ظلت السنغال تشكل حالةً فريدةً وتتمتع بوضع استثنائي على المستوى الأفريقي عامة وفي محيط الجوار خاصةً، واستحقت عن جدارة لقب واحة الديمقراطية الآمنة ما تأكد في مارس عام 2000 عند الانتقال السلس للسلطة من الحزب الاشتراكي الذي ظل متربعًا على العرش السياسي على مدى أربعين عامًا إلى الحزب الديمقراطي.

 

ثمانية أعوام مرت منذ بداية حكم الرئيس الليبرالي الحالي عبد الله واد شهدت تقلبات سياسية واقتصادية واجتماعية جعلت بواعث القلق التي ظهرت عشية 19 مارس 2000م، تبرز من جديد وتتعالى اليوم صيحات التحذير من انفجار وشيك قد يتسبب في تحطيم الحلم السنغالي الذي كان يراهن الكثيرون عليه لإحداث تحول جذري على نطاق واسع بطرح نموذج جديد صالح للتطبيق في أفريقيا السوداء.

 

بدأ الحزب الديمقراطي السنغالي بزعامة عبد الله واد يعاني من الإرهاق وبدت علامات التصدع في بنيانه واضحة والحقيقة أن هذه التصدعات ليست وليدة اليوم وإنما تعود إلى اللحظات الأولى من بدء الحكم الليبرالي الذي كان في جوهره تحالفًا فضفاضًا ضم الحرس القديم من اليسار والمنشقين الاشتراكيين وقوى سياسية أخرى اتفقت على برنامج سياسي مشترك يرتكز على الإصلاح من خلال إحداث قطعية مع النهج الاشتراكي السابق في الحكم.

 

لكن سرعان ما تنصل واد من جميع التزاماته تجاه القوى السياسية التي ساهمت في وصوله على سدة الحكم وذلك حين أقصى جميع شركائه وعلى رأسهم مصطفى إنياس رئيس حزب تحالف القوى الشعبية (a.f.p) الذي كان يحتل منصب الوزير الأول رئيس الوزراء وذلك بهدف الانفراد بالحكم.

 

طائفية وتوريث

ويرى كثير من المراقبين السياسيين أن المستقبل يحمل كثيرًا من نذر التوتر وعوامل القلق وذلك بناء على المؤشرات التالية:

أولاً: إغلاق باب الحوار بين السلطة والمعارضة وخصوصًا شريحة المعارضة التقليدية التي يشكل حلفاء الأمس سوادها الأعظم والتي تصنفها وسائل الإعلام على أنها المعارضة غير البرلمانية بعد مقاطعتها للانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2006.

 

ثانيًا: النهج الطائفي: الذي سلكه الرئيس واد إثر انتخابه رئيسًا للجمهورية بتقديمه الولاء المستمر للخليفة العام للطائفة المريدية في السنغال وبذلك أخل بأهم الأسس التي تنهض عليها الجمهورية والتي تتمثل في الحفاظ على علاقات متوازنة بين السلطة السياسية والقوى الدينية التقليدية ذات الشعبية لدى قطاع واسع من الشعب السنغالي.

 

ثالثًا: تراجع المسيرة الديمقراطية: بعد الزخم الهائل الذي حققته سابقًا وذلك بسبب التعديلات الدستورية المتلاحقة التي لجأ إليها الرئيس واد لدوافع حزبية أو لتحقيق مكاسب سياسية شخصية والتي بلغت 15 تعديلاً خلال ثماني سنوات مقارنة بسبعة تعديلات أثناء الحكم الاشتراكي خلال أربعين سنة.

 

ويضاف على هذا رواج اتهام النظام الحالي بالتلاعب في نتائج الانتخابات والقانون الانتخابي الذي كان محل إجماع وطني بين القوى السياسية، علمًا بأن هذا القانون هو الذي مكن الرئيس الحالي من الوصول إلى السلطة وكان قد صنف وقتها على أنه من أفضل النصوص القانونية التي تضبط العملية الانتخابية في النظم المعاصرة.

 

رابعًا: تردي الوضع داخل الحزب الديمقراطي الحاكم: بما ينذر بالانفجار وذلك إثر سلسلة أزمات داخلية اشتدت وتيرتها منذ استلامه الحكم حيث قضى الرئيس على اثنين من رموز الحزب الديمقراطي هما: "إدريس سيك" و"مكي صال"؛ اللذان احتل كل منهما منصب الشخصية الثانية في الحزب والوزير الأول كما كان الثاني رئيسًا للمجلس الوطني البرلمان خلال الفترة(2006/2008م).

 

ويرجع الملاحظون هذه الحالة إلى النزعة الانفرادية التي يتبعها رئيس الحزب ورئيس الجمهورية وهو أمر يقول منتقدوه إنه دفع الرجل إلى استغلال حالة الانبهار التي كانت تسود البلاد غداة التحول ففصل دستورًا يناسب أحلامه السياسية.

 

خامسًا: الفساد الاقتصادي والمالي: فهناك مآخذ خطيرة جدًّا على النظام الليبرالي منها سلسلة الإفلاسات التي ضربت كبرى المؤسسات الاقتصادية السنغالية التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد السنغالي كما راجت أنباء في وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية عن سوء تصرف في المال العام، وهي أنباء طالت الرئيس وأسرته وبعض المقربين إليه.

 

وهناك تقارير رسمية صدرت عن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا تقدر إجمالي الأموال العامة المهربة إلى الخارج بما يوازي 22% من إجمالي الناتج القومي فضلاً عن النفقات الرئاسية الباهظة وإطلاق الرئيس يد ابنه كريم في الدولة بلا رقيب ولا حسيب ودون أن يكون له أي وضع دستوري في مؤسسات الدولة إلا كونه ابنًا لرئيس الجمهورية.

 

سادسًا: قضية توريث الحكم: وهي القضية التي يعتقد المراقبون والمحللون السياسيون أنها ستقصم ظهر السنغال فهناك شائعات قوية تردد أن الرئيس واد يخطط لتوريث الحكم لابنه خاصة أن مسألة الخلافة السياسية مطروحة بقوة اليوم في السنغال بسبب أن مرحلة ما بعد الرئيس واد قد أزفت وترى المعارضة السنغالية أن هذا التوجه قد يقود إلى تفجير الأوضاع العامة في السنغال.

 

وضع متأزم

كما يعاني المجتمع السنغالي فضلاً عن الارتفاع الصاروخي لأسعار المواد الاستهلاكية والغذائية من ندرة بعض المواد التي اختفت من الأسواق مثل غاز الطهي ووقود السيارات وتضم القائمة التدني المريع في الخدمات الكهربائية ومياه الشرب مع غلاء الفواتير.

 

ولمواجهة هذه الأوضاع السيئة تعددت المسيرات الاحتجاجية والمظاهرات الشعبية العفوية بعيدًا عن تحريض أو تأجيج القوى السياسية أو النقابية كما يحدث عادة في ظل مثل هذه الأوضاع لدرجة أن العدوى انتقلت بعد الشباب والعمال والدوائر المهنية المختلفة إلى قطاعات اجتماعية بقيت منذ عهد سحيق بعيدًا عن هذا المجال مثل أئمة المساجد وعمداء الأحياء فتسببت المظاهرة الحاشدة التي نظموها يوم 9 ديسمبر 2009م، احتجاجًا على انقطاع التيار الكهربائي وغلاء الأسعار في إرباك السلطات إلى حد إثارة القلق لدى رأس القيادة السياسية.

 

وأمام هذا الوضع المتأزم تقدمت المعارضة بطرح جديد يتمثل بالحوار الوطني في مبادرة فاجأت الرئيس وأربكت خططه المستقبلية رغم ما يعرف عنه بأنه لاعب سياسي ومناور محنك..

 

ورغم أن المبادرة جاءت في الأصل من جبهة المعارضة غير البرلمانية (f.s.s) فإن دائرتها اليوم اتسعت وضمت المعارضة البرلمانية وأطيافًا من قوى وطنية مختلفة تجاوز عددها المائة من الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات النقابية والتنظيمات الإسلامية الإصلاحية وبعض الشخصيات الدينية المستقلة.

 

وكما كان متوقعًا رفض النظام الحاكم الاستجابة لدعوة المشاركة في جلسات الحوار التي وجهها المنظمون وأطلق تهديدات لكل من يشارك في الحوار ورغم ذلك فقد كسبت المبادرة قدرًا كبيرًا من الاستجابة والتعاطف الشعبي وانتشر تأييدها في الأوساط الجامعية والفكرية كذلك.

 

ومن العوامل التي روجت للمبادرة:

* أصالة النهج الذي اتبعه المنظمون عندما رفضوا أن يكون الحوار الوطني منبرًا لكشف عورات الحزب الحاكم لمجرد دوافع سياسية وبدلاً من ذلك اتجهوا إلى بناء الحوار وفق رؤية إستراتيجية تتمثل في إعادة بناء أسس الدولة التي قالوا إنها انهارت بسبب غياب النهج المؤسساتي، ومرورًا بتحطيم النظام التربوي وانتهاء إلى الفشل العام في مجال السياسة الزراعية.

 

* نجاح المنظمين في تجنيد عدد كبير من الشخصيات الوطنية بمختلف اتجاهاتها ممن يتمتعون بمصداقية هائلة في مختلف الأوساط وفي مقدمتهم البروفيسور "أحمد مختار إمبو" الوزير والأمين العام الأسبق لمنظمة اليونسكو.

 

جيل الاستقلال

 الصورة غير متاحة

 الرئيس السنغالي عبد الله واد

وأما على المستوى العام فالحراك السياسي في السنغال يتميز اليوم تبرز ملامح تحول جذري قادم يتمثل في انتهاء حقبة سياسية كاملة بأقوال نجم جيل من السياسيين ظل يهيمن على المسرح السياسي وبروز جيل مرحلة جيل الاستقلال وبروز جيل جديد بدأ يشق طريقه تتقاطع أطروحاته مع النهج التقليدي وتتميز بخصائص جوهرية ثلاث هي:

أولا: تكريس البعد الديني: الذي أخذ يغيب الطرح العلماني المتشدد وهو حجر الزاوية في بنية الدولة حيث وردت العلمانية في نص دستوري عند تعريف الجمهورية السنغالية وهو أمر نادر في دساتير العالم حتى على مستوى الدول الغربية حيث ترعرعت العلمانية.

 

ثانيا: التخلي عن النمط الأيديولوجي التقليدي: الذي كان شرطا لازما يجب الوفاء به لإضفاء الشرعية على أي برنامج سياسي فأصبح الطرح الجديد يعتمد على الأصالة والمصلحة العليا للشعب ويعد حزب حركة الإصلاح للتنمية الاجتماعية ذي التوجه الإسلامي الذي كان يرأسه الإمام إمبي إنيانغ يعد أول من تقدم بهذا الطرح الذي عده مؤسسوه من الثوابت الأيديولوجي التقليدي الذي درجت عليه القوى السياسية.

 

ثالثا: رفض التعاطي مع السياسة من منطق احترافي: فالتيار الجديد يدعو إلى التخلي عن النمط السيئ الذي يعد ممارسة السياسة وسيلة للكسب أو الارتقاء الاجتماعي ويفتح الباب على مصراعيه لانتشار الفساد في الأوساط السياسية نتيجة سوء الاستغلال للموقع وهو ما كان مهيمنا على المشهد السياسي السنغالي خلال مدة تقارب نصف قرن(1960/2008).

 

احتمالات وحلول

من يرقب المشهد السنغالي الحالي يلحظ وجود مؤشرات للقلق مبعثها الفوضى العارمة التي وصلت الواقع السياسي حيث يتناطح أكثر من 115 حزبا سياسيا مرخصا له في شعب لا يتجاوز 12 مليون نسمة، بالإضافة لموجه السخط الذي يتعاظم كل يوم في أعماق الشعب ويقابله عجز واضح من النظام القائم عن تقديم حلول جذرية في غمرة انشغاله بتدبير المؤامرات الداخلية للتخلص من عناصر تعد حسب وجهة نظره مشاغبة فضلا عن هوس البحث عن وسائل البقاء في السلطة عن طريق أخر بعيدا عن ارضاء الجماهير وتلبية ابسط مطالبهم المعيشية المشروعة.

 

وفي ظل هذه التطورات والسيناريوهات التي قد تتخذها السفينة السنغالية خلال الشهور المقبلة مع ملاحظة طغيان النبرة المتشائمة التي تنبع من العناد الذي يبديه الرئيس الحالي في الإصرار على إبقاء باب الحوار موصدا غير الوتيرة المتصاعدة لتفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والاستحقاقات السياسة المقبلة من خلال الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في شهر مارس لعام 2009م..

 

وكل ما سبق يمكن أن يشكل وقودا إضافيا لتأجيح الأزمة ما يذكر بالأوضاع التي كانت قائمة في بعض الدول الأفريقية التي عرفت قدرا غير يسير من التفكك مثل ساحل العاج وليبيريا أو تلك التي لا تزال في منطقة الضباب مثل موريتانيا وجمهورية غينيا وغينيا بيساو.

 

ومن الخيارات الرائجة اليوم في السوق السياسي السنغالي:

1- إن يتنازل الرئيس عبد الله واد وينسي فكرة التوريث التي زينها له بعض السياسيين المحيطين به ممن يخشون على أنفسهم من أي تغيير سياسي قادم .

 

2- تشكيل النتائج التي قد تتوصل إليها القوى الوطنية المشاركة في جلسات الحوار الوطني بابا للخروج المشرف للرئيس وذلك بان يتبنى تلك النتائج ويقوم بتنظيم انتخابات عامة مبكرة خلال العام القادم دون أن يكون طرفا فيها وأن يضمن لها كل شروط النزاهة والشفافية وهذا ليس مستحيلا كما يرى بعض المراقبين الذين حللوا كلمات الرئيس في أخر لقاء جمعه مع رئيس جلسات الحوار حيث قال الرئيس للبروفيسور إمبو أكملوا عملكم ثم نرى.

 

3- أن تبقى الأوضاع مكانها من الناحية السياسية والاجتماعية دونما حل جذري ثم تبرز عوامل مفجرة فجائية فتنقل الأوضاع إلى أفاق مجهولة ما يخشاه كثير من السنغاليين اليوم ويحسبون أنفاسهم لمجرد تذكر احتمال وردوده.

 

4- أن يقوم الجيش السنغالي بكسر العامل النفسي المتمثل في تصنيفه بانه من أكثر الجيوش الافريقية انضباطا وولاء للسلطة السياسية وتشبعا بقيم الجمهورية فينقلب على الرئيس في سابقة جديدة منذ انقلاب الرئيس السبق سنغور عام 1962م للقضاء على رفيق دربه رئيس المجلس محمد جاء.

 

بصيص أمل

ومع قتامة اللوحة المرسومة للوضع القائم اليوم في السنغال ثمة بصيص من الأمل في إمكانية تفادي الوقوع في الشراك المنصوبة فبالإضافة على أمكانية تنفيذ الخيار الأول من الخيارات المشار إليها سابقا يمكن التعويل على حنكة الشعب السنغالي وقدرته على تجاوز الظروف الحرجة والدقيقة التي مر بها اليوم وذلك رغم شراسة الأزمة الحالية مقارنة مع ما سبقها من الأزمات المختلفة من خلال تفعيل تلك الآليات الخاصة به والتي تتمثل أساسا في:

اللحمة الاجتماعية التي تربط بين مختلف أرجاء المجتمع السنغالي وساهمت كثيرا حتى الآن في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي حظي به المجتمع السنغالي لفترة طويلة.

 

التأثير الايجابي الذي تملكه القوى الدينية التقليدية التي شكل بعض قياداتها في الماضي عوامل توازن إيجابي بحيث يستطيعون العمل على تقريب الصفوف وتدشين حوار بناء ينتهي على نزع فتيل الأزمة وتهدئة النفوس.

 

أن تتحمل القوى الخارجية التي لها مصالح حيوية تقتضي بقاء الأوضاع في السنغال مستقرة وسط هذا البحر الهائج كامل مسئولياتها فتضغط جديا في اتجاه التهدئة.

------

*بالاتفاق مع المجتمع.