بينما تشهد دول الخليج- دمشق نشاطًا دبلوماسيًّا مكثفًا بالزيارة "النادرة" التي قام بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى العاصمة السعودية الرياض، وزيارة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني "الخاطفة" إلى سوريا، أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون عن تعيين الدبلوماسي اليهودي المخضرم دينيس روس مستشارًا خاصًّا لها لشئون الخليج العربي، بما في ذلك إيران وجنوب غرب آسيا (المشرق العربي).

 

وشغل روس- وهو يهودي الديانة وصاحب مواقف متشددة في القضايا العربية من خلال خبرته السابقة في الشرق الأوسط- منصب مبعوث خاص بالشرق الأوسط أثناء ولايتي الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون، وسوف يكون مسئولاً عن تنسيق السياسات الأمريكية في المنطقة، وكذلك تقديم الاستشارات إلى الوزيرة الأمريكية فيما يخص الخليج والمشرق العربيَّيْن.

 

 الصورة غير متاحة

 دينيس روس

وعمل روس قبل ذلك مديرًا للتخطيط السياسي بوزارة الخارجية الأمريكية تحت إدارة الرئيس الأمريكي الجمهوري الأسبق جورج بوش الأب، ويعمل حاليًا مستشارًا بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أحد أبرز مراكز التفكير "Think Tanks" المقربة من صانع القرار الأمريكي في البيت الأبيض ووكالة المخابرات المركزية "سي. آي. إيه"، ومجلس الأمن القومي الأمريكي، وكذلك أحد واجهات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.

 

وبحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، روبرت وود فإنَّ اختيار مستشار خاص لهذه المنطقة يأتي "في ظل ما تواجهه الولايات المتحدة من تحدياتٍ مع استمرار الصراع والإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وفي الحصول على الطاقة والتنمية الاقتصادية ودعم الديمقراطية وسيادة القانون" بحسب ما قال.

 

ومن قبل توليه الحكم، عكف فريق الأمن القومي والسياسة الخارجية الخاص بالرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما على إجراء سلسلةٍ من المراجعات للسياسات الأمريكية في العالم العربي والإسلامي، ومن بينها السياسة الأمريكية إزاء إيران وسوريا وأفغانستان والعراق، إلا أنَّه لم يتخذ قراراتٍ واضحةٍ للآن في الشأن الفلسطيني.

 

وفي هذا السياق قال وود إن روس سيتولى تنسيق السياسة العامة للإدارة الأمريكية تجاه إيران، وسيقدم "نصائح إستراتيجية، ورؤية للمنطقة" للوزيرة الأمريكية كلينتون.

 

وروس هو ثالث مستشار أو مبعوث دبلوماسي على مستوىً عالٍ يجري تعيينه للعمل لحساب الإدارة الأمريكية الجديدة، بعد الدبلوماسي المحنك السناتور السابق جورج ميتشل الذي عيِّنَ كمبعوثٍ خاصٍّ إلى الشرق الأوسط ومسئولاً عن ملف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني، بينما تمَّ تعيين نجم حرب البوسنة واتفاق دايتون الذي أنهاها، ريتشارد هولبروك، مبعوثًا خاصًّا لأفغانستان وباكستان.

 

خط ساخن

ولم يكن الخليج العربي هادئًا اليوم دبلوماسيًّا أيضًا، وخصوصًا على خطِّ دمشق- الخليج، فبعد الزيارة التي قام بها وفدَيْن من الكونجرس الأمريكي لدمشق مطلع الأسبوع الحالي، قام وزير الخارجية السوري وليد المعلم بزيارة نادرةٍ لم يعلن عنها سلفًا للرياض، سلم خلالها العاهل السعودي، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود مساء اليوم رسالةٍ من الرئيس السوري بشار الأسد، ولم يكشف النقاب عن مضمونها بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية.

 

ونقلت الفرنسية عن وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) أنَّ العاهل السعودي تسلم الرسالة من المعلم خلال استقباله له في روضة خريم مساء الثلاثاء، واكتفت الوكالة بالقول: "إن المعلم نقل خلال الاستقبال لخادم الحرمين تحيات وتقدير الرئيس الأسد فيما حمله خادم الحرمين تحياته وتقديره للرئيس الأسد".

 

وتشهد العلاقات السعودية السورية توترًا منذ سنواتٍ، بعد ما يصفه المراقبون بتحويل اتجاهات البوصلة السورية صوب إيران، وتحالفات طهران في المنطقة، ثمَّ تدهورت العلاقات منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في فبراير 2005م، وازداد التدهور بعد العدوان الصهيوني على غزة.

 

ولاقت المبادرة التي طرحتها السعودية أمام قمة بيروت العربية في العام 2002م لتحقيق السلام بين العرب والكيان الصهيوني على أرضية القرارات الدولية، ومن بينها القرار 194 لسنة 1949مم الخاص بعودة اللاجئين، والقرار 242 الصادر في العام 1967م والذي يطرح مبدأ "الأرض مقابل السلام"، قبولاً سوريًّا رسميًّا.

 

إلا أنَّ قمة غزَّة التي عقدت في العاصمة الدوحة الرياض، يناير الماضي، شهدت دعوةً سوريةً وعربيةً لإلغاء المبادرة التي تبنتها قمة بيروت في 2002م، بسبب العدوان الصهيوني الوحشي على قطاع غزة في الفترة ما بين 27 ديسمبر 2008م وحتى 18 يناير 2009م.
ورغم ما تم وصفه إعلاميًّا بـ"لقاء مصالحة" بين كلٍّ من سوريا والسعودية ومصر وقطر والتي جاءت على  هامش القمة العربية الاقتصادية الأولى المنعقدة في الكويت في 19 يناير الماضي، إلا أنَّ مراقبين قالوا إنَّ اللقاء لم يؤدِّ تمامًا إلى معالجة الانقسامات العربية.

 

تنسيق قبل القمة

ونقلت الفرنسية عن مصدرٍ دبلوماسيٍّ عربيٍّ لم تذكر اسمه قوله: إن المعلم "ينقل إلى خادم الحرمَيْن الشريفَيْن رسالةً من الرئيس السوري بشار الأسد ردًّا على الرسالة التي بعث بها العاهل السعودي إليه الأسبوع الماضي، ونقلها رئيس المخابرات العامة السعودية الأمير مقرن بن عبد العزيز".

 

وأشار المصدر إلى أنَّ المباحثات السورية- السعودية تناولت "تسوية الخلافات في وجهات النظر بين البلدَيْن" فيما يخض الأوضاع في العالم العربي، قبيل القمة العربية المقبلة الدورية المقررة في العاصمة القطرية الدوحة في مارس المقبل، ولا سيما ما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط والتهدئة بين الكيان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية، وخطوات المصالحة بين حركتَيْ فتح وحماس.

 

وأضاف المصدر أنَّ المعلم شرح للعاهل السعودي تطورات العلاقات بين دمشق وبيروت، خاصةً بعد حصول السفير اللبناني في دمشق ميشال خوري على أوراق اعتمادٍ من سوريا، بالإضافة إلى البدء في ترسيم الحدود بين البلدَيْن.

 

وكانت الرياض أعلنت في وقتٍ سابقٍ أن الرسالة التي نقلها الأمير مقرن إلى دمشق "تتعلق بالمصالحة العربية"، واعتبرت وسائل إعلام عربية زيارة مقرن "مؤشرًا على تحسنٍ خجولٍ في العلاقات" بين البلدَيْن.

 

وفي شأنٍ متصلٍ اختتم أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني زيارةٍ سريعةٍ للعاصمة السورية دمشق عقد خلالها اجتماعًا مع الأسد، ونقلت وكالة أنباء "يو. بي. آي" عن مصدرٍ وصفته بالمطلع ولم تذكر اسمه قوله إنَّ أمير قطر اجتمع مع الرئيس السوري في مطار دمشق الدولي، وبحثا العلاقات الثنائية وتنقية الأجواء العربية، بعد زيارة المعلم إلى الرياض اليوم.

 

والدوحة هي الرئيس المقبل للدورة الجديدة للقمة العربية الدورية، بينما سوريا هي الرئيس الحالي للقمة.

 

في سياقٍ آخر وصل إلى دمشق مساء الثلاثاء المنسق الأعلى للشئون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا، في زيارة تستغرق يومين يبحث خلالها اتفاق الشراكة الأوروبية- السورية المنتظر توقيعه العام الحالي، في الأشهر القليلة المقبلة، مع وجود تحفظاتٍ أوروبية سجل سوريا في مجال حقوق الإنسان.