منذ مطلع شهر فبراير الحالي، قام أربعة وفود من الكونجرس الأمريكي بزيارة إلى العاصمة السورية دمشق، وكان أهمها تلك الأخيرة التي كان على رأسها السيناتور الديمقراطي جون كيري مرشح الرئاسة الأمريكية الأسبق، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، والتي تزامنت مع زيارة أخرى في ذات التوقيت قام بها هوارد بيرمان رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي.
وعلى الرغم من كافة الأوجه الإيجابية لمثل هذا الإجراء من جانب الولايات المتحدة، إلا أن الكثير من المراقبين لا ينصحون بالإفراط في التفاؤل في أنَّ مثل هذه الزيارات قد تعبر عن اتجاهاتٍ جديدةٍ كليًّا في العلاقات بين خصمَيْن قديمَيْن في منطقةٍ هي الأصعب والأكثر استعصاءً في العالم، وإنْ كانوا بلا شكٍّ يرون أنَّ ما يجري إنَّما هو تطور إيجابيّ قد يقود إلى بعض الهدوء في المنطقة.
وممَّا يدل على "حذر" التوجه الأمريكي الجديد إزاء سوريا، قال كيري إن جولته الأخيرة في المنطقة "لم تكن ضمن مهمة رسمية، وإنَّما كان يتحدث باسمه شخصيًّا"، إلا أنه أضاف في تصريحاتٍ نقلتها وكالة الأنباء السورية (سانا) أنه سوف يقوم بإطلاع المسئولين في بلاده وأعضاء الكونجرس على النتائج التي أفضت إليها جولته في الشرق الأوسط.
ولذلك، ومع غياب الطابع الرسمي عن جولة كيري، فإنَّه لم يعقد مؤتمرًا صحفيًّا بعد لقائه مع الرئيس السوري بشار الأسد، واقتصرت تصريحاته على لقاءٍ عقده مع مجموعةٍ من الصحفيين في المركز الثقافي الأمريكي بدمشق في وقت لاحق؛ حيث أخبرهم بأن محادثاته مع الرئيس السوري كانت "مشجعة".
موضوع الزيارة
الجولة الأخيرة التي قامت بها بعض الشخصيات البرلمانية الأمريكية إلى العاصمة السورية دمشق، ومن بينها زيارة جون كيري، رمت إلى مناقشة العديد من الزوايا والقضايا ذات الصبغة الخاصة، بجانب ما هو معلنٌ في الأجندة الرسمية لهذه الجولات.
ومن بين ما تم الإعلان عنه حول الزيارة، أنها جاءت بغرض:
1- بحث العلاقات الثنائية بين واشنطن ودمشق، وممكنات تطويرها في ظل تبدل اتجاه الريح في البيت الأبيض، بعد مقدم إدارةٍ جديدةٍ.
2- عملية السلام في الشرق الأوسط، وفرص استئناف المفاوضات بين سوريا والكيان الصهيوني، بعد إعلان كلٍّ من دمشق وأنقرة وقف المفاوضات غير المباشرة التي كانت تجري بين دمشق وتل أبيب في أنقرة بوساطة تركية.
3- الأوضاع في لبنان، مع دخول المشهد السياسي هناك إلى ساحة حمى الانتخابات التشريعية هناك، وعلى خلفية تطورات التحقيق في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، والتي أدت قبل أربعة أعوامٍ إلى إجبار واشنطن لدمشق على سحب قواتها من لبنان.
إلا أنَّ هناك العديد من الزوايا غير المُعلنة لهذه الزيارات، ومن بينها:
1- مناقشة مدى إمكانية استغلال تأثير دمشق على القرار الفلسطيني فيما يخص ملفات التسوية مع الكيان الصهيوني، والتهدئة في قطاع غزة، مع استضافة دمشق لحوالي عشرة من فصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، ومعرفة مدى إمكانية إسهام سوريا في تبديل قناعاتها؛ بحيث تتلاءم مع متطلبات المرحلة الجديدة من السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، والمطالب الصهيونية من الفصائل الفلسطينية فيما يخص التهدئة والأسرى وخلافه.
مبنى البرلمان الفلسطيني في غزة بعد القصف الصهيوني

وقد غيرت الحرب الوحشية الأخيرة التي شنتها آلة الدمار الصهيونية على قطاع غزة من كثيرٍ من الأمور والقناعات وسط فصائل المقاومة الفلسطينية، وبات الحديث عن خيار التسوية التي كانت سلطة رام الله تمضي فيه قدمًا ضربًا من الخيال في ظلِّ الأوضاع التي خلقها الحصار والحرب على قطاع غزة، ومن هنا كان من المهم للغاية بالنسبة لواشنطن الجديدة استطلاع المشهد في دمشق قبل المضيِّ قدمًا في الملف الفلسطيني الشائك.
ويمكن القول إنَّ زيارة كيري إلى دمشق كانت لهذا الغرض أساسًا؛ حيث إنَّ تصريحاته فيما بعد لقائه الرئيس السوري بشار الأسد أمس صبَّت في هذا الاتجاه؛ حيث قال: "سوريا يمكن أن تكون في الواقع مفيدة جدًّا في المساعدة في تحقيق حكومة وحدة" فلسطينية، وأضاف: "أعتقد أنَّ سوريا أبدت لي استعدادًا للمساعدة في هذا الصدد، وإذا فعلت ذلك فستكون قد خطت خطوة كبرى للأمام، ليس فقط في التعامل مع مشاكل غزة، ولكن أيضًا فيما يتعلق باستئناف المناقشات الخاصة بحل الدولتَيْن".
2- العلاقات السورية- الإيرانية، والمفهوم السوري لعلاقات التحالف الوثيق القائمة حاليًا بين دمشق وطهران، وممكنات تغيير هذه المفاهيم، أو على الأقل مواءمتها مع جديد الأجندة الأمريكية إزاء إيران.
ومنذ توليه الحكم في واشنطن بعث الرئيس الأمريكي باراك أوباما العديد من الرسائل الإعلامية بشأن إمكان دخوله في حوارٍ مباشرٍ مع إيران، إلا أنَّ اللافت كان تقريرٌ إعلاميٌّ صدر قبل نحو ثلاثة أسابيع، قال إنَّ مستشاري فريق أوباما للأمن القومي والسياسة الخارجية رفع توصيةً إلى الرئيس الأمريكي الجديد نصحه فيها بـ"التَّريُّث" في تحويل دفة السياسات الأمريكية إزاء إيران انتظارًا لنتيجة الانتخابات الرئاسية القادمة في إيران، والمقررة في يونيو القادم.
وهو ما يخالف تمامًا الاتجاهات الأمريكية القديمة تمامًا، والتي كانت تُطالب دمشق قبل فتح أيِّ نقاشٍ معها بقطع علاقات تحالفها الوثيق مع طهران.
تغيير
باراك أوباما

ولا تعتبر الزيارات التي تقوم بها حاليًا الوفود التشريعية الأمريكية إلى العاصمة السورية لحنًا نشازًا بالنسبة للمشهد العام في السياسات الأمريكية منذ أن فاز سيناتور إلينوي الديمقراطي الأسود باراك أوباما بمنصب الرئاسة في الولايات المتحدة؛ حيث تعهد أوباما بتغيير الكثير من القواعد التي أرساها سلفه الجمهوري جورج بوش الابن خلال فترتي حكمٍ شهد فيها العالم الكثير من التبدلات في قناعاته الإستراتيجية.
وربما كانت شعارات التغيير التي رفعها أوباما هي الباعث الأول لدى الناخب الأمريكي لانتخابه رئيسًا، وأيًّا ما كان الأمر، فإنَّ الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي نال نصيبه من هذا التغيير، وسواءً أكان ذلك التغيير للأسوأ أو للأفضل، أو يصب باتجاه المصالح العربية والإسلامية أو العكس، فإنَّ المهم أنَّ هذا التغيير حاصل.
وفي البداية كانت سلسلة من القرارات المتعلقة بحجم واتجاه عمل القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، وتبديل اتجاه الرياح الأمريكية إزاء تحالفاتٍ رئيسيةٍ مع باكستان ودولٍ أخرى، ثم كانت الخطوة اللافتة بتضمين غزة ضمن جولة السيناتور كيري الحالية في الشرق الأوسط والتي شملت إلى جانب غزة وسوريا، كلاً من لبنان والكيان الصهيوني.
وتهدف الولايات المتحدة، وحلفاؤها الغربيون في الاتحاد الأوروبي من وراء الانفتاح الأخير على دمشق مجموعةٍ من الأهداف على رأسها ملف التسوية مع الكيان الصهيوني والتخلص مما يسمى إعلاميًّا بـ"محور الممانعة" الذي يضم إيران وسوريا، وفصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وعلى رأسها حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية.
وخلال المرحلة الماضية تأكدت واشنطن صعوبة تحقيق هذه الأهداف عن طريق الضغوط والتهديدات، وباتت "الجزرة" هي الخيار الأفضل في هذا المقام، وإنْ لم يتم الاستغناء بشكلٍ كاملٍ عن "العصا".
مفاهيم سورية
وتفهم الولايات المتحدة حقيقة الموقف التفاوضي السوري في علاقات دمشق وسياساتها إزاء الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ حيث لا تفتقر سوريا إلى البراجماتية في هذا الاتجاه، ومن بين أبرز ملامح هذه البراجماتية السورية بحسب المحلل الإستراتيجي نبيل شبيب أنَّ جميع المحطات العربية الرئيسية فيما يخص السلام أو التسوية مع الكيان الصهيوني، بما في ذلك المحطات التي تتضمن تصفية القضية الفلسطينية والصراع مع الكيان كانت بمشاركة رسمية سورية.
الملك عبد الله بن عبد العزيز

وذلك بدءًا من قمة فاس العربية في العام 1982م، والتي تضمنت مقترحات سعودية وعربية مشابهة لما طرحه الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود في مبادرته الشهيرة في قمة بيروت العربية في العام 2002م، مرورًا بمؤتمر مدريد في أكتوبر من العام 1991م، وانتهاء بقمة بيروت.
وفي المقابل تعول سوريا في مواقفها التفاوضية مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة من المبادئ التالية:
1- اعتماد حدود العام 1967م، كأساسٍٍ للحل، وبالتحديد ما يخص الجولان السورية المحتلة، وبدرجةٍ أقلٍّ مزارع شبعا اللبنانية، ولكن ليس بنفس درجة القوة فيما يخص الموقف السوري فيما يتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة.
2- أهمية العلاقات السورية مع أطراف محور الممانعة المشار إليه، وهي: المقاومة الفلسطينية واللبنانية ومع إيران، بجانب تركيا، لإيجاد عمق إستراتيجي بديل للعمق العربي لسوريا، والذي يسيطر عليه ما يعرف بـ"محور الاعتدال" الذي تمثله مصر والأردن والسعودية بالإضافة إلى الإمارات.
والمراقبون لا يتوقعون الكثير من وراء هذا الجديد الأمريكي إزاء سوريا، فيقول البعض إنَّ حركة هذه الوفود الأمريكية لا تعكس تغييرًا في مضامين السياسة الخارجية الأمريكية تجاه سوريا بعد تولي أوباما الرئاسة بقدر ما تعكس تغييرات في الشكل؛ حيث لا يوجد مانع لدى إدارة الديمقراطيين الجدد في واشنطن هذه الإدارة من الحوار المباشر أو تبادل السفراء مع دمشق- تمَّ سحب السفير الأمريكي من سوريا بعد اغتيال الحريري- إلا أنَّ فريق إدارة أوباما لا يزال متمسكًا بنفس مطالب إدارة سلفه الجمهوري جورج بوش الابن.
ويؤكدون ذلك باعتبار أنَّ مطالب جورج بوش الابن كانت تمس اعتبارات الأمن القومي الأمريكي المتمثلة في مصالح واشنطن الإستراتيجية في الشرق الأوسط، وقضية أمن الكيان الصهيوني، وهذه وتلك لا يمكن لأوباما أن يتصرف فيها بخلاف ما تمليه عليه القواعد والثوابت الإستراتيجية الأمريكية.
كما أنَّ إدارة أوباما حتى الآن لا تزال في مرحلة استكشاف، ولم تستقر بعد على صورةٍ واضحةٍ لكي تغير من سياسات الولايات المتحدة وآليات تعاملها، لا سيما في الملفات الساخنة مثل سوريا والعراق وفلسطين وإيران.
وفي النهاية فإنَّ سوريا في الوقت الراهن على مفترق طرق؛ فهل ستتنازل لأوباما عن مواقف رفضت التنازل عنها للإدارة السابقة أم سوف تتمسك بـ"ثوابتها"، وخصوصًا علاقاتها مع "محور الممانعة"؟! هذا السؤال ربما حتى دمشق للآن لم تأخذ فيه قرارًا بعد.