"مستعد للحوار مع إيران إذا تبنت مواقف أكثر مرونة".. "إذا رغبت دول مثل إيران أنْ ترخي قبضتها فستجد يدنا ممدودة".. هكذا عبَّر الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما ونائبه جوزيف بايدن أكثر من مرة عن نية إدارتهم حيال الملف الإيراني.

 

الرئيس الأمريكي الجديد يؤكد إنه يتطلع إلى حوارٍ مباشرٍ مع إيران، ويعلن إمكانيَّة إجراء ما وصفه بـ"مفاتحاتٍ دبلوماسيةٍ" مع طهران خلال الأشهر القادمة كجزءٍ من السياسات الجديدة التي طرحها للولايات المتحدة في أجندته الانتخابيَّة خلال الحملة الرئاسية لانتخابات 2008م.

 

التوجه الجديد لإدارة أوباما واستبداله بلغة التهديد لإدارة سلفه الجمهوري جورج بوش لغةٍ أخرى أكثر رقيًّا وواقعيةً، لم يأت إلا بعد دراسةٍ عميقةٍ قام بها الفريق الانتخابيِّ للرئيس الأمريكي الجديد لأمرَيْن أساسيَيْن،  الأول هو أبرز الملفات التي يتعيَّن على الرئيس الجديد التعامُل معها، والثاني الأخطاء الإستراتيجية الكبرى التي وقعت فيها إدارة بوش الابن في التعامل معها.

 

وبالتالي العمل على رسم سياسةٍ جديدةٍ للتعاطي مع هذه التحديات في إطار الشعار الانتخابي الذي أعلنه أوباما في حملته الرئاسية، وهو "التغيير".

 

 سياسة أوسع

لا تعتبر مواقف الرئيس الأمريكي وأركان إدارته من إيران منفصلة تمامًا عما أعلنه من توجهاتٍ جديدةٍ إزاء العالم الإسلامي منذ بداية توليه الرئاسة قبل نحو ثلاثة أسابيع، ومن بين تصريحاته اللافتة في هذا ما قاله في خطاب التنصيب يوم 20 يناير: "بالنسبة للعالم الإسلامي، نسعى لنهج جديدٍ للمضي قدمًا استنادًا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل".

 

وفي حواره مع قناة (العربية) الإخبارية فقد قال أوباما" "الأمريكيون ليسوا أعداء للعالم الإسلامي، وسأوجه خطابًا خاصًّا من عاصمةٍ إسلامية كبرى، لترجمة سياسة مد يد الصداقة للعالم الإسلامي، وتمتين العلاقات معه".

 

هذه المواقف تأتي ضمن محاولات الإدارة الأمريكية الجديدة لتحقيق أولويةٍ قصوى أعلنت عنها، وهي تحسين صورة الولايات المتحدة التي ساءت كثيرًا في العالم بفعل سياسات فترتَيْ إدارة بوش الابن من المحافظين الجُدد، والتي رفعوا فيها الحذاء في وجه العالم كله، فكانت النتيجة أنْ خرجوا من الحكم في نهايتها مُشيَّعين بالأحذية في مختلف أنحاء العالم انطلاقًا من بغداد.

 

 الصورة غير متاحة

هيلاري كلينتون

وكان اللافت أنَّ وزيرة خارجيته الجديدة هيلاري كلينتون قد استهلت أولى جولاتها الخارجية بعد توليها منصبها في جنوب شرقي آسيا، بزيارة العاصمة الإندونيسية جاكرتا، رغبة منها في "مدِّ يدها" للعالم الإسلامي، بحسب متحدثٍ باسم وزارة الخارجية الأمريكية.

 

وقال المتحدث باسم الوزارة روبرت وود: "إن إندونيسيا هي أكبر دولة مسلمة في العالم (230 مليون نسمة)، ووزيرة الخارجية تريد أن تتقارب أكثر وأكثر معها".

 

ولعل أوباما وهو يقول لقناة (العربية) إنه ينوي مد يده للعالم الإسلامي من عاصمةٍ إسلاميةٍ كبرى، كان يقصد جاكرتا بكلِّ تأكيدٍ؛ حيث قضى فيها سنواتٍ طويلةٍ من شبابه تشكَّلت فيها انتماءاته وأفكاره.

 

كما أنَّ أوباما عندما يتحدث عن رغبته في تحسين صورة الولايات المتحدة الخارجية، فإنَّه ملزمٌ بأنْ يتوجَّه إلى العالم الإسلامي أولاً، وقبل أيِّ طرفٍ في العالم بعد ما سببته سياسات سلفه من إضرارٍ كبيرٍ بمصالح العالم الإسلامي، فأجندة المحافظين الجدد لم تستهدف منطقة في العالم مثلما استهدفت العالم الإسلامي، فالحروب التي خاضتها الإدارة الأمريكية السابقة كانت في العراق وأفغانستان، كما دعمت حربَيْ الكيان الصهيوني على لبنان في صيف العام 2006م، وعلى فلسطين في الفترة ما بين 27 ديسمبر 2008م، وحتى 17 يناير 2009م.

 

هذا غير ما جرى مع الصومال والسودان؛ حيث دعمت الحرب الإثيوبية على الصومال، ودعمت أمراء الحرب ضد حكم اتحاد المحاكم الإسلامية، بما أدَّى إلى إطالة أمد عدم الاستقرار في الصومال لسنواتٍ طويلةٍ، أما في السودان، فإنَّ دعم واشنطن والكيان الصهيوني وبريطانيا المباشر لفصائل التمرد في دارفور أدَّى إلى عدم قطف ثمار السلام في الجنوب، ولا توجيه جهود العمل في البلاد إلى مجال التنمية والاستقرار.

 

ومن هنا فإنَّ أوباما إذا ما أراد إصلاح ذات البين بين واشنطن والعالم، فإنَّ العالم الإسلامي هو المفتاح، مع تعاطف شعوب الأرض تقريبًا مع قضايا المسلمين، وهو ما اتضح خلال أزمة غزة الأخيرة، والتي خرجت فيها مظاهرات الغضب تضامنًا مع أهل غزة المحاصرين من أقصى الأرض إلى أقصاها، بما في ذلك تجمعات اليهود في بريطانيا والولايات المتحدة.

 

وجهًا لوجه

 الصورة غير متاحة

جوزيف بايدن

الخطوط العامة للإدارة الأمريكية الجديدة إزاء إيران حددها صراحةً نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن أمام الدورة الخامسة والأربعين من "مؤتمر ميونخ العالمي للسياسة الأمنية"؛ فقال في كلمته: "حضرت إلى أوروبا نيابةً عن إدارةٍ جديدةٍ مصرةٌ على انتهاج نهجٍ جديدٍ في واشنطن، وفي العلاقات الأمريكية مع شتى أنحاء العالم"، وأضاف أنَّ: "الولايات المتحدة ستقدم المزيد، ولكنها ستطلب المزيد من شركائنا".

 

وفي الشأن الإيراني عرض بايدن الآتي:

- الاستعداد للحديث المباشر مع إيران، وهو ما كانت الإدارة الأمريكية السابقة تنفيه تمامًا، ولم تلجأ إليه إلا لبحث الوضع الأمني في العراق.

 

- عرض مجموعةٍ من البدائل والخيارات بالنسبة لإيران، ووضع الخيار الدبلوماسي أولاً، بخلاف اقتصار الموقف الأمريكي سابقًا على العمل على عزل إيران، والتلويح باستخدام القوة العسكرية لحسم الخلاف مع طهران.

 

ومن ثم فأمام إيران أنْ تواصل مسارها الحالي؛ ما يعني استمرار الضغط والعزلة، أو التخلي عما وصفه بايدن بـ"البرنامج النووي السري ودعم الإرهاب؛ مما سيعني حوافزَ جيدةً"، فيما لم يُشِرْ إلى نائب الرئيس إلى الخيار العسكري.

 

أما أوباما فقد كان واضحًا تمامًا في مواقفه عندما تحدث أمس عن أن إدارته ستبحث عن "فرصٍ ملائمةٍ للجلوس على جانبَيْ الطاولة وجهًا لوجه" مع إيران، معتبرًا أنَّه من الممكن إقامة علاقة احترامٍ متبادلٍ بين البلدين.

 

وكانت هناك إشاراتٌ أخرى من مسئول رفيع آخر في الإدارة الأمريكية، وهي سوزان رايس السفيرة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة، وهي برتبة وزير في إدارة الرئيس الجديد، ولها تصريحٌ لافتٌ قالت فيه: "إنَّ واشنطن مستعدةٌ لانتهاج دبلوماسية نشطة تشمل دبلوماسية مباشرة حيال طهران" في دعوةٍ جديدةٍ لطهران للحوار مع واشنطن حول الملفات العالقة بينهما.

 

ملفاتٌ وملفات

يخطئ مَن يتصوَّر أنَّ البرنامج النووي والصاروخي الإيراني هو فقط الملف العالق ما بين واشنطن وطهران، فهناك أكثر من مجال عمل بين البلدَيْن، يُمكن أنْ يتلاقيا فيها أو يتصادما، وهي:

 

1- الملف النووي والصاروخي الإيراني:

وهنا فإنَّ الولايات المتحدة تملك موقفًا مُتصلبًا، ولا تملك تغييره في واقع الأمر، وهو ضرورة تحجيم إيران لأنشطتها في مجال تطوير الصواريخ بعيدة المدى، وفتح منشآتها النووية أمام عمليات التفتيش الدولية للتأكد من أنَّ طهران ليست بسبيلها لتصنيع قنابل نووية، ويأتي التصلب الأمريكي في هذا الملف على ارتباطه بأمن حلفائها في أوروبا والشرق الأوسط، مع تهديد الترسانة الصاروخية الإيرانية لحدود أوروبا الشرقية والجنوبية، والكيان الصهيوني بطبيعة الحال.

 

ومع تصلب الكيان الصهيوني إزاء هذا الملف، فلا يتوقع أنْ يتغير الموقف الأمريكي كثيرًا تجاه الملف النووي والصاروخي الإيراني، ولاسيما إذا ما تولى بنيامين نيتانياهو زعيم حزب الليكود الصهيوني اليميني للحكم بعد الانتخابات التي تجري اليوم، بعد تعهده بعدم استثناء الخيار العسكري لوقف التهديد النووي الإيراني لبلاده بحسب قوله للقناة الثانية في التليفزيون الصهيوني قبل نحو 10 أيامٍ على الانتخابات.

 

2- الوضع في العراق:

هذا الملف كان اختبارًا حقيقيًّا لنوايا الطرفَيْن، الأمريكي والإيراني؛ حيث التزم الإيرانيون بما توصلوا إليه من اتفاقياتٍ مع الأمريكيين في تهدئة الوضع الأمني في العراق، وكانت الخطوة الأهم في هذا الصدد وقف أنشطة جيش المهدي التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وتحييد أنشطة "فرق الموت" الشيعية التي نشطت في الجنوب والوسط، وكادت أنْ تودي بالبلاد إلى حربٍ أهليةٍ طائفيةٍ.

 

وكان الملف العراقي نموذجًا لما يمكن أنْ تصل إليه الأمور بين إيران والولايات المتحدة حال جلوسهما إلى طاولة تفاوض واحدة، وكانت المصلحة الإيرانية التي دفعت طهران لذلك التوافق، هو رغبتها أولاً في رحيل القوات الأمريكية عن العراق، مع عرقلة 145 ألف جندي لخطط طهران السياسية في هذا البلد العربي المسلم، وفي الخليج العربي عمومًا، وكون هذا الوجود العسكري الأمريكي عامل ضغطٍ لا شك فيه على طهران في أي مواجهةٍ محتملةٍ مع الكيان الصهيوني وواشنطن فيما يخص البرنامج النووي.

 

3- أفغانستان ومكافحة الإرهاب:

لخص خبراء عسكريون وسياسيون الحاجة الأمريكية لإيران فيما يخص أفغانستان في العبارة الآتية: "مع تركيز السياسة الخارجية الأمريكية على أفغانستان، تحتاج الإدارة الجديدة لأشياء أكثر من زيادة عدد القوات لهزيمة حركة طالبان وإقرار السلام؛ حيث ينبغي عليها أنْ تشرك إيران خصمها اللدود في التصدي لحركة طالبان".

 

وقال الكاتب الصحفي الباكستاني أحمد رشيد: "لا يمكن تحقيق الاستقرار في أفغانستان دون إيران، فباكستان "حققت نجاحًا جزئيًّا فقط في محاربة تنظيم القاعدة وحركة طالبان، بينما الحوار مع إيران سيزيد الضغط على باكستان والدول المجاورة للتعاون مع قوات حلف شمال الأطلنطي "الناتو" والقوات الأمريكية في أفغانستان بصورة أقوى".

 

كما أنَّ الولايات المتحدة بحاجةٍ مباشرةٍ لإيران في ملفٍّ آخرٍ بآسيا الوسطى، وهو خطوط إمداد قواتها في أفغانستان، والتي تُعبِّر طرقًا غير آمنة من باكستان؛ ما يتطلب تعاونًا إقليميًّا أوسع، مع اعتزام الأمريكيين نشر 30 ألف جندي إضافي في أفغانستان ينضمون لنحو 32 ألف جندي أمريكي موجودين حاليًّا هناك، وتزداد إلحاحية هذا الأمر مع استعجال وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) نشر 13 ألف جندي آخرين على الأقل، من بين الثلاثين ألفًا المطلوبين، بحلول الصيف المقبل، لإمكان مواجهة أعمال المقاومة المتزايدة لحركة طالبان، وخصوصًا في جنوب البلاد.

 

وتوصلت واشنطن خلال الأسابيع الأخيرة لعددٍ من الاتفاقات مع بعض من الأطراف الإقليميَّة في وسط آسيا، بالإضافة إلى روسيا، لإيجاد طرقٍ بديلة للإمدادات الأمريكية والأطلنطية إلى أفغانستان، بعد تعرُّض خطوطها الأصلية في باكستان لأعمال تخريب وحرق خلال الفترة الماضية من جانب جماعات مسلحة تتخذ من إقليم وزيرستان الباكستاني منطلقًا لعملياتها، وشكَّلت عبر الفترة الماضية ما يسمى بـ"طالبان باكستان"، وكان من نتيجتها أن أوقفت السلطات الباكستانية يوم 20 ديسمبر الماضي مرور الإمدادات عبر ممر خيبر الباكستاني، والتي تعتمد قوات الاحتلال في أفغانستان عليه بشكلٍ أساسي في نقل عتادها اللوجستي والإداري.

 

كما أنَّ إيران تدعم بالمال والسلاح عناصر حركة طالبان، وهو أمرٌ يبدو مستغربًا، في ظل الخلافات المذهبية التي كادت أنْ توقع حربًا بين الطرفَيْن في العام 1998م، إلا أنَّ إيران تدعم طالبان بحجمٍ من السلاح لا يسمح لها بهزيمة قوات الناتو والحكومة الضعيفة في كابول، في مقابل إنهاك القوات الأمريكية في أفغانستان، وجعلها غير قادرة على أي مشاركةٍ في حربٍ كانت محتملةٍ ضد إيران.

 

4- دمشق وحماس وحزب الله

في هذا الملف سيكون من الصعوبة أنْ تحصل الولايات المتحدة على مكاسبَ كبيرةٍ من طهران؛ ليس لأنَّ طهران لا ترغب في المساومة، ولكن لأنَّ الطرف الفلسطيني هنا غير قادرٍ أصلاً على تبنِّي خيار التسوية الكاملة مع الكيان الصهيوني، فحركة حماس التي تبدي المزيد من الشروط لخوض تهدئةٍ لمدة عامٍ ونصف مع الكيان الصهيوني لن يكون من المتصور أنْ تعترف بالكيان الصهيوني أو إعلان هدنةٍ أبديةٍ معه.

 

ومن هنا يبدو صعبًا في هذه المرحلة الحصول على أي تسويةٍ من إيران في هذا الأمر، باستثناء احتمالٍ شديد الضآلة في تهدئةٍ طويلة بين حماس والمقاومة من جهةٍ وبين الكيان الصهيوني من جهةٍ أخرى.

 

أمورٌ شديدة التعقيد تلك التي ترتبط بها العلاقات الإيرانية- الأمريكية، أمَّا عن كيف سيفك الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما طلاسمها.. هذا ما سوف تجيب عنه سنوات إدارته الأربع القادمة.