العربية والعالمية الآن على المظاهرات فقط، دون محاولاتٍ للتوصل إلى إجراءاتٍ ملموسةٍ على الأرض لدعم الشعب الفلسطيني، ودون تحوُّل هذه المظاهرات إلى عنصر ضغط على الحكومات، إلا في مصر؛ حيث أثمرت المظاهرات والاحتجاجات الشعبية حتى الآن عن قرار السلطات المصرية باستمرار فتح معبر رفح.
ان الشعب الفلسطيني الآن في غزة بحاجةٍ إلى تحركاتٍ شعبيةٍ في شوارع المدن العربية والعواصم الإسلامية، بل وعواصم الديمقراطيات الغربية، إلا أنَّ هذه التحركات يجب أنْ تكون تحركات فعالة تضغط على الحكومات العربية والإسلامية لاتخاذ قراراتٍ كبيرةٍ فيما يخص المحرقة الراهنة في قطاع غزة.
والمحرقة هنا ليست مسمًى إعلاميًّا عربيًّا، بل إنَّ القادة العسكريين الصهاينة هم من أطلقوا على الحرب الراهنة على قطاع غزة هذا الاسم؛ فاسم العملية الرسمي هو "الرصاص المصبوب" أو "الرصاص المتدفق"، وأمام الإعلام قال قادة وزارة الحرب الصهيونية، إنَّ ما يجري في غزة هو "محرقة" و"حرب لا هوادة فيها".
كما أنَّ الشعوب العربية والإسلامية أكبر في حجمها وقدراتها من أنْ تدعم بالموقف فقط؛ فالمطلوب شعبيًّا دعمٌ بالمال والسلاح والبشر، ودعمٌ بالدم والغذاء والدواء، لا إبداء الاحتجاج فقط.
وبالتالي، فما لم يطرأ على الموقف الشعبي العربي والإسلامي تغييرٌ ما في الفاعلية، فإنَّ الأطراف المتحكمة في الأزمة الراهنة في غزة ستكون هي: الكيان الصهيوني، حركة حماس، الشعب الفلسطيني.
أهداف صهيونية
مشاة الصهاينة خلال بدء الهجوم على غزة

إنَّ مرحلة الاجتياح البري الصهيوني على غزة يحددها- قبل أي شيءٍ- قائمة الأهداف الصهيونية الموضوعة للحرب.
هذه المواقف في مجموعها تشير إلى أنَّ نوايا الكيان الصهيوني من الحرب تتجاوز الانتقام من حركة حماس، إلى الأهداف الآتية السياسية والأمنية والعسكرية التالية:
- وقف إطلاق الصواريخ من غزة على المغتصبات والبلدات الصهيونية، مع تحول هذه الصواريخ إلى تهديد حقيقي، مع دخول صواريخ "جراد" روسية الصنع دقيقة التوجيه وبعيدة المدى إلى معادلة الفصائل الفلسطينية، وهو ما لا يُبقي أمام الفلسطينيين للوصول إلى ذات مستوى تهديد حزب الله لشمال الكيان، إلا الحصول على الكاتيوشا.
- إنهاء سيطرة حماس السياسية على قطاع غزة، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بوجودٍ ما لها في القطاع؛ لضمان استمرار حالة الانقسام الفلسطيني التي تخدم المصالح الصهيونية في كونها لا تجعل من الممكن على الفلسطينيين المطالبة بأي شيءٍ في التسوية النهائية.
وهو ما يدعو إلى مخاطبة بعض الأطراف في حركة فتح بالقول إنَّ الوضع ليس بالبساطة التي يتحدث بها الطيب عبد الرحيم الأمين العام للرئاسة الفلسطينية، أو بعض الأطراف الأخرى في فتح التي بشَّرت بعودة ما وصفته بـ"الشرعية الفلسطينية" إلى قطاع غزة.
محو صورة الهزيمة المُذلِّة التي لاقاها الجيش الصهيوني أمام حزب الله في صيف العام 2006م، وهو هدفٌ ذو أبعاد سياسية ونفسية أيضًا، ومن هنا يمكن فَهْم الاندفاع المبالغ فيه من جانب وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك في غزة "بدون هوادة"، لاعتباراتٍ خاصةٍ بهيبة الجيش الصهيوني ومستقبله السياسي هو وحزبه في الانتخابات المبكرة العامة المقررة في فبراير المقبل.
- القضاء على خيار المقاومة نهائيًّا، ومنع تحول قطاع غزة إلى فكِّ كماشةٍ سُفلي مع جنوب لبنان (الفك العلوي) في الشمال.
- تهديد باقي أعداء الكيان الصهيوني في المنطقة، وإنذارهم بأنَّ اليد الصهيونية الطويلة قادرة على الوصول إليهم دون رادع سياسي أو قانوني، مع كامل تأييدٍ من جانب الولايات المتحدة، وهو ما يُدخل البعد الإيراني في الموضوع؛ حيث بات الهاجس الإيراني الآن على قمة قائمة أولويات عمل الحكومات والأجهزة الصهيونية.
وكلها بطبيعة الحال لا يمكن تحقيقها من خلال الحملة الجوية وحدها على قطاع غزة، بما يزيد من "أرجحية" الاحتمال الخاص بالغزو البري.
خيارات حماس
صواريخ القسام تنطلق بقوة تجاه أهدافها في عمق الكيان

حماس على الجانب الآخر فوجئت تمامًا بما جرى من غدرٍ صهيونيٍّ؛ حيث جرى وبمشاركة فعلية من القاهرة وتعتيم تام على توقيت وطبيعة الهجوم، بل وتطمينات القاهرة لبعض الأطراف في حماس من أنَّ الكيان الصهيوني لن يشن هجومًا واسع النطاق على غزة، ولجوء الكيان الصهيوني إلى فتح المعابر مع القطاع قبل القصف بيومٍ واحدٍ.. كل ساهم في دعم المفاجأة الإستراتيجية الصهيونية للفلسطينيين، وساهم بالتالي في ارتفاع حجم خسائر الضربة الجوية الأولى؛ حيث كانت الحياة تسير على نسقها المعتاد في المعسكرات والمواقع الأمنية الفلسطينية في غزة، بما ساعد الطيران الصهيوني على ضرب العناصر الأمنية وعناصر دوريات الشرطة الفلسطينية الجديدة، وهم واقفون على الأرض في العراء، في مشهدٍ غريبٍ لم يصدقه أحد.
ورغم ذلك فأنَّ حماس حافظت إلى الآن على قوتها الضاربة في كتائب الشهيد عز الدين القسام، ولا تزال معدلات إطلاق الصواريخ على قطاع غزة يوميًّا كما هي، وفي معدلاتها القصوى ما بين 30 إلى 40 صاروخًا، بل وبدأت في إيقاع خسائر بشرية في صفوف الصهاينة؛ حيث أسقطت الصواريخ الفلسطينية حوالي 6 قتلى وعشرات الجرحى الصهاينة، من بينهم عمدة بلدة ناحال عوز الصهيونية.
ومع كون حماس حركةً لا تنظيمًا، فإنَّ القضاء عليها سياسيًّا وجماهيريًّا أمرٌ مستحيلٌ؛ فهي كيانٌ مستقلٌ له ممثلوه في الداخل والخارج، وليس من السهل القضاء على كلِّ هؤلاء، بل هو من المستحيل "بعينه"؛ فقيادات حماس موجودة في أكثر من عاصمة دولة عربية، وقياداتها الأهم موجودة في بلدٍ معادٍ للكيان الصهيوني، وهو سوريا؛ حيث يحظون بالحماية، وحيث يتحول ملف حماس هناك إلى إطارٍ إقليميٍٍّ آخر.
ومن الملاحظ أنَّه على فداحة الخسائر الفلسطينية من مبانٍ وأفرادٍ، إلا أنَّ المؤسسات لم تتعطل، ولا يزال قادة حكومة إسماعيل هنية على قيد الحياة، ويمارسون عملهم، وهي كلها أمور شديدة الأهمية بالنسبة للإعلان عن فشل تحقيق الأهداف الصهيونية، وهو أمرٌ مرجَّح استمراره حتى بعد الاجتياح.
كما أنَّ البُعد الجماهيري حاكمٌ هنا؛ فصمود الشعب الفلسطيني مهمٌّ جدًّا لاستمرار حماس وقوى المقاومة في العمل والصمود، ومن هنا يمكن القول إنَّ العدوان الصهيوني لن يؤديَ إلى ثورةٍ على حماس في غزة بقدر ما سوف يؤدي إلى التفاف الجماهير حول الحركة، وهو ما أجمعت عليه تحليلات الصحف الغربية، بما في ذلك البريطانية.
![]() |
|
فلسطيني بعد إصابته جراء الغارات الجوية الصهيونية |
فـ(الجارديان) البريطانية رأت أن الغارات الصهيونية ربما تكون قد فاجأت حماس وقياداتها حقًّا، إلا أنَّها لن تؤديَ إلا إلى تعزيز وجود الحركة في قطاع غزة، وقالت في عدد الأحد الماضي إنَّه من الصعب قياس شعبية حماس بدقة، إلا أنَّ البوادر الأولى تشير إلى أنَّ الغارات سوف تؤدي إلى حشد الدعم والتأييد حول الحركة في وقت قصير بعد المجزرة، والمجزرة هنا هي وصف الصحيفة لما يحدث في غزة.
ولعل في مشاهد الاصطفاف الجماهيري حول قيادات الحركة في غزة خلال الاحتفالات الأخيرة بالذكرى الـ21 لتأسيس الحركة، أبلغ دليل على أنَّ عامَيْن من الحصار لم يؤديا إلى زحزحة شعبية حماس.
خيارات الطرفَيْن
التحليل المستقبلي للوضع في قطاع غزة بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين في ظل الصورة السابقة، واحتمالات التصعيد البري، ومن زاوية الخيارات والاحتمالات المطروحة أمام كل أطراف الأزمة، فإنَّ الوضع بالنسبة للكيان الصهيوني يمكن تقسيمه إلى قسمَيْن: ما قبل الانتخابات، وما بعد الانتخابات.
ما قبل الانتخابات كلها خيارات ميدانية، والتصعيد هو الاحتمال الأقرب للدقة في غزة، ولكن كل الخيارات صعبة بالنسبة للكيان الصهيوني، ما بين الاستمرار في الغارات الجوية، أو القيام بعمليات برية واسعة النطاق على قطاع غزة، أو الجمع بين الطريقتَيْن.
إلا أنه من المستبعد أن تنجح القوات الصهيونية في إسقاط حماس، ومن المستبعد جدًّا أنْ يتم القضاء على الحركة.
![]() |
|
خالد مشعل |
أما بعد الانتخابات فالخيارات سياسية أكثر منها ميدانية، ولكن العمل الميداني لن يغيب عن الصهاينة؛ فالحكومة الصهيونية المقبلة لن تقبل بحماس حاكمةً وصواريخها في غزة، ومن هنا سوف تكون هذه الحكومة مجبرة أمام شعبها من شُذَّاذ الآفاق في الكيان الصهيوني على اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا وفاعلية لتغيير الوضع في غزة.
ومن هنا يمكن القول إنَّ حماس- التي لا خيار أمامها إلا التمسك بالمقاومة، لأنَّها علَّة وجودها نفسه، ولذلك- سوف تراهن على الاصطفاف الجماهيري حولها، مع محاولة نقل المعركة إلى الضفة الغربية، إذن فخيار المقاومة والخيار الجماهيري هو الأنسب أمام حماس الآن.
ولكن المراقبون يجمعون على أنَّ مصالحة فلسطينية من أيِّ نوعٍ هي وحدها القادرة على علاج الموقف برمته مع حركة حماس، حتى لو اضطرت حماس إلى التنازل السياسي قليلاً أمام خصومها في رام الله، أو فرضت مصالحة مع أطراف من حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بعيدًا عن فريق رام الله، ولكنها لن تقبل تنازلاً من أي نوعٍ أمام العدو الصهيوني.
ونختم بما قاله خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في كلمته التي وجَّهها إلى الصامدين في قطاع غزة مساء يوم أمسٍ الجمعة؛ حيث تعهد بـ"مصيرٍ أسود" لقوات الغزو الصهيونية لو جرأت على اجتياح غزة بريًّا، ولكن الأهم فيما قاله على المستوى السياسي هو نجاح حماس في أسر المزيد من الجنود الصهاينة، وقتها سيكون هناك حديث آخر للمعادلة في غزة.



